timep single arabic page
Photo taken during a protest against Lebanon's economic situation in front of the country's Central Bank. (Photo by Marwan Naamani/picture alliance via Getty Images)

قراءة في التحقيقات المفتوحة بحق نجيب ميقاتي داخل لبنان وخارجه

تتناول عدة تحقيقات رئيس الوزراء اللبناني السابق نجيب ميقاتي وعددًا من شركائه في لبنان وخارجه، على خلفية الاشتباه في ارتكابهم جرائم مالية.


يُعدّ نجيب ميقاتي واحدًا من أبرز السياسيين ورجال الأعمال اللبنانيين، وأحد أثرى المليارديرات في البلاد. وقد شغل عدة مناصب عامة، من بينها رئاسة الحكومة اللبنانية لثلاث فترات، كان آخرها في الفترة الحرجة بين سبتمبر/أيلول 2021 وفبراير/شباط 2025، التي عانت فيها البلاد من الانهيار الاقتصادي والجمود السياسي. 

خضع نجيب ميقاتي وعدد من شركائه لتحقيقات في لبنان وخارجه على خلفية شبهات تتعلق بتبييض الأموال، والإثراء غير المشروع، وجرائم مالية أخرى. وتمثّل هذه التحقيقات إحدى الحالات النادرة التي خضع فيها سياسيون نافذون في لبنان للتدقيق القضائي.

ملخص التحقيقات في لبنان

التحقيقات في شبهات الإثراء غير المشروع من برنامج قروض السكن المدعومة:

في عام 2018، كشف الصحفي سالم زهران أن عددًا من أفراد النخبة السياسية الثرية في لبنان، ومن بينهم نجيب ميقاتي، استفادوا بشكل غير قانوني من قروض سكن مدعومة كانت مخصّصة لأصحاب الدخول المنخفضة. حصلت شركات مملوكة لميقاتي وأفراد من عائلته، بحسب زهران، على تسعة قروض مدعومة بين عامي 2010 و2013، ما أتاح لهم الاستفادة من تسهيلات ائتمانية سكنية بقيمة 14 مليون دولار من مصرف لبنان المركزي.

وبعد فترة وجيزة من اندلاع ثورة أكتوبر/تشرين الأول 2019 في لبنان، وجّهت المدعية العامة غادة عون اتهامات إلى نجيب ميقاتي وابنه ماهر وآخرون بالإثراء غير المشروع ومخالفات أخرى مرتبطة بهذه القضية. وشكّلت هذه الخطوة أول تطبيق لقانون الإثراء غير المشروع الذي وُضع أساسًا عام 1953. 

نفى ميقاتي جميع الاتهامات الموجهة إليه، معتبرًا أنها مدفوعة سياسيًا، ومؤكدًا أن القروض مُنحت وفقًا للقواعد المعتمدة لدى مصرف لبنان المركزي.

أُحيلت القضية لاحقًا إلى قاضي التحقيق شربل أبو سمرا، الذي أسقط التهم لأسباب إجرائية عام 2022، استنادًا إلى أن الادعاء قُدّم بعد انقضاء مهلة التقادم، وهي الفترة القانونية التي لا يمكن بعد انقضائها مباشرة الملاحقة القضائية. وقد انتقد عدد من الخبراء هذا القرار، مشيرين إلى أن القاضي احتسب مدة التقادم ابتداءً من تاريخ منح آخر قرض عام 2013، بدلًا من تاريخ اكتشاف الجُرم عام 2018 كما ينص القانون. وبغض النظر عن هذه الاعتراضات، أُقفلت التحقيقات في هذه القضية.

التحقيقات المرتبطة بالاستحواذ غير المشروع على أسهم في بنك عوده:

في مطلع عام 2025، وجّهت المدعية العامة غادة عون اتهامات جديدة إلى نجيب ميقاتي وشقيقه طه، وإلى حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، إضافة إلى بنك عوده، على خلفية شبهات تتعلق بتبييض الأموال، وإساءة استعمال السلطة، والإثراء غير المشروع.

بين عامي 2010 و2014 حصل نجيب وطه ميقاتي على قروض من بنك عوده تقارب قيمتها الإجمالية 300 مليون دولار (نحو 150 مليون دولار لكل منهما) بفوائد متدنية، و اشتروا بها سندات قاموا باستخدامها لاحقًا كضمانة لشراء أسهم في بنك عوده نفسه. وقد جرت هذه العملية تحت إشراف رياض سلامة، في مخالفة لقانون النقد والتسليف الذي يحظر على المصارف تمويل شراء أسهمها.

كما أن الشقيقين ميقاتي امتلكا مجتمعين أكثر من 10 في المئة من رأس مال بنك عوده، وهي نسبة تتجاوز الحد الأقصى الذي يسمح به القانون لشركة واحدة دون ترخيص من مصرف لبنان المركزي. ولتجاوز شرط الحصول على هذا الترخيص، قدّم الشقيقان نفسيهما على أنهما كيانان منفصلان.

واجهت المدعية العامة غادة عون عدة عقبات خلال تحقيقاتها في هذه القضية وقضايا أخرى تتعلق بجرائم مالية ترتبط بذوي النفوذ السياسي في لبنان. فقد أصدر النائب العام التمييزي قرارًا يقضي بوقف تحقيقاتها في هذه القضية وإحالة الملف إلى النيابة العامة لدى محكمة التمييز لمتابعة التحقيق. كما وجّه إشعارًا إلى الأجهزة الأمنية بعدم التواصل مع المدعية العامة غادة عون أو تنفيذ أي تعليمات صادرة عنها.

ورغم ذلك، واصلت غادة عون العمل على الملف وادعت على ميقاتي وآخرين في مارس/آذار 2025، وذلك قبل يوم واحد فقط من إحالتها إلى التقاعد. غير أن قاضي التحقيق المكلّف بالقضية ردّ الادعاء لأسباب إجرائية، معتبرًا أن المدعية العامة خالفت تعليمات النائب العام التمييزي.

وفي مطلع عام 2026 برزت تطورات جديدة تتعلق بملف امتلاك أسهم في بنك عوده وشبهات الإثراء غير المشروع المرتبطة به. فقد تقدّم عدد من المدّعين، من بينهم نواب في البرلمان ورابطة المودعين، بشكوى أمام النيابة العامة المالية في لبنان ضد نجيب ميقاتي وشقيقه طه، ورياض سلامة، ومدير بنك عوده آنذاك سمير حنا، وآخرين.

وتتضمن الشكوى اتهامات بأن المدعى عليهم سهلوا ارتكاب جرائم تتعلق بتبييض الأموال والإثراء غير المشروع واختلاس الأموال العامة. وبحسب مقدّمي الشكوى، قام مصرف لبنان بتمويل شراء أسهم بنك عوده عبر شركات خارج البلاد مسجّلة في جزر الكايمان بهدف إخفاء هوية المستفيدين الفعليين من هذه الترتيبات. ويدعي مقدّمو الشكوى أن هذه الشركات مرتبطة برياض سلامة وأفراد من عائلته، إضافة إلى الشقيقين ميقاتي، وأن الأرباح التي حققوها من هذه العمليات المالية تجاوزت 400 مليون دولار. وحتى وقت إعداد هذا التقرير، لم تكن النيابة العامة قد اتخذت أي إجراءات إضافية في هذا الملف.

ملخص التحقيقات في دول أجنبية

لم تقتصر التحقيقات المتعلقة بالجرائم المالية المنسوبة إلى نجيب ميقاتي على لبنان، إذ باشرت السلطات القضائية في دول أخرى أيضًا تحقيقات في جرائم يُعتقد أنها جرت عبر شركاته وحساباته المصرفية في الخارج.

وكان أول تحقيق أجنبي في هذه المزاعم قد فُتح في موناكو عام 2020، حيث باشرت السلطات القضائية تحقيقًا مع نجيب ميقاتي وابنه ماهر وشقيقه طه على خلفية شبهات بتبييض الأموال مرتبطة بقضية القروض السكنية المدعومة التي فُتحت عام 2019 في لبنان، والتي يُشتبه في أن عائدات غير مشروعة نتجت عنها حُوّلت إلى حسابات مصرفية وشركات مرتبطة بميقاتي في موناكو. واستمر التحقيق في القضية ثلاث سنوات قبل أن تقرر النيابة العامة إغلاق التحقيق لعدم كفاية الأدلة.

وتواصلت محاولات التدقيق في الأنشطة المالية لميقاتي عقب نشر تسريبات وثائق باندورا عام 2021، وهي تسريب ضخم لملايين الوثائق كشف عن معاملات مالية سرية لشخصيات نافذة حول العالم، وأظهر امتلاك ميقاتي شركات خارج البلاد في عدد من الملاذات الضريبية.

وفي أبريل/نيسان 2024، تقدّمت منظمتان تعملان على مكافحة الفساد وهما Sherpa وتجمع ضحايا الممارسات الاحتيالية والإجرامية بشكوى أمام النيابة الوطنية المالية في فرنسا ضد ميقاتي وعدد من شركائه على خلفية مزاعم بارتكاب جرائم مالية، من بينها تبييض الأموال. وتتعلق الشكوى بعدة شركات وعقارات يملكها ميقاتي وأفراد من عائلته في أحياء مختلفة من فرنسا ودول أخرى، إضافة إلى أصول تشمل يختين مملوكين له ولشقيقه وطائرتين خاصتين. كما تطرح الشكوى تساؤلات حول مصادر هذه الثروة والأموال التي مرت عبر النظام المصرفي الفرنسي، وتدعو إلى إجراء تحقيق أوسع في شبهات تبييض الأموال وحيازة أصول بطرق غير مشروعة.

وفي يوليو/تموز 2025، قدّمت منظمة المجاسبة الآن شكوى جنائية أخرى أمام القضاء الفرنسي تتعلق بمخططات يُشتبه بأنها احتيالية مكّنت من اختلاس أموال عامة والاستحواذ غير المشروع على أسهم في بنك عوده لتحقيق مكاسب خاصة. وفي سبتمبر/أيلول 2025، باشرت النيابة الوطنية المالية في فرنسا تحقيقًا أوليًا في الجرائم المالية المنسوبة إلى ميقاتي. وحتى وقت إعداد هذا الملخص، لا تزال التحقيقات في فرنسا مستمرة.

أهمية التحقيقات المحلية والدولية

يعاني اللبنانيون منذ أكثر من ست سنوات من تداعيات الانهيار الاقتصادي الذي وقع عام 2019، الأمر الذي يجعل من الضروري التحقيق في الجهات التي أسهمت في تفاقم هذه الأزمات واستفادت من الأموال العامة المختلسة.

وتكتسب العلاقة التكاملية بين التحقيقات المحلية والدولية أهمية خاصة. ففي ظل العوائق السياسية التي تعرقل التحقيقات الداخلية، توفّر التحقيقات الدولية مسارًا للسعي نحو المساءلة والضغط على السلطات اللبنانية للتحرك. فعلى سبيل المثال، عقب فتح تحقيقات في فرنسا بحق نجيب ميقاتي وآخرين، قرر مصرف لبنان رفع دعاوى قضائية ضد حاكمه السابق وعدد من المسؤولين ورجال الأعمال المتهمين بإساءة استخدام السلطة وارتكاب جرائم مالية. ويبيّن هذا التطور كيف يمكن لتكامل الجهود المحلية والدولية أن يفضي إلى نتائج ملموسة.

إن إحراز أي تقدم فعلي في أي من هذه التحقيقات قد يشكل خطوة مهمة نحو كسر حالة الإفلات شبه الكامل من العقاب التي استفاد منها ميقاتي وآخرون لسنوات.

تنويه: تستند جميع المعلومات الواردة أعلاه إلى مصادر مفتوحة ومتاحة للجمهور، نظرًا لعدم إتاحة السجلات الرسمية للاطلاع العام.

: اقرأ التالي

يغيب أهالي السجناء عن القوانين واللوائح المنظمة للسجون في مصر، رغم أنهم جزء من منظومة احتجاز…

تحدى الصحفي اللبناني مهدي كريّم إنذارات الإخلاء ليزور مسقط رأسه في مدينة صور جنوب لبنان، ليجد…