عن الموت بأقبية مراكز التحقيق في لبنان رغم إقرار ضمانات حقوقية للمحتجزين

ويبقى السؤال الأساسي كيف تحصل هذه الخروقات الفاضحة في لبنان في ظل وجود قوانين تضمن حقوق المُحتجزين أثناء التحقيقات الأولية، هل فعلياً هذه القوانين تُعتبر حبراً على ورق، وهل الضمانات الحقوقية تقتصر بالتطبيق على حالات معيّنة وأمام أجهزة أمنية محددة فقط، وفي حالات أُخرى تُعتبر بمثابة ديكور تشريعي؟ هذا ما سيحاول المقال الإجابة عنه.


آثار ضرب وحشي وجَلْد لم يتركا مكاناً في الجسد من دون جروح وكدمات، مما أدّى إلى تفسّخ الجلد الذي تراوح لونه بين الأزرق والأحمر بسبب التهاب هذه الجروح بعد خروج الدم منها. هي صورة تقشعر لها الأبدان انتشرت مؤخراً لجثة تعود إلى موقوف سوري الجنسية يدعى بشار عبد السعود الذي توفي تحت التعذيب عند التحقيق معه من قبل جهاز أمن الدولة. وفي التفاصيل، بشار عبد السعود هو لاجئ سوري مقيم في مخيم شاتيلا الواقع في بيروت، وفي 30 آب 2022 أوقفته اللجنة الأمنية في المخيم قبل تسليمه إلى أمن الدولة اللبناني. وطبقاً لشهود عيان، فقد قيّد عناصر جهاز أمن الدولة يديه ورجليه عند مدخل المخيم وأجبروه على إبقاء رأسه بالقرب من قدميه، قبل أن يقتادوه إلى فرع أمن الدولة اللبناني في تبنين، جنوب لبنان. وقد تضاربت المعلومات حول الشبهات والأسباب التي أدّت إلى توقيفه، إذ قيل أنه اعترف أثناء التحقيق بانتمائه إلى تنظيم “داعش”، وقيل أيضاً أنه يعمل في شبكة لترويج المخدرات، وأنه متورط بقضية عملة مزورة (من فئة 50 دولار).

هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، فليست المرة الأولى التي يتعرض فيها موقوف للتعذيب الوحشي الذي يُفضي إلى الموت أحياناً، ومرّات أخرى يؤدي إلى آثار جسدية ونفسية مُزمنة. أُحيل هذا الملف إلى القضاء العسكري لإجراء التحقيق بشكل مخالف للمادة 15 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تنص على أن الجرائم التي يرتكبها أفراد الضابطة العدلية أثناء قيامهم بوظيفتهم بوصفهم مساعدين للنيابة العامة تخضع لصلاحية القضاء العدلي وحده، لذلك أصدرت منظمات حقوقية بياناً طالبت فيه بإحالة القضية إلى القضاء الجزائي العادي .وبتاريخ 29/11/2022، صَدر قرار اتهامي عن قاضي التحقيق العسكري الرئيسة نجاة أبو شقرا، وقد اتهم القرار ضابط وأربعة عناصر بجرائم التعذيب بحسب القانون 65/2017، وتمت إحالة المتهمين إلى المحكمة العسكرية للمحاكمة.

ورغم أن القرار يستوجب النقد لجهة تكريس صلاحية القضاء العسكري، يبقى هذا القرار تاريخي لكونه يوثق ممارسات وحشية حصلت في مركز التحقيق التابع لأمن الدولة. إضافة إلى أنها المرة الأولى التي يتم فيها كسر سلسلة الإفلات من العقاب فيما يخص جرائم التعذيب والادعاء على عناصر من الأمن بموجب قانون تجريم التعذيب 65/2017.

ويبقى السؤال الأساسي كيف تحصل هذه الخروقات الفاضحة في ظل وجود قوانين تضمن حقوق المُحتجزين أثناء التحقيقات الأولية، هل فعلياً هذه القوانين تُعتبر حبراً على ورق، وهل الضمانات الحقوقية تقتصر بالتطبيق على حالات معيّنة وأمام أجهزة أمنية محددة فقط، وفي حالات أُخرى تُعتبر بمثابة ديكور تشريعي؟ هذا ما سيحاول المقال الإجابة عنه.

بدايةً، تُشكل المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الصادر عام 2001 حجر الأساس لحق الدفاع المُقدّس الذي يُعدّ، من دون مجال للشكّ، أحد الحقوق الطبيعية والدستورية والدولية. فهو النصّ القانوني الصريح الذي يُكرّس الحدّ الأدنى من الضمانات لأيّ شخص مشتبه به بارتكاب جريمة، سواء أكان لبناني، أم أجنبي، أو حتى عديم الجنسية، بدءاً من اللحظة الأولى لاحتجازه وطيلة فترة التحقيقات التي تقوم بها الضابطة العدلية، أي القوى الأمنية التي تحقق في الجرائم خلال المرحلة الأولى من الملاحقة الجزائية. وتفرض المادة 47 على هذه القوى واجب إبلاغ المحتجز بحقوقه، كما تفرض تسهيل ممارستها من قبله. وكذلك تُعتبر هذه المادة ضمانة أساسية للحقوق المدنية الجوهرية، كالحرية الشخصية وحقوق الدفاع وقرينة البراءة والحماية من ممارسات العنف والتعذيب، وبشكل أعمّ التعسّف في استعمال السلطة، وأبرز الحقوق والضمانات التي تضمنها هي حق المشتبه به بالتزام الصمت وعدم إكراهه على الكلام، والاتصال بأحد أفراد عائلته أو بصاحب العمل أو بمحام يختاره أو بأحد معارفه، ومقابلة محام يعينه بتصريح يدون على المحضر، والاستعانة بمترجم مُحلف إذا لم يكن يُتقن اللغة العربية، وتقديم طلب للنائب العام بعرضه على طبيب لمعاينته.

بالنسبة إلى حق المشتبه به بمقابلة محام، حصرت المادة هذا الحق بالمقابلة فقط دون أن تورد صراحة إمكانية حضور المحامي التحقيقات الأولية، على أن تكون هذه الُمقابلة مباشرة بعد الاحتجاز وطلب المشتبه به، وقبل المباشرة بالتحقيقات، وإلا فقدت قيمتها والمقصد من ورائها. وبتاريخ 30/9/2020، صدر القانون رقم 191 الرامي إلى تعزيز الضمانات الأساسية وتفعيل حقوق الدفاع، وقد عدَّل المادة 47 وأعطى الحق للمشتبه به بالاستعانة بمحام لحضور التحقيقات الأولية. ومن أبرز الحقوق التي أضافها القانون الجديد، حق المشتبه به بالاستعانة بمحام لحضور استجوابه، والمقابلة بين المشتبه به والمحامي بصورة تضمن سرية المحادثة بينهما وعلى أن تكون مدتها ثلاثين دقيقة كحد أقصى، وإحاطة المشتبه به علماً بالصفة التي يستجوب على أساسها وبالشبهات القائمة ضده وبالأدلة المؤيدة لها لكي يتمكن من تفنيدها والدفاع عن نفسه وتقديم طلب بعرضه على طبيب شرعي متخصص بالصحة الجسدية أو النفسية لمعاينته، وإلزام الضابطة العدلية أن تُبلغ المشتبه به قبل الاستماع إلى أقواله وفور احتجازه بحقوقه تحت طائلة بطلان المحضر، ووجوب أن تكون إجراءات الاستجواب مُصورة بالصوت والصورة بدءًا من لحظة تلاوة حقوق المشكو منه، وأن تُرفق التسجيلات بمحضر التحقيقات الأولية تحت طائلة بطلان المحضر والإجراءات اللاحقة له.

تجدر الإشارة بأن هذا القانون أُقر تبعاً لانتفاضة 17 تشرين، والتي بعثت الروح في الضمانات الحقوقية المنصوص عليها في المادة 47 الذي شكّل محور إحدى أبرز المعارك الحقوقية خلال الانتفاضة التي خاضتها لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين لتكريس حق المشتبه به في الاتصال بمحام واستشارته قبل استجوابه. فرغم وضوح نص المادة 47 حول وجوب ممارسة المحتجز لحقوقه فور احتجازه، لطالما فسّرت سلطات الاحتجاز هذا النص بشكل مخالف لصراحته، خاصة لجهة حق المحتجز بمقابلة محام. ولكن المعادلة انقلبت بعد انتخاب المحامي ملحم خلف على رأس نقابة المحامين في بيروت بتاريخ 17 تشرين الثاني 2019.

فالنقيب خلف الذي كان من المحامين المتطوّعين للدفاع عن المتظاهرين في العام 2015، أَدخل النقابة رسمياً في معركة المادة 47. ففي 19 تشرين الثاني 2019، أي بعد شهر على اندلاع الانتفاضة، رفضت الضابطة العدلية السماح للمحامين بالدخول إلى “ثكنة الحلو” مجدداً لمقابلة 12 متظاهراً ألقي القبض عليهم خلال اعتصام في وسط بيروت، فحضر النقيب خلف إلى الثكنة في ساعة متأخّرة من الليل، ودخل إليها برفقة المحامين لمقابلة المحتجزين. وبعد خروجه، أعلن عبر مُكبّر الصوت للمحامين وللمتظاهرين أمام الثكنة: “لن يُغلق أيّ مكان أمام محامٍ!”

بالطبع، لا يُشكّل الدّخول إلى المخافر حقّاً مرتبطاً بمهنة المحاماة فحسب، بل هو حق يستمدّه من يملك صفة المحامي من الحقوق الطبيعية التي يتمتّع بها أيّ إنسان يفقد حريّته الشخصية ويتمّ عزله عن المجتمع من قبل السلطة التي تحتكر استخدام القوّة بهدف حماية هذا المجتمع. ويؤدّي فتح أبواب المخافر أمام المحامين إلى فتح نافذة للمحتجزين، قد تكون صغيرة، إلّا أنّها بالغة الأهمية كونها تسمح بحماية كرامتهم والدفاع عن حقوقهم في وجه تعّسف السلطة، كما تسمح بخضوع هذه الأماكن المغلقة لرقابة المجتمع الذي تزعم السلطة حمايته.

لذلك، يُعتبر هذا القانون انتصار حقوقي وإنجاز تشريعي ينبغي المحافظة عليه كونه يمنح ضمانات أكثر للمحتجزين. لكن على أرض الواقع ما زال هناك ثغرات إما في القانون نفسه، أو لجهة تطبيقه من الأجهزة الأمنية التي تحاول في بعض الحالات الالتفاف عليه وتفريغه من مضمونه.

الثغرات العملية للقانون

كما ذكرنا سابقاً، يُعتبر القانون رقم 191 إنجاز على الصعيد التشريعي، ولكن من خلال مراقبة تطبيق الضمانات الممنوحة في المادة 47، بالإمكان إبداء الملاحظات التالية:

أولاً، جميع الحقوق الواردة في المادة 47، ولا سيما حق المشتبه به بالاستعانة بمحام أثناء التحقيقات، لا تُمنح للمحتجز بشكل تلقائي، ولكن يقتضي أن يطلبها هو، فالنص يوجب على الضابط العدلي القائم بالتحقيق أن يُحيط المحتجز علماً بحقوقه، ولهذا الأخير إما أن يستفيد منها أو لا. فقد يطلب المشتبه به الاستعانة بمحام أو طلب طبيب شرعي وقد يتنازل عن حقوقه هذه. هذا الأمر يُشكل خطورة بمكان، فمن ناحية أولى قد يكون المحتجز بحالة من الخوف تجعله يتنازل عن حقوقه، أو ببساطة لعدم معرفة الشخص المحتجز بحقوقه، فليس جميع من يتم توقيفهم في مركز شرطة لهم نفس الحس المطلبي بحقوقهم أو المعرفة بالحقوق، خاصة نتيجة إشاعة ثقافة التعذيب في مراكز التحقيقات. ومن ناحية ثانية، ثمّة إجراء يقوم به الكثير من القائمين على التحقيقات وهو الإشارة في محضر التحقيق أن حقوق المحتجز تُليت عليه فرفض الاستفادة منها، وذلك بشكل مخالف للحقيقة، أي من دون أن يُتلى على المشتبه به حقوقه ومن دون أن يتنازل هذا الأخير عنها صراحة، ويتم أخذ توقيع المحتجز على أقواله مما يُصّعب دحضها بعد ذلك أو إقامة الدليل على أن هذا التنازل والتوقيع أُخذا تحت الإكراه، لأن توقيعه يجعل منها مستنداً رسمياً من الصّعب إثبات عكسه. وإلا كيف يمكن تفسير أن أكثرية محاضر التحقيقات لدى الضابطة العدلية يرفض فيها المشتبه فيهم استعمال أي من الحقوق، فكيف يرفض شخص أُوقف فجأة لدى مخفر إعلام أهله بتوقيفه وأن يقول لهم أين هو؟ من هذا المنطلق، فرض القانون 191 تصوير التحقيقات للحد من هذه الممارسات، وطالما أن التصوير لا يحصل اليوم حسب ما سنذكر لاحقاً، فسيبقى من الصعب ضبط الأمور، وتبقى الشكوك قائمة حول ممارسات الضابطة العدلية.

ثانياً، أبقى القانون المُعدل مُدّة الاحتجاز القصوى لدى الضابطة العدلية أربعة أيام بقرار من النائب العام، وبعد هذه الفترة يجب أن يمثل المحتجز أمام قاضي التحقيق أو الحكم من دون تأخير، وإلا يُصبح موقوفاً بشكل غير قانوني، ولكن القانون الجديد لا يُشير إلى هذا الأمر فقد نص أنه “بعد انتهاء مدة الاحتجاز، لا يجوز للنيابة العامة اتخاذ أي إجراء من أي نوع كان بحق الشخص المُحتجز، ويجب على عناصر الضابطة العدلية نقل المُحتجز من مركز الاحتجاز الذي تم استجوابه فيه إلى أي مركز آخر غير تابع للقطعة عينها، على أن يُصار إلى تدوين ذلك في المحضر قبل اختتامه تحت طائلة البطلان”. وكأن القانون يُكرّس هذه الممارسة الغير شرعية بترك الأشخاص محتجزين في النظارات “لصالح النيابات العامة” رغم انقضاء الحد الأقصى لمدة الاحتجاز، فعلى أرض الواقع، ورغم أن النص يحدد المدة القصوى للاحتجاز بأربعة أيام، يبقى بعض المُحتجزين لشهر أو أكثر للمثول لأول مرة أمام المحكمة أو قاضي التحقيق. لذلك، كان من المفترض أن ينُص القانون صراحة على وجوب أن يمثل المحتجز فوراً أمام قاضي التحقيق عند انتهاء المدة القصوى لاحتجازه من دون أي تأخير.

ثالثاً، في أغلبية مراكز التحقيق يوجد لوحة خشبية كبيرة معلقة على الحائط محفور عليها بخط عريض المادة 47 أصول جزائية! ومن خلال مراقبة تطبيق ضمانات هذه المادة يتبيّن مدى اختلاف الالتزام فيها بحسب نوع الجرم المشتبه به، وكذلك بحسب أي من الأجهزة الأمنية يقوم بالتحقيقات. فإذا كان من السهل دخول محام برفقة مشتبه به إلى أحد مراكز التحقيق بجرم عادي، على سبيل المثال شيك من دون رصيد، فالأمر يختلف تماماً في ادعاءات جرائم الإرهاب، أو الادعاءات على المتظاهرين التي شاهدناها بفترة تظاهرات 17 تشرين وما بعدها. بالإضافة إلى ذلك، يختلف تطبيق المادة 47 حسب أي جهاز يقوم بالتحقيق، فمخابرات الجيش وأمن الدولة، على سبيل المثال، لا يطبقا هذه المادة إطلاقاً، وذلك خلافاً للقانون وبقوة الأمر الواقع، ودائماً تحت ذريعة الأسباب الأمنيّة. وأبرز مثال هو موت الموقوف بشار عبد السعود تحت التعذيب لدى جهاز أمن الدولة الذي ذكرناه في مطلع المقال.

وبالعودة إلى احتجاجات طرابلس الحاصلة في نهاية شهر كانون الثاني 2021، والتي استمرت لسبعة أيام بلياليها، هي احتجاجات وُصفت بثورة الجياع وشهدت على نقمة المُهمشين ضد النظام. ونتيجة لهذه الانتفاضة تم توقيف عدد من المشاركين، ومن ثم فقدان عدداً منهم ولم يعلم أحد إذا ما كانوا موجودين لدى مخابرات الجيش أم فرع المعلومات، وحين حاول بعض المحامين التواصل مع هذه الأجهزة لمعرفة مكان تواجد الموقوفين لم يتمّ إعطاؤهم معلومات دقيقة، وهذا ما دفع المحامين المكلّفين من نقابة المحامين في طرابلس إلى تقديم إخبار أمام النيابة العامّة التمييزية بجرم الإخفاء القسري بنحو 25 شخصاً بينهم قاصرين على الأقل، مع وجود مؤشّرات قوية بتعرّض بعض منهم للتعذيب.

وما يؤكد الإخفاء القسري ومدى تعسف الأجهزة الأمنية، فضلاً عن عدم التعاون فيما بينها، ما حدث لأحد الموقوفين وهو قاصر. وفي التفاصيل، أصدرت قوى الأمن الداخلي تعميماً لصورة مفقود قاصر خرج من منزل ذويه قبل التعميم بيومين ولم يعد من دون أن يعلموا شيئاً عنه، تضمّن “لمن يعرف عنه شيئاً، الاتصال بفصيلة القبّة”، لكن المفاجأة الكبرى كانت عندما ظهر المفقود في المحكمة العسكرية بعد أيام على اختفائه، ليتبيّن أنه كان محتجزاً لدى مخابرات الجيش في القبّة، أي على بعد أمتار من فصيلة القبّة التي تبحث عنه!

في ظل هذه الممارسات الفاضحة، والتي تتم بعلم جميع السلطات القضائية من دون اتخاذ إجراءات لمنعها، يُطرح تسائل أساسي: هل القضاء هو من يحكم الأمن كما هي المعادلة الطبيعية لدولة القانون، أم الأمن هو من يحكم القضاء فعلياً؟

لا تسجيل للتحقيقات بالصوت والصورة

كما ذكرنا سابقاً، أوجب القانون 191 تسجيل إجراءات الاستجواب بالصوت والصورة بدءًا من لحظة تلاوة حقوق المشكو منه، تحت طائلة بطلان محضر التحقيق والإجراءات اللاحقة له. وبحسب المادة 5 من القانون، يُعمل به فور نشره في الجريدة الرسمية، باستثناء التسجيلات التي يعمل بها بعد انقضاء مهلة شهرين من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية. وحتى اليوم، انقضى حوالي السنتين على صدور القانون ولم يتم تجهيز مراكز التحقيق بالأدوات اللازمة لتسجيل التحقيقات، والسبب في ذلك، بحسب المعنيين، هو الكلفة الباهظة لتجهيز كل المراكز. وفي هذا السياق، يذكر المحامي مازن حطيط، رئيس لجنة متابعة تطبيق المادة 47 أصول محاكمات جزائية لدى نقابة المحامين في بيروت وعضو مؤسس في لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين، بأن مديرية قوى الأمن الداخلي تقدمت بدراسة خلصت إلى أن كلفة تزويد كافة مراكز التحقيق بمعدّات لتصوير التحقيقات تبلغ 26,200,000$، بالإضافة إلى كلفة 550,000$ سنوياً لشراء أقراص مدمجة. وقد أصدر النائب العام التمييزي تعميماً بتاريخ 11/3/2021 استثنى فيه تسجيل جلسات التحقيق بالصوت والصورة وذلك لحين قيام الدولة اللبنانية بصرف الاعتمادات اللازمة لتأمين التجهيزات التقنية لذلك. تجدر الإشارة إلى أن هذا التعميم قدَّم حجّة للأجهزة الأمنية بعدم تسجيل التحقيقات الأولية حتى في المراكز المجهزة أصلاً كمركز مخابرات الجيش في اليرزة وفرع المعلومات في المقر العام لقوى الأمن الداخلي، لذلك اعتبرت هذه الأجهزة أنها في حل من تطبيق القانون لجهة تسجيل التحقيقات رغم وجود المعدات اللازمة لديها.

وتكمن أهمية قضية تسجيل التحقيقات في كونها تُشكل الضمانة الحقيقية للتأكد من تنفيذ الضابطة العدلية للحقوق الواردة في المادة 47، كما تُشكل الركيزة الأساسية التي بُني عليها القانون لسد الثغرات التي ذكرناها سابقاً مثل أخذ توقيع المشتبه به وتنازله عن الاستفادة من حقوقه تحت الإكراه وبشكل مغاير للواقع. فمع تعطيل إجراء التسجيلات يصعب ضبط الأمور والتأكد من التزام الأجهزة الأمنية بالمادة 47، فنص المادة يوجب إجراء التسجيل من لحظة تلاوة حقوق المشكو منه إلى نهاية التحقيق. وخطورة هذا الوضع تتجلّى بالأهمية البالغة للحظات الأولى من الاحتجاز التي إن أُحيطت بضمانات فعليّة كانت رادعا أمام الانتهاكات وأعمال التعذيب، كونه بعد ذلك تضيع الأدلة ويصعب الإثبات وتبيان الحقيقة كاملة. وإذا كان للمحتجز، الذي تعرض للتعذيب والإكراه على التوقيع على إفادة بتلاوة المحقق عليه حقوقه بشكل صوري ومخالف للواقع، أن يطلب إبطال هذه الإفادة لاحقاً أمام المحكمة. لكن يبدو ذلك على الصعيد العملي صعب جداً، فمن خلال مراجعة اجتهادات المحاكم يتبيّن أنه هناك نُدرة في الأحكام التي تعاود إبطال التحقيقات الأولية لعلة الإكراه، فهذه الأحكام يُمكن عدها على أصابع اليد الواحدة رغم ورود طلبات ودفوع كثيرة من هذا النوع للمحاكم. كما تقتضي الإشارة إلى أنه يوجد اجتهاد شبه ثابت عن محكمة التمييز، وهي المحكمة العليا، يعتبر أن “صدور قرار الاتهام يؤدي إلى إسدال الستار على عيوب التحقيق الأولي لجهة إدلاء المُتهم بتعرضه للضرب خاصة وأنه يتبيّن من محضر التحقيق الأولي أنه لم يرغب بالمعاينة الطبية”!! والمقصود بقرار الاتهام، هو القرار الصادر عن الهيئة الاتهامية والذي بموجبه يصل الملف إلى محكمة الجنايات لإجراء المحاكمة. بالطبع هذا الاجتهاد يستوجب النقد كونه يمس حقوق جوهرية أهمها الحق بالدفاع وغيره، فليس موضوع المقال تفنيد مخالفات هذا التوجه، وما يهمنا من خلال الإشارة إلى هذا الاجتهاد هو مدى صعوبة معاودة إبطال التحقيقات لاحقاً والإضاءة على أهمية إحاطة المراحل الأولى للتحقيقات بضمانات وتنفيذها.

ختاماً، لا شك أن القانون 191/2020 خطوة إصلاحية هامة، ويُعتبر من أهم الإصلاحات القانونية التي أُقرت مؤخراً في النظام الجزائي اللبناني. ولكن، تبقى عقلية النظام الأمني تعمل بعيداً عن الضوابط الحقوقية، خاصة مع انتشار ثقافة انتزاع الاعترافات تحت التعذيب. وما يزيد الأمر تعقيداً هو الأزمة المالية والاقتصادية الخانقة التي يمر بها لبنان، والتي أدّت إلى شلل شبه تام في مرفق العدالة نتيجة إضراب القضاة والمساعدين القضائيين، وانعدام التجهيزات اللوجستية لقصور العدل.

يبقى من الواجب على المنظمات الحقوقية نشر الوعي أكثر حول حقوق المشتبه به المنصوص عليها في المادة 47 لتصل هذه الثقافة الحقوقية إلى أوسع شريحة ممكنة، بالإضافة إلى متابعة الرصد والتوثيق لناحية تطبيق المادة. كذلك، يُطلب من المحامين، بمساندة من نقابتي المحامين في بيروت وطرابلس، الضغط لتطبيق هذه الضمانات أمام رتباء التحقيق في المخافر، وأمام قضاة التحقيق والمحاكم. كما يجب على الدولة ضمان تطبيق القانون 191 لجهة تسجيل التحقيقات بالصوت والصورة من خلال تزويد مراكز التحقيق بالمعدّات اللازمة، وإلى حين تجهيز جميع مراكز التحقيق، أقله تسجيل التحقيقات لدى المراكز المجهزة بكاميرات مثل مركز مخابرات الجيش في اليرزة وفرع المعلومات في المقر العام لقوى الأمن الداخلي.

لعلنا نصل يوماً ما إلى أجهزة أمنية وتحقيقات أولية تراعي الكرامة الإنسانية.

: اقرأ التالي

تعاني مناطق الشمال السوري من نقص في الموارد والبنية التحتية، ما يتسبب في تدهور مستمر في…

هل قام المجتمع الدولي بما يلزم لإيقاف الحرب الدائرة في السودان؟ الجواب بسيط، للأسف. بالطبع لا،…

يلقي عمر طالب نظرة معمّقة على الظروف السياسية والتكييفات القانونية التي أدت إلى إسقاط تهم الفساد…