Read this article in English.
558 قتيلًا. هذا هو العدد الرسمي الذي أعلن عنه وزير الصحة اللبناني فراس الأبيض صباح يوم 24 سبتمبر جراء تصعيد العدوان الإسرائيلي على لبنان. 558 إنسانًا قتلتهم غارات الجيش الإسرائيلي في يوم واحد. والأرقام في تزايد. هذه الاستراتيجية الجديدة للـ”التصعيد باسم التهدئة” هي آخر إضافة لسلسة المصطلحات المضللة التي اخترعتها إسرائيل وحلفاؤها لتشويه الحقائق، وتضليل من يحاول فهم أو وصف العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة منذ يوم 7 أكتوبر لتخفي حقيقتها الواضحة كحملة ممنهجة للتطهير العرقي والتهجير الجماعي.
أولًا، علينا أن نضع الأمور في سياقها: خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006، والتي استمرت 34 يومًا، قُتل 1191 شخصًا. يوم 23 سبتمبر وحده، قتلت إسرائيل نصف هذا العدد. على الأرجح قتلت إسرائيل أكثر من نصف هذا العدد، لأننا نجهل عدد الأشخاص الذين لا يزالون تحت الأنقاض دون أن تصلهم فرق الإسعاف.
فر المواطنون من بيوتهم بينما كانت الطائرات الإسرائيلية تدك البنية التحتية–المدنية والحكومية–جنوب البلاد وشرقها بحجة استهداف منصات صواريخ حزب الله ومرافقه العسكرية. الرسالة واضحة: لقد انتهت مرحلة المناوشات التي استمرت 11 شهرًا مع الحزب، نحن الآن في مرحلة الحرب الشاملة على لبنان.
استهدفت إسرائيل البنايات السكنية، مثل المبنى الذي قُُتلت فيه دينا درويش، موظفة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وابنها. استهدفت شركات خاصة ومستشفيات حكومية ومزارع في البقاع و 16 سيارة إسعاف وسيارات إطفاء وغيرها. تم تهجير أكثر من 90,500 شخص خلال الأسبوع، بحسب الأمم المتحدة، ليتخطى إجمالي عدد النازحين منذ 8 أكتوبر 200,000 شخصًا.
عجّت منصات التواصل الاجتماعي اللبنانية باستغاثات تبحث عن الأقارب والأصدقاء الذين فُقدوا خلال الفرار المذعور من الجنوب مع انقطاع الإنترنت، وسائر وسائل الاتصال. احتشد عشرات الآلاف داخل السيارات والشاحنات للهرب، ازدحمت الطرق ثم شُلّت بالكامل. نفذ الوقود من البعض. استغرق الطريق من صور إلى صيدا أكثر من 4 ساعات رغم أنه عادة يستغرق 30 دقيقة. ووصل بعض الناس إلى بيروت بعد أكثر من 12 ساعة على الطريق: منهكين وجائعين وخائفين.
هو اليوم الأكثر ظلامًا ودموية في لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية.
اللافت وسط كل هذا الذعر، هو غياب الحكومة اللبنانية. لم تشارك أي وكالة حكومية لبنانية بشكل فعّال في إدارة أو تسهيل عمليات الإجلاء، ولم تُصدر الأجهزة الأمنية توجيهات أو تنشر القوات لإدارة الطرق ومساعدة الناس على الهروب. بل بدت حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، بقيادة نجيب ميقاتي، مرتبكة وعاجزة بينما تحل الكارثة على البلاد.
لكن ما حدث لم يكن مفاجأة. فالحرب على لبنان مستمرة منذ نحو سنة، والوضع يتفاقم ببطء من شهر إلى الآخر، حتى وصل إلى مرحلة الغليان الحالية. تزايدت حدة الصراع مع استمرار استهداف حزب الله شمال إسرائيل، ورهْن أمينه العام إيقاف الأعمال العدائية بالوصول إلى وقف إطلاق النار في غزة. رد الجيش الإسرائيلي بحملات قصف واسعة استهدفت قادة حزب الله في ضواحي بيروت، واعتمد سياسة “الأرض المحروقة” في الجنوب بهدف دفع قوات الحزب شمال نهر الليطاني لإنشاء منطقة عازلة لحماية بلدات شمال إسرائيل، وهو الهدف الذي طالما أراده الإسرائيليون.
المقصود هو أنه كان لدى الحكومة اللبنانية قرابة عام كامل لوضع خطط طوارئ للتعامل مع أسوأ السيناريوهات، بما في ذلك تجهيز ملاجئ تكفي مئات آلاف من المواطنين، وتخزين الإمدادات الطبية، وتدعيم شبكات الاتصالات والانترنت في البلاد. لكن عوضا عن ذلك، انشغلت الحكومة بإطلاق حملات مستَهلكة لدعم السياحة والتفنّن في تجنب التحقيقات الدولية في قضايا غسيل الأموال الخاصة بحاكم مصرفها المركزي السابق.
ونتيجة غياب الاستجابة الحكومية، نهض المواطنون العاديون لمساعدة بعضهم البعض مثلما حدث بعد انفجار المرفأ في أغسطس 2020. انهالت طلبات توفير المأوى للنازحين، والأكل والبنزين للعالقين في الطريق، والمواصلات لمن لم يستطيعوا الخروج من مدنهم وقراهم بعد. هبّ اللبنانيون لتعويض فشل الحكومة. فُتحت المنازل والشقق للنازحين، ووُزع الماء والطعام على الطرق السريعة، وأُرسلت السيارات لنقل العالقين. كما أطلق الأهالي حملات جمع التبرعات للصليب الأحمر اللبناني والدفاع المدني، ليصبح التضامن الشعبي والوحدة الوطنية اللبنانية النقطة المضيئة الوحيدة في أسبوع مليء بالرعب.
لكن ماذا سيحدث إذا استمر القصف الإسرائيلي، ونزح المزيد من الناس؟ ماذا سيحدث عندما تشتد الأزمة وتنضب منابع التضامن؟ الأزمة الاقتصادية في الخمس سنوات الماضية أضعفت الكثير من الروابط المدنية والوطنية، مع انتشار التلاعب في أسعار الأكل والطاقة والسكن التي كانت عند أعلى مستوياتها حتى قبل حدوث المجزرة يوم 23 سبتمبر. في الأيام الأخيرة سمعنا أن هناك من يطلب إيجارات طائلة، تُدفع مقدمًا لثلاثة أو ستة أشهر. مثل تلك الممارسات كانت شائعة خلال انهيار العملة في 2021 و 2022، مع ظهور أسواق غير رسمية لكل السلع الأساسية، واستغلال المحتكرين يأس الناس وخوفهم. نفس الشيء يحدث وقت الحروب.
أهم ما تعلمناه خلال عام كامل من القتل والقصف في غزة هو أن إسرائيل لا تخضع لأي ضغوط من الحكومات الغربية أو القانون الدولي. كسرت إسرائيل قواعد الحرب بضرب المستشفيات، ومعسكرات اللاجئين، وفرق الإغاثة، والمسعفين، وغيرهم. يتكرر نفس السيناريو بحذافيره في لبنان هذا الأسبوع باستهداف المدنيين في حملة قصف موسعة. المسعفون وعمال الإغاثة والصحفيون والمدرسون والأطفال وكبار السنّ، والمواطنون العاديون شكلوا غالبية الضحايا. أبلغ المسؤولون الإسرائيليون الناس عبر رسائل نصية ومكالمات هاتفية بإخلاء منازلهم، بينما كانت القنابل تسقط عليهم، وهو ما كانوا يفعلونه في غزة لأكثر من 350 يومًا مضوا. ما حدث في غزة طيلة العام الماضي، يحدث الآن في لبنان دون أي احتجاج حقيقي من دول العالم أو تدخل ممن يفترض فيهم حماية القانون الدولي.
في الوقت الحالي، يجب توسيع وتحسين قدرة الحكومة اللبنانية على الاستجابة للطوارئ بعد أدائها المتواضع الأيام الأخيرة. المطلوب هو استجابة وطنية واسعة تماثل التعبئة المبكرة التي سبقت وباء الكورونا. هناك نحو 283 ملجأ في لبنان يستضيفون نحو 40,000 شخص، لكن هناك حاجة إلى المزيد. يتعين على الحكومة فتح جميع المدارس والمساحات العامة الآمنة للنازحين، وعلى أجهزة الأمن تسهيل الحركة من المناطق الخطرة نحو الملاجئ. على قادة الدولة اللبنانية ودبلوماسييها طلب المساعدات العاجلة– مثلما حدث بعد تفجير المرفأ عام 2020– من المنظمات الدولية لتوفير الإمدادات الغذائية، والأدوية، والوقود، والمعدات الطبية، ومعدات الطوارئ وكذلك الأطقم الطبية لمواجهة مجزرة هذا الأسبوع، وتجهيز لبنان لما سيأتي.
منذ سقوط أولى القنابل على غزة منذ نحو عام، بات واضحًا أن الحكومات الغربية، تحديدًا في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا، ليس لديها مانع في استمرار المجازر العسكرية الإسرائيلية. مؤخرًا، كشف تحقيق صحفي أن وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، تجاهل نتائج تحقيق حكومي حول سياسات التجويع الإسرائيلية في غزة حفاظًا على تدفق الأسلحة إلى تل أبيب. بلينكن هو نفسه الذي عبر عن قلقه من توسع الحرب على لبنان، وهو أيضًا الذي يؤكد أنه يعمل على إيقافها. ما زالت الظروف الهيكلية التي تمنح إسرائيل الحصانة متماسكة وقوية. ما يعني أن إسرائيل ستفعل ما يحلو لها في غزة ولبنان.
عبارات القلق والصدمة الدبلوماسية لم تفد غزة، ولن تفيد لبنان. الحل الوحيد هو وضع ضغط حقيقي على إسرائيل للموافقة على وقف إطلاق النار وتمهيد الطريق نحو الحل الدبلوماسي. إن معظم سكان الدول التي تدعم إسرائيل يعارضون تصرفات إسرائيل ودعم حكوماتهم لها. يجب على المظاهرات أن تستمر، والاستقالات أن تزيد، يجب أن يواصل الناس معارضة الوضع القائم. كذلك، يتعين على المنظمات الدولية مضاعفة جهودها الدبلوماسية والإنسانية لإنهاء المجازر، وإرسال المزيد من المعونات والعاملين لإنقاذ الأرواح.
مثل هذه الخطوات، ولا شيء أقل، هو ما يجب اتخاذه. الحرب مستمرة منذ 11 شهراً، ولا يوجد مجال للتأخير.
زياد ياغي زميل غير مقيم في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، يركز على الحوكمة والسياسة والاقتصاد في لبنان.