ينزل أحمد من سيارة الأجرة، ويهرول نحو السوق الأسبوعية لمدينة الكاف التونسية، القريبة من حدود الجزائر، متجهًا مباشرةً إلى ركن بائعي الخضر والغلال، وهم بصدد تجميع البضاعة في نهاية اليوم.
لم يكن توجه أحمد، الذي يعمل معلمًا للتربية الرياضية، إلى السوق في آخر اللحظات إهمالا منه، بل كان خطة و”تكتيك استراتيجي“، حسب قوله، من أجل الحصول على الخضروات بأرخص الأثمان؛ لأنه مع نهاية السوق تنزل الأسعار إلى النصف، حيث يتبقى عند الباعة ما يُترك من باقي المشترين.
”الأساتذة أصبحوا من الطبقات الفقيرة“، يقول أحمد، موضحًا أنه متزوج من معلمة مثله، ولهم طفلة واحدة. ثم ينظر إلى بطنه، ويضرب كرشه المنتفخ، ويتساءل ”هل هذا شكل وهيئة جسمانية لمعلم رياضة؟“
ثم يجيب عن نفسه: ”هذه آثار المعكرونة والخبز ونتائج صندوق الدعم وتدني الأجور“.
أزمات محلية وعالمية
عانى التونسيون طيلة الثلاث سنوات الماضية من نقص المواد الغذائية في الأسواق، وغلاء مواد أخرى. وربما كانت صفوف الانتظار الطويلة أمام المخابز ومحلات بيع البن خير دليل على ذلك.
وعزت السلطات الأزمة إلى ”حيتان الاحتكار“ الكبيرة المتحكمة في مسالك التوزيع، التي تحرم التونسيين من قوتهم وطعامهم، بل إن الرئيس التونسي قيس سعيد شن ما سماه بالحرب على الاحتكار وبسببها أُحِيل عدد من رجال الأعمال إلى التحقيق.
لكن هناك أسبابًا أخرى، أكثر عمقًا، تقف وراء هذه الأزمات الغذائية المتواصلة. منها ما يسمى بالأزمة ”الهيكلية“ في الاقتصاد التونسي التي أدت إلى انخفاض قيمة الدينار. وكذلك النقص المتكرر للمياه المتاحة للزراعة، بالإضافة إلى الأزمات العالمية المتتالية مثل الحرب الروسية الأوكرانية وجائحة كورونا.
والمقصود بالأزمة الهيكلية هو عدم التوازن المزمن في علاقة تونس الاقتصادية بالعالم، حيث أن ما يدخل البلاد من العملة الأجنبية (الصادرات والدخل السياحي مثلًا) أقل مما يخرج من في صورة واردات ومدفوعات خارجية (مثل سداد أقساط الديون). ينتج عن ذلك عجز مستمر في ميزان المدفوعات، وهو ما يضغط على الاحتياطي الأجنبي، ويؤدي إلى شح في العملة الأجنبية المتاحة للاستيراد، وارتفاع سعر المنتجات نتيجة لضعف العملة المحلية، التي فقدت أكثر من 50% من قيمتها منذ عام 2011 أمام الدولار الأمريكي. وبالتالي زادت تكلفة منتجات أساسية مثل السكر والشاي والقهوة والأهم القمح، الذي تضاعفت تكلفة استيراده بسبب الأزمة الأوكرانية، وهو المكون الأساسي في صناعة المعكرونة والكسكسي والخبز، وهي منتجات لا غنى عنها على المائدة التونسية.
وبخلاف المشاكل الاقتصادية، عانت البلاد من أزمة في المياه، تفاقمت خلال السنوات الماضية، وأثرت في إنتاج الخضر والحبوب. مثلًا، تعاني منطقة سيدي بوزيد، التي تنتج قرابة 20% من الإنتاج الزراعي في البلاد، من تراجع مهم في حصتها من المياه وهو ما انعكس مباشرة على غلاء الأسعار وتوفر هذه المنتجات في السوق التونسية، ومن ثم تدهور جودة غذاء التونسيين. وهذا التأثير المناخي نجده أيضا في ولاية جندوبة شمال غربي البلاد على الحدود مع الجزائر، حيث تعطلت زراعة اللفت السكري، وتناقصت المساحات المخصصة للزراعات الكبرى بالمنطقة خاصة القمح الصلب.
ولذلك انخفض إنتاج تونس من الحبوب عام 2023 إلى نحو 302 ألف طن، وهو حوالي 80% أقل من متوسط الإنتاج في الخمس سنوات السابقة.
الهروب إلى المعكرونة
التونسيون هم ثاني أكثر شعوب العالم استهلاكًا للمعكرونة بواقع 17 كيلوغراما سنويا للفرد الواحد، بعد الإيطاليين. وتلجأ الكثير من الأسر، مثل أسرة أحمد، إلى المعكرونة المدعومة لتعويض النقص في المواد الغذائية الأخرى، بالرغم من ضعف قيمتها الغذائية. وتعتمد كذلك على السلع الغذائية الأخرى التي تدعمها الحكومة مع صعوبة الوصول إليها أحيانًا.
يقول أحمد: ”بالطبع الزيت المدعم مفقود ومن أجل أن أشتري الخبز يجب أن أنتظر طويلاً“، ثم يستدرك قائلاً إن الوضع تحسن مؤخرًا، لكن المعتاد هو أن البسطاء دائمًا ما يعانون ”دون سبب واضح“.
ويضيف: ”أصبحت الحياة عبارة عن شكشوكة (الطبق التونسي الأشهر المكوَّن من بيض ومعجون طماطم وطماطم طبيعية وبيض) أو عجة أو معكرونة. أما الغلال واللحوم…حتى لحم الدجاج أصبح حلمًا بعيد المنال“.
ثم يضحك مرددا إحدى المقولات التونسية الشهيرة ”العجّة سبب الهَجَّة“ أي سبب المغادرة دون رجعة.
ما يصفه أحمد هو انعكاس لواقع الملايين من التونسيين. فقد توصلت دراسة صدرت عام 2021 أن العائلة المكونة من أب وأم وطفلين في تونس الكبرى تحتاج إلى ميزانية ”كرامة“ شهرية تصل إلى 2400 دينار (حوالي 780 دولار) على الأقل لضمان أساسيات الحياة، بينما لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور الـ500 دينار شهريًا.
وبالتالي، ليس مستغربًا أن تشير بيانات البنك الدولي إلى ارتفاع معدلات نقص التغذية في تونس بشكل ظاهر منذ بداية جائحة كوفيد-19، بالرغم من تحسنها خلال العقود القليلة الماضية. وكذلك ارتفاع نسبة انتشار انعدام الأمن الغذائي المتوسط والشديد في المجتمع من حوالي 18% عام 2015 إلى 28% عام 2021.
دعم لا يكفي؟
ترجع سياسة دعم المواد الأساسية في تونس إلى أربعينيات القرن الماضي، حين أُنْشِئ صندوق الدعم عام 1945 لمساعدة المواطنين المتضررين من آثار الحرب العالمية الثانية. وتواصلت سياسة الدعم في تونس إلى تاريخنا الراهن، حيث اختارت الدولة التونسية تشجيع الاستثمار عن طريق تقديم تسهيلات ضريبية، وتوفير اليد العاملة الماهرة والمدربة مقابل أجور زهيدة، بينما تقوم السلطات من خلال ”صناديق الدعم“، بدعم للمحروقات والتنقل والمواد الغذائية، وتسمح بوُجود سوق بديل من الملابس المستعملة (الفرِيب)، وهكذا يمكن للعُمال أصحاب الأجور الدنيا الحصول على حياة كريمة. لكن هذا النموذج لم يصمد كثيرًا نتيجة عدة عوامل داخلية وخارجية.
لكن لا يمكن لوم الانهيار الذي حدث في الأمن الغذائي للتونسيين على منظومة الدعم أو السياسات الحكومية، أو على الأقل فاللوم لا يقع عليهما بالكامل. فالطبقات الفقيرة، والمتوسطة مازالت المستفيد الأكبر نسبيّا من دعم الغذاء، وليست الطبقات الأغنى، كما أن الإنفاق على الدعم لم ينخفض عبر السنين، إسميًا على الأقل، بحسب سحر مشماش، الباحثة الاقتصادية ومديرة برنامج ”الاقتصادات الشاملة“ بمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط.
وتوضح مشماش أن أحد العوامل المحتملة لتكرار نقص الغذاء هو انخفاض إمدادات الأغذية المستوردة، خصوصًا الحبوب والسكر. فبالرغم من أن الحبوب تشكل أكثر من نصف الأغذية التي تستوردها تونس، إلا أنه بين عامي 2021 و2022، انخفضت إمدادات القمح المستوردة بنسبة 5%، وانخفضت كميات الذرة المستوردة بنسبة 7%، في حين انخفضت كميات الشعير المستوردة بأكثر من الثلث.
كما أن الزيادة في أسعار الغذاء المحسوسة على موائد التونسيين تعود بالأساس للزيادة في أسعار ما لا يتم دعمه، وخاصة مصادر البروتين مثل اللحوم والأسماك، وكذلك الكثير من الفواكه والخضروات، بحسب مشماش. على سبيل المثال، ارتفعت أسعار الغذاء في شهر أبريل 2024 بنسبة 9% على أساس سنوي، مدفوعة بشكل رئيسي بزيادة أسعار القهوة بنسبة 35%، واللحم الضأن بنسبة 26%، والزيوت الصالحة للأكل بنسبة 21%، والتوابل بنسبة 17%، ولحم البقر بنسبة 14.3%، والأسماك الطازجة بنسبة 12%.
سلع مهربة ودجاج في البيوت
في ظل هذه الوضعية الاقتصادية الصعبة، وجدت السلع الغذائية المهربة لها سوقًا رائجًا وسط العائلات التونسية، تحديدًا تلك القادمة من الجزائر. ولا تقتصر هذه الظاهرة على المدن الحدودية فحسب، بل أصبحت هناك رحلات تتوجه من العاصمة نحو المدن الجزائرية من أجل شراء المواد الغذائية وهو ما خلق بعض التوتر بين الجانبين، خاصة بعد اعتقال عدد من التونسيين بتهمة التهريب.
”السلع متوفرة في الجزائر، وأسعارها في متناول الطبقات الشعبية التونسية“، بحسب على (اسم مستعار) الذي يعمل في تجارة المواد الغذائية المهربة. وأضاف علي أن السلطات الجزائرية عادةً ما تغض البصر على تهريب السلع الأساسية، بشرط أن لا تكون الكمية المهربة كبيرة.
ويقول أحمد أن زوجته تذهب مع عدد من نساء الحي إلى المدن الجزائرية القريبة من أجل شراء المواد الغذائية الأساسية، خاصة الزيت والحليب والطحين، وهو ما يساهم في التخفيف من بعض مصاريف الطعام على الأسرة، رغم ”تدني جودة المنتجات الغذائية الجزائرية مقارنة بنظيرتها التونسية“، على حد قوله.
تبنى التونسيون أيضًا عددا من الحلول والممارسات المبتكرة، حيث يتعامل البعض مع الفلاحين مباشرة لشراء الخضار بأسعار أقل وجودة أفضل. كما يتم تنظيم رحلات عبر مجموعات على الفيسبوك إلى المناطق الزراعية لشراء الأطعمة من المنتجين مباشرة، وهو الأمر المستحدث خاصةً بالنسبة للطبقات الوسطى.
وفي هذا السياق يقول وليد العمري، الباحث في المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أن الأزمة نتج عنها عودة بعض العادات، مثل تربية الدجاج في الأحياء الشعبية وكذلك زراعة الخضر على الشرفات أو في المساحات الصغيرة.
الاعتماد على الواردات
مثل تلك الحلول، بطبيعة الحال، غير قادرة وحدها على مجابهة الأزمة، حيث إن أحد أهم مسببات غلاء أسعار المواد الغذائية، وعدم توفرها، وارتفاع تكلفة دعمها حكوميًا هو الاعتماد على الواردات. ولذلك تؤكد الباحثة الاقتصادية سحر مشماش على ضرورة إعادة تقييم النظام الزراعي في تونس ليضمن الأمن الغذائي والسيادة الغذائية.
يمكن تحقيق ذلك، بحسب مشماش، عن طريق تبني وتغيير بعض السياسات، مثل التخلي عن الزراعة الموجهة للتصدير، والتي تفشل في تلبية احتياجات السكان المحليين، وتخصيص الأراضي لزراعة المحاصيل للاستهلاك المحلي، والابتعاد عن البذور المستوردة والاعتماد على البذور الأصلية التي تتكيف بشكل أفضل مع التربة والمناخ في تونس، وتقليل الاستثمار في المحاصيل التي تتطلب كميات كبيرة من المياه، وتستنزف الموارد المائية المحدودة المتاحة.
وعلى مستوى الدعم، تقول مشماش أن على صنّاع السياسات إعادة النظر في سلة الأطعمة المدعومة، حيث إن معظمها ”ليست ملائمة لنظام غذائي صحي، باعتمادها الزائد على الكربوهيدرات ما أدى إلى تفشي ظواهر تتعلق بسوء التغذية مثل السمنة. يمكن جعل النظام أكثر كفاءة من خلال استبدال بعض الأطعمة بنسخ مدعمة من نفس الأصناف (مضاف إليها عناصر غذائية)، أو بأطعمة ذات قيمة غذائية أفضل“.
ولضمان استدامة واستمرارية نظام الدعم، الذي يعد ركيزة الحماية الاجتماعية في تونس، تقول مشماش أنه يجب تمويله من خلال نظام ضريبي عادل ومنصف. ويمكن أن تشمل الإصلاحات للنظام الحالي ضريبة دخل شركات عالية، وضريبة دخل شخصية أكثر تصاعديّة مع فرض معدلات أعلى على أصحاب الدخول المرتفعة، وضريبة ثروة تصاعديّة تأخذ في الاعتبار الأصول الملموسة وغير الملموسة.
وأضافت أنه يمكن أيضًا توظيف برامج الدعم النقدي الشاملة لمساندة منظومة الحماية الاجتماعية الحالية، مثل تقديم إعانات لرعاية للأطفال.
….
تعكس السياسات الغذائية في تونس تاريخيا طويلاً من الصراعات والأزمات، بل إنها تساهم في تحديد التغيرات الكبرى في التاريخ السياسي التونسي مثل أحداث ثورة الخبز أو الانتفاضة التونسية، ويظهر ذلك في الأغاني الثورية المرتبطة بالاحتجاج على ارتفاع أسعار الخبز مثل الأغنية الشهيرة عن الشهيد الفاضل ساسي:
غنّيها يا شعبي الباسل للبحر اللّي ما ينسى
غنّي وقول دمّك يا فاضل
فاح خميرة في الخبزة
غنّي وقول دمّك يا فاضل.
فاح خميرة في الخبزة
يا شهيد…
يا شهيد يا شهيد…
الخبزة رجعت
يا شهيد الخبزة… ثور
طالعة من قبرك وردة
تنادي الشعب يجيك يزور…
مالك زغدودي: كاتب صحفي وباحث في العلوم الاجتماعية، يكتب بعدد من المواقع التونسية والعربية، مهتم بقضايا البيئة وحقوق الإنسان.