timep single arabic page
DAMASCUS, SYRIA - MARCH 29: Syrian President Ahmad al-Sharaa arrives to make a speech during the swearing-in ceremony for the first cabinet formed under the presidency of President al-Sharaa after the overthrow of the 61-year Baathist regime, held at the People's Palace in the Syrian capital Damascus on March 29, 2025. (Photo by Bakr Al Kasem/Anadolu via Getty Images)

فرص نادرة وتحديات متشابكة: الحكومة السورية في مفترق طرق

تواجه الحكومة السورية الجديدة مزيجًا معقدًا من التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية، وسط تحولات إقليمية ودولية متسارعة


مرّ أكثر من شهرين على إعلان تشكيل الحكومة السورية الجديدة، شهدت خلالهما البلاد جملةً من التطورات الأمنية والسياسية والاجتماعية، عكست صورةً واقعية للتحديات المعقدة التي تواجه الإدارة السورية والشعب السوري بأسره.

في الصدارة برز العنف المنتشر في مختلف أنحاء البلاد، إذ جاء تشكيل الحكومة بعد أسابيع قليلة من الأحداث الدامية في الساحل السوري. تلا ذلك اندلاع الاشتباكات في أشرفية صحنايا وجرمانا بريف دمشق في أبريل/نيسان على خلفية تسجيل صوتي يحتوي على إهانات تجاه النبي محمد، ما أسفر عن سقوط عدد من الضحايا المدنيين، إلى جانب مسلحين دروز وعناصر من قوات الأمن. وأعقب هذه الأحداث تدخل إسرائيلي بقصف مواقع في ريف دمشق، وقرب القصر الرئاسي بالعاصمة، بحجة حماية الدروز في سوريا.

وفي مدينة القامشلي، شمال شرق البلاد، جاء مؤتمر ”وحدة الصف والموقف الكُردي“، والذي طالب باللامركزية، ليلقي بظلاله على التفاؤل الذي ساد بعد توقيع اتفاق لدمج المؤسسات والقوات الواقعة تحت سيطرة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في الدولة السورية. من جانبها، حذرت السلطات في دمشق من أي محاولات لفرض واقع التقسيم على سوريا.

وعلى المستوى السياسي والاقتصادي، تتابعت التطورات الإيجابية في اتجاه الاعتراف الدولي بالنظام الجديد في دمشق، حيث التقى الرئيس أحمد الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الرياض، بعد إعلان الأخير رفع العقوبات عن البلاد، والتي تبعها تحرك مماثل من الاتحاد الأوروبي. كما زار الشرع باريس، في أول زيارة له لدولة غربية، ورُفع العلم السوري الجديد في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، بينما شارك وزير المالية وحاكم المصرف المركزي السوري في اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن. وإقليميًا، أعلنت الإدارة السورية عن تواصل غير مباشر مع إسرائيل في محاولة لتهدئة التوتر بين الجانبين، إلا أن إطلاق قذائف من إحدى الجماعات داخل الأراضي السورية مطلع يونيو/حزيران، والرد الإسرائيلي عليه قد ينذر بتصعيد جديد في الأوضاع.

وسددت السعودية وقطر الديون المستحقة على سوريا للبنك الدولي ما يفتح الطريق لعودة البنك للعمل في البلاد، خاصة في مشاريع البنية التحتية. كما رفعت المملكة المتحدة العقوبات عن 12 كيانًا سوريًا، بما فيها وزارة الدفاع والداخلية وشركات الإعلام. واستعادت سوريا عضويتها في البنك الإسلامي للتنمية، بناء على طلب الحكومة، في خطوة تجاه إتاحة التمويل الأجنبي للحكومة السورية. 

حجم تلك التطورات، وسرعة تكشفها، يبرز حجم الفرص والتحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تواجه الحكومة الحالية. ولذلك، على الحكومة العمل على نحو حاسم في عدة ملفات أساسية، أهمها العدالة الانتقالية، ومنع العنف، والعقوبات الدولية، والبنية التحتية، والسيطرة على الحدود.

العدالة الانتقالية وملف المختفين

يجب أن يكون تفعيل العدالة، وتعزيز سيادة القانون، أولوية للحكومة، لما له من أثر مباشر على ضبط الدولة واستقرارها. ولذلك، يتعين البدء بمسار العدالة الانتقالية كشرط أساسي لتحقيق المصالحة الوطنية وجبر ضرر الضحايا، ومنع تكرار الانتهاكات مستقبلًا. ويأتي تشكيل ”الهيئة الوطنية للمفقودين“ و ”الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية“ كخطوات أولية بالغة الأهمية، لكنها تستلزم الدعم بإجراءات تنفيذية جدية وفعالة، وغير انتقائية، حتى يترسخ مبدأ سيادة القانون في عموم البلاد. ومن هنا، يجب أن يشمل مسار العدالة جميع الجرائم المرتكبة من كل الأطراف، حيث إن للعدالة الانتقائية مخاطر جمة على حقوق الضحايا، ومن ثم استقرار البلاد.

تُعد قضية المختفين قسريًا من أبرز الملفات العالقة التي تتطلب معالجة عاجلة، إذ تشير التقديرات إلى اختفاء أكثر من 112 ألف سوري قسرًا خلال سنوات النزاع، لا يزال مصير معظمهم مجهولًا، بينما تُرجّح بعض الشهادات أنهم قضوا داخل المعتقلات، أو في مواقع احتجاز سرية تابعة للنظام السابق. وقد زادت المقابر الجماعية التي يتم اكتشافها داخل سوريا من مصداقية هذه الروايات، وشكلت مصدرًا لتجدد الألم، ودافعًا للانتقام وتصفية الحسابات.

يحتاج التعامل مع ملف المختفين فِرقًا مختصة وبنىً مؤسسية قوية، نظرًا لاتساع البقعة الجغرافية للانتهاكات، وهو أمر ما زال يشكّل تحديًا في ظل ظروف ما بعد الحرب، وغياب الكثير من أدوات التحقيق الجنائي الفعّال. كما يبرز عامل نقص الخبرات في الجهاز القضائي وجهاز النيابة العامة وسلطات إنفاذ القانون في التعاطي مع الجرائم الدولية، ما قد يهدد ضمانات المحاكمة العادلة. وذلك بالإضافة إلى أن دخول العديد من الأشخاص إلى الأفرع الأمنية ومراكز الاعتقال بعد سقوط النظام بحثًا عن ذويهم أدى إلى فقدان الكثير من الأدلة أو إضعاف قيمتها الثبوتية.

منع العنف، واحتكار السلاح

أدى سقوط النظام، وتركه جزءًا كبيرًا من ترسانته العسكرية، إلى زيادة انتشار الأسلحة – التي كانت أصلًا متوفرة– في مختلف أنحاء البلاد. ولم تفلح المبادرات والدعوات الحكومية في إقناع جميع المواطنين والمجموعات المسلحة بتسليم سلاحهم حتى الآن.

وقد أسهمت أحداث العنف المتكررة في ترسيخ شعور بعض شرائح المجتمع السوري بأنها مستهدفة، أو مهددة بالاستهداف مستقبلًا، ما يدفعها إلى الاحتفاظ بسلاحها، أو السعي لامتلاك المزيد، حرصًا على ألا تكون الطرف الأضعف إذا ما خرجت الأمور عن سيطرة الدولة. 

وبالتالي تظهر أهمية رفع كفاءة واحترافية العناصر المنضمة إلى كوادر الأمن، حتى تكون قادرة على التصدي للانتهاكات بحيادية وحزم. يتعين على الحكومة التحرك في هذا الملف سريعًا، حيث إن كل يوم يمر والسلاح غير محصور بيد الدولة يصعّب عملية نزعه لاحقًا.

العقوبات الدولية

إن التغيّر في موقف الحكومات الغربية ورفعها العقوبات عن سوريا فرصة ذهبية يجب على الحكومة العمل على استغلالها بأفضل نهج ممكن، واتخاذ الإجراءات المطلوبة لاستكمال رفع تلك العقوبات بشكل كامل ودائم.

بالنسبة للولايات المتحدة، أصدرت السلطات يوم 23 مايو/أيّار رخصة عامة تُتيح تخفيفًا للعقوبات، ما يسمح بدخول استثمارات جديدة، وتحرير حركة القطاع الخاص، وشملت الرئيس السوري أحمد الشرع والحكومة السورية، وأيضًا عددًا من الكيانات الاقتصادية والشركات الهامة ومنها المصرف المركزي السوري والشركة السورية للنفط.

تفاجئ الكثير من المراقبين بسرعة إصدار الرخصة، حيث إن جزءًا كبيرًا من العقوبات المفروضة على سوريا مرتبط بتشريعات وقرارات متراكمة منذ عام 1979، منها ما كان متعلقًا بنظام الأسد، مثل قانون قيصر وغيره، ومنها ما استهدف أطرافًا أخرى شاركت في الصراع. وبالتالي، فما زالت هناك إجراءات معقدة، وتوافق مطلوب، بين الإدارة الأمريكية والكونجرس من أجل رفع العقوبات بشكل دائم .

ويبرز هنا الحوار الذي دار بين الشرع وترامب خلال لقائهما في الرياض، والذي حث فيه الرئيس الأمريكي الشرع على عدة أمور، منها التوقيع على معاهدات إبراهام مع إسرائيل، ودعم مجهودات مكافحة داعش، وتولّي إدارة المعتقلات التي تضم مقاتلي التنظيم في شمال شرق سوريا. 

يفرض هذا الأمر ضغوطًا على الحكومة لاتخاذ خطوات تظهر حسن النية في بعض تلك الملفات أو جميعها، أو على الأقل ضمان عدم تدهورها، تجنبًا لأي تأثير سلبي على استكمال تنفيذ قرار الرئيس الأمريكي برفع العقوبات. وربما تكون المسائل المتعلقة بتنظيم داعش أبرز الملفات التي يمكن للحكومة تحقيق تقدم ملموس، وسريع، فيها، خاصة مع تبني التنظيم هجمات ضد الحكومة مؤخرًا. 

كما قام الاتحاد الأوروبي أيضًا بالإعلان عن رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا بعد أيام من الإعلان الأمريكي، مما يعني أن أهم العقوبات المفروضة على سورية في طريقها للزوال، وبالتالي تصبح عملية إعادة دمج سوريا بالاقتصاد العالمي مسألة تقنية بحتة قد تأخذ وقتا قصيرًا نسبيًا لتفعيلها.

البنية التحتية والخدمات العامة

تضررت البنية التحتية السورية خلال السنوات الماضية بشكل كبير حيث يقدر حجم الدمار بما يقارب 7.8 مليار دولار، ما ينعكس على الخدمات العامة على امتداد البلاد. يشكل هذا الدمار عبئًا كبيرًا على الحكومة الحالية للنهوض بالواقع الخدمي نتيجة الوضع الاقتصاد الضعيف للدولة. كما يؤثر الوضع المتدني للخدمات العامة على قرار عودة اللاجئين والنازحين إلى مناطقهم. ذلك بالإضافة إلى أن عودتهم تزيد العبء على الخدمات والمرافق المنهكة أًصلًا. 

وتتفاوت حالة البنية التحتية في كل منطقة بحسب الدمار الذي حل بها في أثناء الحرب، ففي مدينة مثل دمشق، مثلًا، تحسنت خدمة الكهرباء مقارنة بريف المدينة المدمر إلى حد بعيد. ويتشابه الوضع بالنسبة للقطاع الصحي، الذي مازال يعاني توقف نحو ثلثي مشافي البلاد عن العمل بشكل كلي أو جزئي، بحسب وزير الصحة. يضاف إلى ذلك أزمة نقص الكوادر بسبب ضعف الرواتب، وهي مشكلة عامة في العديد من القطاعات الحيوية، مثل التعليم، الذي يعاني بدوره من التدمير الجزئي أو الكلي لنحو 27 ألف منشأة تعليمية.

وبينما تبرز العقوبات كعائق أساسي أمام عمليات إعادة الإعمار، هناك تحديات أخرى على الحكومة التعامل معها، أبرزها تلك المتعلقة بالتغيّرات المناخية التي ظهر أثرها في أزمة المياه التي تعانيها سوريا؛ مما دفع السلطات إلى زيادة عدد ساعات تقنين الاستهلاك.

السيطرة على الحدود مع إسرائيل

بدأت الموجة الأخيرة من التوغلات الإسرائيلية في سوريا خلال الشهور الأخيرة من حكم الأسد، كجزء من العملية الإسرائيلية ضد حزب الله في الجنوب اللبناني منتصف شهر أكتوبر/تشرين الأول العام الفائت. لاحقًا، وبعد سقوط النظام، استمرت إسرائيل في توغلها مما أسفر عن سقوط ضحايا من المدنيين السوريين.

 تأتي هذه الانتهاكات للسيادة السورية ضمن السياسة الإسرائيلية الرامية لمنع وجود أي قوات تابعة للدولة السورية جنوب دمشق، مع المطالبة بنزع السلاح الموجود في ثلاث محافظات هي القنيطرة ودرعا والسويداء. وترافقت تلك التحركات مع موجات من الضربات الجوية الإسرائيلية استهدفت قواعد عسكرية سورية لإخراجها من الخدمة كما حدث مع مطار حماة العسكري. يأتي ذلك في إطار الرغبة الإسرائيلية في إبقاء سوريا مفتتة أو مقسمة.

تتعامل إسرائيل مع الملف السوري من منظور أمني بحت، دون الالتفات إلى الحكومة السورية الحالية، وتسعى إلى فرض واقع جديد في الجنوب السوري لما بعد مرحلة الأسد. وفي ظل غياب قنوات تواصل مباشرة بين دمشق وتل أبيب، وعجز الدولة السورية عن الرد المباشر أو خوض مواجهة عسكرية شاملة، لا يبقى للحكومة سوى الاعتماد على تعبئة الجهود الإقليمية والدولية للقيام بالوساطة من أجل احتواء التصعيد الإسرائيلي ووقف التوغلات. 

ومع لبنان

شهدت الحدود السورية اللبنانية نشاطًا مكثفًا لعمليات التهريب خلال السنوات الماضية خاصة من قبل حزب الله اللبناني، إلا أن وصول سلطات جديدة إلى الحكم في كلٍ من بيروت ودمشق أعاد طرح ملف ضبط الحدود كأولوية، في محاولة لمنع الأنشطة غير المشروعة.

كما تعمل السلطات في البلدين على منع تكرار حوادث العنف على الحدود مثل ما حدث في مارس/آذار، حين تم اختطاف وقتل ثلاثة جنود سوريين من على الحدود وما تلاه من ردٍ من الجانب السوري. أدت الحادثة إلى اشتباكات عنيفة بالأسلحة الثقيلة وسقوط ضحايا، كما اتهمت وزارة الدفاع السورية حزب الله اللبناني بالوقوف وراء العملية. 

في هذا السياق، اجتمع وزيرا دفاع البلدين في جدة برعاية سعودية، ووقعا على اتفاق يؤكد أهمية ترسيم الحدود وتفعيل آليات التنسيق على المستويات العسكرية والأمنية. كما تزامن مع ذلك اجتماع ضم رؤساء سوريا ولبنان وفرنسا، نوقشت فيه العديد من القضايا، ومنها ملف ضبط الحدود. ويمكن للحكومة في دمشق تحقيق نتائج سريعة في ملف الحدود إذا ما كثفت التنسيق مع الجانب اللبناني، مع التركيز على الأهداف المشتركة للبلدين.

براء خرفان: زميل سابق غير مقيم بمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط متخصص في الحوكمة والسياسة والاقتصاد في سوريا.

: اقرأ التالي

رغم تراكم آلاف الملفات التي توثّق انتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة، يظل أثرها القضائي محدودًا، ما…

تتناول عدة تحقيقات رئيس الوزراء اللبناني السابق نجيب ميقاتي وعددًا من شركائه في لبنان وخارجه، على…