في دايرة الرحلة: كيف يتم إفقار وإذلال أهالي السجناء في مصر؟

تحولت زيارة السجناء في مصر من حق إنساني إلى عبء نفسي ومادي على الأسر، في تجربة تعكس عقابًا ممتدًا يتجاوز أسوار السجن.


تبدأ الرحلة قبل الفجر. يحمل الأهل حقائب مليئة بالطعام والملابس والدواء، لينطلقوا في طريق مرهق نحو سجنٍ بعيد في الصحراء. المسافة طويلة، والتكلفة باهظة من أجل دقائق معدودة يقضونها مع ذويهم المسجونين. تلك الرحلة، التي يفترض أن تكون جسرًا للأمل، تحوّلت إلى طقس من المعاناة والإذلال، تتكرّر مع كل زيارة وتستنزف ما تبقّى من طاقة وكرامة لدى أسر السجناء.

ترهقهم التفاصيل الدقيقة للزيارة: ماذا سنجلب من احتياجات؟ ما الأطعمة التي سنحضرها؟ ما أنواع الفاكهة المسموح بإدخالها؟ هل يمكن إدخال المياه المعدنية؟ وكيف نصل إلى السجن؟ هل هناك مواصلات عامة، أم يجب استئجار سيارة خاصة؟ في أي ساعة تبدأ الزيارة؟

 هذه الأسئلة وغيرها تستهلك معظم وقتهم وتملأ حياتهم بالقلق والترقب الدائم. وهكذا تتحول الزيارات العائلية إلى السجون المصرية من نافذة للدعم والتواصل إنساني، إلى عبء نفسي واقتصادي يثقل كاهل الأسر، ويضاعف معاناة السجناء وذويهم معًا. 

يقول أحد السجناء السابقين: ”في الأول كنت بنتظر أيام الزيارة، بعد كده بقيت اترجاهم (الأهل) ما يجوش، صعبانين عليا المشوار والبهدلة…أنا كده كده كنت عارف إني مش خارج قريب، والزيارة مش هتغيّر حاجة“.

يسعى هذا المقال إلى تسليط الضوء على معاناة أهالي السجناء من الناحية النفسية والاقتصادية، من خلال مقابلات مع خمسة من ذوي السجناء للتعرّف عن قرب على ما يعانونه من أجل رؤية أحبائهم، والإبقاء على حبل الأمل موصول بينهم. كما يتناول كيف يتدبّر الأهالي شئونهم المالية في مواجهة التكاليف الباهظة لتلك الزيارات العائلية، في ظل الوضع الاقتصادي الخانق الذي يعيشه معظم الناس في مصر.

سجن ثانوي وقيود خفية

”المسجون أهله كمان مسجونين معاه…“ — سجين سابق في سجن طرة شديد الحراسة.

تشير شهادات الأهالي والسجناء السابقين إلى أن تجربة الاحتجاز في مصر لا تقتصر على السجين وحده، بل تمتد لتشمل أسرته أيضًا، فيما يُعرف اصطلاحًا بـ”السجن الثانوي“ (Secondary Prisonization)، وهو مصطلح يُستخدم للإشارة إلى حالة الضغوطات والقيود التي يعيشها ذوو السجناء نتيجة ارتباطهم المباشر بالمؤسسة العقابية. 

يجد أهالي السجناء أنفسهم أسرى لمنظومة السجن من الخارج، إذ يدور جزء كبير من حياتهم حول ترتيبات الزيارة، وشراء احتياجات ذويهم، وتحمل أعباء مالية ونفسية مستمرة. وتتفاقم هذه الحالة عندما يكون السجين هو العائل الرئيس للأسرة، مما يؤدي إلى فقدان مصدر الدخل، وإعادة توزيع الموارد المالية المحدودة لتغطية نفقات السجن والزيارة في ظل الارتفاع المستمر والسريع للأسعار مصر.

تتعامل إدارات السجون مع الأهالي كما لو كانوا جزءًا من المنظومة العقابية ذاتها، إذ يُخضعون لإجراءات تفتيش متكررة ومهينة في كثير من الأحيان، ويُجبرون على الالتزام بقواعد صارمة تُصادر حريتهم في التعبير أو الحركة. وتؤدي فترات الانتظار الطويلة، وسوء ظروف أماكن الانتظار، وحرمانهم من المياه أو التهوية المناسبة، إلى تكريس الشعور بالعجز والإذلال، بما يشبه تجربة الاحتجاز نفسها.

وتصف إحدى السيدات – من ذوي السجناء في سجن بدر 3 – هذه التجربة، حيث يتم إدخال كل زيارة على حده، ما يجعل مسألة الانتظار ”نوع من العذاب“.

”مدة الزيارة الواحدة 40 دقيقة، تخيلي ننتظر كام 40 دقيقة لحد ما ندخل. ننتظر في غرفة الانتظار، وطبعًا لا يوجد فيها مروحة.“ وتضيف أن رقمها كان 7 في زيارتها الأخيرة، ولذلك انتظروا لمدة تزيد عن أربع ساعات، يضافوا إلى الساعات الأخرى التي قضوها في التفتيش.

 ”كنا هنموت من التعب والحر والعطش، وابني نام على الأرض من شدة التعب. احنا كنا زي المحبوسين لحد ما الباص يوصل. الكراسي مش متاحة للناس كلها، والمكان صغير جدًا وجنبه حمام ريحته سيئة جدًا، الأرض قذرة جدًا، ولا يوجد مياه للشرب، وكان ممنوع حتى نتحرك من مكاننا، حتى ولو للخروج وشراء المياه.“

تعكس هذه الشهادة جانبًا من البعد الإنساني للسجن الثانوي الذي يعيشه الأهالي قسرًا، إذ يصبحون جزءًا من دورة الاحتجاز ذاتها، يخضعون لنفس أنماط السيطرة، والانتظار، والحرمان، وإن كانوا خارج القضبان. يضطر أفراد الأسرة إلى التعامل مع منظومة العدالة الجنائية بكل ما تنطوي عليه من تعقيدات إجرائية وبيروقراطية. ومع مرور الوقت، يتحوّل هذا التفاعل القسري إلى معاناة متكرّرة مع كل زيارة للسجن.

رحلة طويلة إلى الظل

”العربية (السيارة) كانت بتنزلنا قبل السجن بتلاتة أو أربعة كيلو وبعدين نمشي مسافة كبيرة جدًا لحد ما نوصل للبوابة. والبوابة عاملينها بطريقة متعرجة وبعدين طوابير (صفوف) طويلة، أكتر من 300 متر. الدنيا صعبة جدًا والسجن أصلاً معمول في منطقة الحياة فيها موحشة.“ — شقيقة أحد السجناء في سجن برج العرب

لا يتضمّن قانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل أي نص يُلزم السلطات بتوزيع السجناء على سجون قريبة من محل إقامتهم لتسهيل زيارات ذويهم. ونتيجة لذلك، أصبح لدى قطاع الحماية المجتمعية (مصلحة السجون سابقًا) صلاحيات تقديرية واسعة تتيح توزيع السجناء وفقًا لاعتبارات أمنية دون الالتفات إلى البعد الجغرافي أو ظروف الأسر.

تروي زوجة أحد السجناء في سجن بدر 3، أن الطريق بين مسكنها في محافظة الفيوم (نحو 100 كم جنوب القاهرة) والسجن يستغرق من 3 إلى 4 ساعات. ولأن التسجيل للزيارة يبدأ الفجر، فهي تضطر للتحرك من المنزل الساعة واحدة ونصف صباحًا، وبالطبع تستأجر سيارة خاصة تصل تكلفتها لـ1,600 جنيه (نحو 35 دولار)، وهو رقم كبير بالنسبة إلى دخلها.

يتعارض تجاهل القوانين المصرية لتوزيع السجناء بالقرب من محل سكنهم مع القاعدة رقم 59 من القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء الصادرة عن الأمم المتحدة، التي تنص على أن ”يُوزّع السجناء، قدر الإمكان، على أماكن قريبة من منازلهم أو من مواقع إعادة تأهيلهم اجتماعيًا“.

وهكذا تصبح سياسة ”التغريب“ التي تُمارس بحق السجناء غير مخالفة للقانون، حيث يُنقل سجناء من محافظات الصعيد جنوبًا إلى سجون في الوجه البحري شمالًا والعكس. ويُستخدم التغريب أحيانًا كأداة عقابية أو تأديبية، كما حدث في يونيو 2024 عندما رحّلت إدارة سجن بدر 1 عشرات السجناء إلى مركزي الوادي الجديد والمنيا عقب إضرابهم احتجاجًا على سوء الأوضاع المعيشية. ويقع سجن بدر على بعد نحو 60 كيلو شرق القاهرة، بينما يقع سجنا المنيا والوادي الجديد على بعد 260 و600 كم جنوبًا، على التوالي.

 هذه الإجراءات لا تُضاعف فقط معاناة السجناء، بل تُثقل كاهل أسرهم اقتصاديًا ونفسيًا، إذ تُرغمهم على قطع مسافات طويلة وتحمل تكاليف متزايدة لمجرد رؤية ذويهم، ناهيك عن عزلة السجناء النفسية وتقويض أحد آخر سُبل صلتهم بالعالم الخارجي.

وحتى بدون تغريب، فقد أدت سياسات النقل الجماعي للسجناء التي بدأت مع افتتاح مراكز الإصلاح (السجون) الجديدة إلى تفاقم الأزمة. فمنذ منتصف عام 2022، نُقل نزلاء سجون قديمة مثل طرة، وبنها، والإسكندرية، والمنيا إلى سجون بعيدة ونائية مثل بدر، ووادي النطرون، والعاشر من رمضان، وأخميم. وقد تمّ هذا النقل دون أي اعتبار لتكلفة السفر أو المشقة التي تتحملها الأسر في الوصول إلى تلك المناطق، خصوصًا مع ضعف شبكات النقل العام وبُعد هذه السجون عن المناطق السكنية.

تقول زوجة أحد السجناء في مركز بدر 3: ”الطريق لسجن بدر في صحراء جرداء، مفيش مواصلات عامة تروح هناك، أصلًا لازم تروحي مع شخص ثقة ويكون له خبرة بالطريق، حتى يقدر على الوصول هناك“.

وتضيف: ”المكان بعيد جدًا والطريق معقد، والمكان موحش ومفيش إنارة، ولو حصلك حاجة على الطريق مفيش حد هيعرف يوصلك. لذلك لازم كل الناس تروح بسياراتها الخاصة، وفيه ناس تستأجر سيارات في مجموعات أو بشكل فردي“.

تتفاقم هذه المعاناة مع موجات التضخم الناتج عن ضعف الجنيه المصري عبر السنوات، وهو ما أدّى إلى زيادات حادة ,ومستمرة في أسعار الوقود والمواصلات. وباتت تكلفة الانتقال في كل زيارة تتراوح بين 1,000 و1,600 جنيه (20-35 دولار) في المتوسط، وهو مبلغ مرهق لأسَر أغلبها من الطبقات منخفضة أو محدودة الدخل.

إجراءات الزيارات: سجن آخر وإذلال مستمر

”الحلويات ممنوعة. والبروتين نوع واحد، والخضار نوع واحد وبكمية قليلة، ولما بيلاقوا كمية الأكل كبيرة يسمحوا بدخول كمية قليلة منها، ويتركوا الأكل الزيادة على جنب… بس طبعا في الحر ده الأكل يفسد ويصبح عديم الفائدة.“ — شقيقة سجين في مركز إصلاح بدر 1.

 تتعاظم حالة ”السجن الثانوي“، مع التعامل القسري والعنيف من قبل إدارة السجن، إذ يُعامَل الأهالي كما لو كانوا مذنبين بالتبعية لذويهم، ويخضعون لمراقبة دقيقة وتفتيشات متعددة، بدءًا بالتفتيش الذاتي الذي ينتهك حرمة أجسادهم، ومرورًا بتفتيش متعلقات الزيارة أكثر من مرة. وتزداد هذه المعاناة مع غموض قانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل فيما يتعلق بالأشياء الممنوعة، ما يمنح المسؤولين في السجن صلاحيات تقديرية واسعة لإدخال أو منع أي مستلزم وفق رؤيتهم الخاصة. 

وهكذا، كثيرًا ما يتحول مجهود الأسر في تجهيز ما استطاعت من مستلزمات، آملين في إيصال شيء من الحنان والدعم إلى ذويهم خلف الأسوار والبوابات المغلقة، إلى خيبة أمل وإحباط، وعبء ثقيل على أسر أرهقها الفقر والتهميش. يُحرم السجين من احتياجاته الأساسية، ويُحرم أهله من ممارسة أبسط حقوقهم في دعم ذويهم وربطهم بالعالم الخارجي، ما يزيد شعورهم بالغربة والعزلة.

في سجن بدر 1 يوجد ”مرحلتين تفتيش ذاتي، واحدة على البوابة الخارجية، والثانية عند الدخول للزيارة، و3 تفتيشات للمأكولات: واحدة على البوابة الخارجية، وواحدة على بوابة بدر 1، وواحدة عند مكان الزيارة“، بحسب شقيقة أحد السجناء. 

كما تصف زوجة أحد السجناء في مركز بدر 3 صعوبات إدخال الطعام والمؤن لزوجها:

”في ناس بتدخل حاجات أول مرة وفي تاني مرة مش بيسمحوا يدخلوها. يعني مثلًا بعد الإضراب الأخير في بدر 3 بدأوا يسمحوا بدخول الشامبو، أنا أخذت شامبو مرتين ورفضوا يدخلوه مع أن في ناس كتير دخلته. كل مرة بيفتشنا شخص جديد غير الزيارة اللي قبلها.“

وفقًا لأهالي السجناء، تتراوح تكلفة تجهيز الطعام لكل زيارة بين 1,500 و3,000 جنيه (30-60 دولار)، بالإضافة إلى ما يُرسَل عبر الحوالات البريدية للسجناء لينفقوا منه على احتياجاتهم داخل السجن، والتي تتفاوت بين 500 جنيه وما يزيد عن 2000 جنيه (10-40 دولار) بحسب قدرة الأسر المالية، مما يعكس العبء الاقتصادي الذي تتحمله الأسر في سبيل زيارة ذويهم.

يضطر كثير من الأهالي إلى تقليص عددها رغم ما يترتب على ذلك من معاناة نفسية عميقة لهم ولذويهم خلف القضبان. إذ تتحول الزيارة من حق إنساني أساسي إلى عبء مالي يفوق قدرة غالبية الأسر، ما يعمّق عزلة السجناء عن محيطهم الخارجي.

وتوضح زوجة سجين في وادي النطرون: ”ده يعتبر سجن استثماري…كانت الزيارة كل ١٥ يوم، وبيبقى معانا الأولاد، وكانت مادياً مكلفة جدًا. فبعد أول زيارة، زوجي قال بلاش تيجوا كل ١٥ يوم…خلوها كل شهر، وكل شهر مدة طويلة شوية، فبقينا نزوره كل ٣ أسابيع“.

استنزاف مادي وعاطفي

”ده دمار نفسي، بعد ما بشوف المعاناة والبهدلة وقلة الاحترام، وأتخيل أن بنتي قاعدة في السجن، انا بقعد كام ساعة وما بقدرش أتحمل…وأرجع أفتكر أن أنا بنتي جوه، أنا بحس إني مبسوطة وإني اطمنت على بنتي، وبتضايق أكتر، شعورين متناقضين في نفس الوقت“. — والدة إحدى السجينات

يتّضح من هذه الشهادات أن معاناة الأسر لا تقلّ قسوة عن معاناة ذويهم داخل السجون، إذ يعيشون نوعًا من ”الاحتجاز“ الممتد خارج الأسوار، يتجسد في الانتظار، والعجز، والاستنزاف المادي والعاطفي المتكرر. كما تُبرز شهادات الأهالي وما رووه من تجارب واقعية حجم الفجوات القانونية والإجرائية في قانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل ولائحته التنفيذية، الأمر الذي يستدعي تعديلات تشريعية شاملة تضمن توزيع السجناء على مراكز إصلاح قريبة من أماكن إقامة أسرهم، بما يخفف العبء المالي والنفسي الذي تتحمله هذه الأسر في كل زيارة. كما ينبغي وضع لائحة واضحة وموحدة بالأشياء الممنوع إدخالها في أثناء الزيارات، لتقييد السلطة التقديرية الواسعة الممنوحة لإدارات السجون، ومنع استخدامها بطريقة تعسفية تزيد عزلة السجناء ومعاناة ذويهم.

ولا يسعنا إلا أن نثمّن صمود أهالي السجناء في رحلتهم الشاقة حول ما يشبه مدارًا مؤلمًا من الانتظار والمعاناة — رحلة الزيارات — التي تستنزف طاقتهم النفسية والمادية على حدّ سواء. ونطالب السلطات المصرية أن تضع حدًّا لهذه السياسات التي تشبه العقاب الجماعي لأسر السجناء الذين يعيشون تجربة الاحتجاز ذاتها، وجدانيًا وجسديًا، في أثناء الزيارات

دينا كامل: زميلة غير مقيمة في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، تعمل على قضايا سيادة القانون.

: اقرأ التالي

سيكون للبرلمان الذي سيُنْتَخَب الشهر الحالي دورًا مهمًا في المشهد السياسي خلال السنوات القادمة مع انتهاء…

يمكن للتقنيات الحديثة أن تعزز كفاءة مرفق القضاء، لكنها قد تتحول أيضًا لأداة لتقييد الحقوق. تقيّم…

أُفرج مؤخراً عن حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة بعد أن قضى عاماً في الحبس الاحتياطي…