بعد عام على سقوط نظام الأسد، ما تزال زوجات المختفين في سوريا عالقات في تيهٍ قانوني واجتماعي واقتصادي. لم يحمل التحول السياسي التاريخي الذي شهدته البلاد لهنّ إجابات شافية أو عدالة أو حتى تخفيفًا عن أعباء الحياة اليومية المرتبطة بالشلل القانوني المترتب على الفقد. قضت كثيرات منهنّ الأسابيع والشهور التالية لسقوط النظام في البحث عن أزواجهن، إلا أنّ معظمهن لم تعثرن على أي أثر يكشف عن مصيرهم. وهكذا تصبح سوريا معرّضة لإعادة إنتاج الظلم الذي اتسم به نظام الأسد إذا لم تُقَرّ إصلاحات وإجراءات ملموسة لدعم هؤلاء النساء.
إن حجم جريمة الاختفاء القسري في سوريا هائل. فقد وثّقت منظمات حقوقية اختفاء ما لا يقل عن 177 ألف شخص خلال النزاع، فيما تقدّر أعداد الضحايا غير المباشرين — أي أفراد الأسرة القريبين — بمئات الآلاف. وتعاني زوجات المختفين تحديدًا من التبعات القاسية لهذه الجريمة، رغم الاعتراف المتزايد بمعاناتهن والإشارات الرمزية الصادرة عن الحكومة الانتقالية، لتبقى حياتهن اليومية مليئة بعدم اليقين والمشقة والتهميش. وبما أن معظم المختفين في سوريا من الرجال الشباب، وغالبيتهم متزوجون ولديهم أطفال، فإن الآثار الاقتصادية والاجتماعية والقانونية والنفسية لاختفائهم عميقة.
يخلق الاختفاء القسري شكلاً فريدًا من المعاناة النفسية المرتبطة بـ”الفقدان الغامض“. يعجز الأقارب عن الحداد التقليدي لغياب اليقين، ما يمنعهم من الاعتراف الكامل بالفقدان، بينما يتبقى لهم في الوقت نفسه بصيص أمل بعودة الغائب. ويضاف على ذلك ما واجهته الكثير من العائلات المقيمة في مناطق سيطرة النظام من قيود على الحديث العلني عن تجاربها أو الوصول إلى الدعم النفسي والمجتمعي.
عالقات في فراغ قانوني
وفقاً لقانون الأحوال الشخصية السوري رقم 59 لعام 1953، لا تستطيع زوجة المختفي أن ترثه أو تتزوج أو تُطَلق أو تباشر بإجراءات الحضانة أو تُسجَّل أرملة ما لم تُقدَّم شهادة وفاة رسمية. هذا الإطار — الذي لم يطرأ عليه أي تعديل لعقود — يعاقب النساء عمليًا على اختفاء أزواجهن، ويتركهن في فراغ قانوني خانق.
وعلى الرغم من سقوط نظام الأسد، لم تقم السلطات الانتقالية حتى الآن بوضع سياسة شاملة لتنظيم أوضاع المختفين أو تقديم مسارات إدارية تساعد العائلات على حل المسائل القانونية والمالية المعلقة. وتقول كثير من النساء أن حياتهن ”متوقفة“، وأنهن غير قادرات على اتخاذ أبسط الخطوات القانونية أو الاقتصادية.
تقول مريم حسن، التي اختفى زوجها وابنها: ”سمعتُ أن الموظفين الحكوميين الذين فُصلوا لأسباب سياسية أو أمنية يمكنهم استعادة وظائفهم ورواتبهم. حاولتُ تقديم طلب لاستعادة راتب زوجي المختفي، لكن قيل لي إنني لن أحصل على ذلك ما لم أعلن وفاته. هذا قرار كبير، وهو عملية قانونية معقدة ومكلفة“.
من الناحية القانونية، يبقى التعامل مع ممتلكات وأموال المفقود أمرًا شديد التعقيد. يقول المحامي جرير كاسوحة، المقيم في دمشق:
”من منظور إنساني، نرغب جميعًا بمساعدة هؤلاء النساء. لكن من الناحية القانونية، الإطار الحالي غير كافٍ. لا تستطيع المحاكم إصدار أحكام اعتمادًا على الاختفاء وحده. نحن نتعامل مع حقوق بشر، ومن دون دليل وفاة يفترض القانون إمكانية عودة الشخص. هذه حالة استثنائية وتتطلب تشريعًا استثنائيًا“.
في العديد من المجتمعات السورية، ما يزال من الشائع إبقاء الملكية العقارية للمنازل التي تقطنها أسر ممتدة مسجّلة باسم الجد حتى بعد وفاته، بدلاً من تقسيمها أو نقلها إلى الورثة. وهذا يعقّد تسوية الملكيات بعد وفاة المالك الأصلي. وعندما يحدث اختفاء، تصبح العملية أكثر صعوبة. إذ غالبًا ما تواجه زوجات وأطفال المختفين نزاعات مع أهل الزوج حول الملكية. ويترك هذا التقليد، المتجذر في البنية الاجتماعية لا القانونية، كثيرًا من النساء دون أي حق رسمي في المنازل الاتي عشن فيها.
وتضيف مريم: ”في معظم الأحياء التي عاش فيها المعتقلون، الملكية مسجّلة غالبًا باسم الجد. زوجي وأنا بنينا منزلنا فوق منزل أهله، لكن قانونيًا، البيت يعود إلى والده. بعض العائلات ترفض منح هذه المنازل لزوجات أو أبناء المختفين، ومن الصعب جداً إثبات الملكية“.
تكلفة الانتظار
بالنظر إلى التحديات القانونية والعملية التي تواجه زوجات المختفين، خاصة تلك المتعلقة بالإرث والحقوق الأسرية، يتّضح أن حل هذه القضايا سيستغرق وقتاً طويلاً، رغم بعض التقدم الذي تحقق في هذا الملف خلال الفترة الماضية.
فقد أنشأت الحكومة الانتقالية ”الهيئة الوطنية للمفقودين“ في مايو\أيار 2024، وكلفتها بتوضيح مصير المختفين ودعم عائلاتهم. وبالفعل، بدأت الهيئة بالتواصل مع العائلات وجمع البيانات في مختلف مناطق سوريا. وتضم الهيئة فريقًا من المستشارين من أقارب الضحايا ومتخصصين سوريين معروفين بمهنيتهم.
ومع ذلك، لم تُعلن أي سياسة شاملة حتى الآن لتوضيح حقوق أو الوضع القانوني لعائلات المختفين. وخلال عدة فعاليات عامة في دمشق، تحدَث بعض أعضاء الهيئة على نحو غير رسمي عن فكرة إصدار ”بطاقة“ أو وثيقة مؤقتة لعائلات المفقودين، كاعتراف رسمي بوضعهم. لكن هذه الفكرة لم تُترجم إلى قرار رسمي، وحتى إن تم تبنّيها، فإن تنفيذها سيستغرق أشهرًا بسبب ضرورة التحقق من البيانات وجمع المعلومات بدقة.
لكن أغلب هذه العائلات لا تملك ترف الانتظار. فكثير منها ينحدر من مناطق دُمرت أثناء الصراع، ويعاني أفرادها الفقر والنزوح، بعد أن أنهكتهم سنوات من الخوف والقلق والاستنزاف المادي من أجل الحصول على أي معلومات عن ذويهم. فقد ابتزت أجهزة نظام الأسد الأهالي واستغلت محنتهم، وأجبرتهم على دفع رشاوى مقابل وعود كاذبة بأخبار أو إفراج لم يتحقق.
ولذلك، فغالبًا ما تكون التداعيات الاقتصادية للإخفاء كارثية على الأهالي، حيث قالت 72% من العائلات في استطلاع قامت به منظمة ”اليوم التالي“ عام 2024 إن الاختفاء أثّر سلبًا على أوضاعها الاقتصادية. وتظهر بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن أعلى نسب الاختفاء كانت في ريف دمشق ودير الزور وحلب — وهي أيضًا مناطق شهدت دمارًا واسعًا.
ومع استمرار هذه المشكلة، يُحرم المزيد من الأطفال من التعليم لأن أمهاتهم لا يستطعن الوصول إلى رواتب أو معاشات أو ممتلكات الآباء المختفين. ويُطرح إعلان وفاة الزوج كحل للوصول إلى هذه الحقوق، لكنه خيار قاسٍ ومكلف ومعقّد. تقول مريم:
”عندما ذهبتُ لإعلان وفاة زوجي، طلبوا مني تقديم إثبات لوفاته. كنت محظوظة لأن لدي تقرير شرطة يفيد بأنه مفقود، وهذا نادرًا ما يحدث لأن نظام الأسد توقف عن إصدار مثل هذه الوثائق. كان بإمكاني إكمال الإجراءات رغم تكلفتها العالية، لكنني قررت في النهاية عدم الاستمرار… لا أريد حلًا استثنائيًا لحالتي فقط. أريد حلًا لكل النساء اللواتي اختفى أزواجهن في مراكز الاعتقال.“
إن اشتراط الإثبات قبل إعلان الوفاة مفهوم من منظور قانوني وحقوقي، فالعائلات لا ترغب في إعلان وفاة أحبائها دون دليل. لكن يجب ألا يمنع هذا الدولة من اتخاذ تدابير فورية وبسيطة لدعم العائلات والاعتراف بمعاناتهن.
ويسمح قانون الأحوال الشخصية رقم 59 لعام 1953 للمحكمة بإعلان وفاة المفقود عند بلوغه سن الثمانين، أو بعد مرور أربع سنوات على اختفائه إذا كان الغياب نتيجة نزاع مسلح أو عمليات عسكرية. كما يوفّر المرسوم التشريعي رقم 15 لعام 2019 إطارًا خاصًا للمفقودين من العسكريين، يسمح للمحاكم بإعلان وفاتهم ومنح عائلاتهم حقوقًا اقتصادية وقانونية معينة. إلا أن هذه القوانين كانت دائمًا تُطبّق بشكل انتقائي في عهد النظام السابق.
إلا أن أغلب القضاة لا يلتزم بتطبيق هذه المواد بانتظام على أرض الواقع. ففي كثير من الحالات، تمنع النزاعات بين الزوجة وأهل الزوج صدور إعلان الوفاة حتى بعد انتهاء الفترة القانونية، لتبقى العائلات عالقة في حالة طويلة من عدم اليقين. ومن غير الواضح كيف ستطبّق الحكومة الانتقالية هذه القوانين أو متى ستصدر إصلاحات جديدة. ومن دون آليات مؤقتة تقدم مسارًا قانونيًا ورعاية اجتماعية، ستظل آلاف العائلات معلّقات بين الفقدان والتحديات القانونية.
الاعتراف بعائلات المختفين
إن معاناة المختفين في سوريا تتطلب تحركًا عاجلًا وعمليًا. ورغم أن تحديد وفاة شخص ما يتطلب خطوات قانونية طويلة، يجب على الدولة ألا تواصل التأخير في تقديم المعلومات الموجودة في مؤسسات النظام السابق وأن تستخدمها في منح وضع قانوني للمختفين، أو بطاقات تعريف لعائلاتهم، ما يسمح للزوجات والأطفال بالحصول على الخدمات الأساسية وممارسة حقوقهم الأساسية.
كما يجب أن تُمنح عائلات المختفين أولوية ضمن الفئات الأكثر ضعفًا في خدمات الدولة. وينبغي الاعتراف بالأثر الجندري للاختفاء، وأن تأخذ البرامج الإنسانية والتنموية المحلية والدولية في الاعتبار هشاشة وضع زوجات وأطفال المختفين، لضمان حصولهم على دعم دون مزيد من التأخير.
إن دعم هؤلاء النساء ليس مجرد واجب أخلاقي — بل هو شرط أساسي لبناء سوريا ما بعد النزاع على أساس الحقوق والعدالة. ومن دون إجراءات فورية ودقيقة لمعالجة أوضاعهن، فإن الفترة الانتقالية مهددة بإعادة إنتاج نفس أنماط الإهمال والظلم التي سادت في عهد الأسد.
لا يمكن لسوريا أن تأمل بمستقبل عادل ومستدام بينما تترك هذه العائلات عالقة في الضياع القانوني والتهميش الاجتماعي، رغم التضحيات الهائلة التي قدمتها.
لينا غوتوق زميلة غير مقيمة في معهد التحرير لدراسات الشرق الأوسط، حيث تعمل على قضايا العدالة الانتقالية في سوريا.