منذ انهيار الاقتصاد اللبناني في عام 2019، يخضع حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة وعدد من أفراد دائرته المقرّبة لتحقيقات محلية ودولية بشأن مزاعم تورّطهم في جرائم مالية وممارسات غير قانونية.
محليًا، لا يزال التحقيق مستمرًا في قضية سلامة، إذ قضى عامًا في التوقيف الاحتياطي على خلفية قضية اختلاس بقيمة 44 مليون دولار. دوليًا، يخضع سلامة لتحقيقات ودعاوى في عدة دول أوروبية، أبرزها سويسرا وفرنسا، فضلًا عن صدور مذكرة توقيف دولية بحقه من فرنسا، ونشرة حمراء من الإنتربول، إضافة إلى عقوبات فرضتها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا عليه وعلى عدد من شركائه.
ملخّص لأبرز الإجراءات الدولية
سويسرا
في أكتوبر 2020، فتح مكتب المدعي العام السويسري تحقيقات بحق رياض سلامة وشقيقه رجا بشبهة غسيل الأموال، بعدما أبلغت عدة مصارف سويسرية تتعامل مع سلامة عن عمليات مالية مريبة. وبالتوازي، قامت منظمات المجتمع المدني وصحفيون استقصائيون بدور كبير في تسليط الضوء على الجرائم المنسوبة إلى سلامة، ومن ذلك الشكاوى الجنائية المقدَّمة من المؤسسة السويسريةالمحاسبة الآن (Accountability Now) والتقرير الاستقصائي الموسع الذي نشره مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP) بالتعاون مع منصة درج اللبنانية، والذي كشف جوانب من المخالفات المالية لسلامة.
يركّز التحقيق السويسري على مزاعم اختلاس نفذه رياض ورجا سلامة. ففي الفترة بين أبريل 2002 ومارس 2015، قام مصرف لبنان بتحويلات إلى حساب شركة فوري أسوسيتس (Forry Associates) لدى بنك HSBC في سويسرا، وهي شركة مسجّلة في جزر فيرجن البريطانية، كان رجا سلامة المالك المستفيد منها حتى حُلّت الشركة عام 2016. ورغم أن مصرف لبنان منح فوري عام 2002 عقد سمسرة لبيع سندات الخزينة الصادرة عنه، تشير التحقيقات إلى أن الشركة عملت كواجهة وسيطة لتسهيل نقل أموال مختلسة من لبنان إلى أوروبا.
بين عامَي 2002 و2015، تلقّت شركة فوري نحو 300 تحويلًا من مصرف لبنان بقيمة إجمالية تقارب 330 مليون دولار. ومن هذه التحويلات، تحركت ملايين الدولارات من حساب فوري إلى الحسابات الشخصية لرجا سلامة وإلى عدة حسابات وشركات مرتبطة بالحاكم السابق، بما في ذلك Westlake Commercial Inc وSI 2 SA وRed Street 10 SA. ويُشتبه في أن هذه الأموال استُخدمت لاحقًا لشراء عقارات فاخرة لصالح سلامة وأقاربه في عدة دول.
ويتعاون المحقّقون السويسريون مع نظرائهم في الدول الأخرى التي تحقق أيضًا في جرائم سلامة. فبعد فترة قصيرة من بدء تحقيقها، طلبت السلطات السويسرية مساعدة قضائية من السلطات اللبنانية، ما دفع المدّعين العامّين اللبنانيين إلى فتح تحقيقات عام 2021 بشأن التحويلات التي تمّت ما بين مصرف لبنان وشركة فوري. كما تنسّق السلطات السويسرية جهودها مع السلطات الفرنسية التي تجري بدورها تحقيقات حول سلامة ومقرّبين منه.
وفي سياق متّصل، قدّمت المحاسبة الآن واتحاد المودعين في لبنان وعدد من منظمات المجتمع المدني شكوى إلى هيئة الإشراف على السوق المالي في سويسرا (FINMA) ضد عدة مصارف في سويسرا، من بينها بنك عوده، بتهمة تسهيل مخطط غسيل الأموال وإخلالها بتدابير العناية الواجبة لمنع ارتكاب هذه الجرائم. وخلصت الهيئة إلى أن بنك عوده خالف القوانين الخاصة بمكافحة غسيل الأموال، وأمرت بمصادرة نحو 4 ملايين دولار من الأرباح، إلى جانب إجراءات أخرى.
وبالمثل، خضع بنك HSBC في سويسرا لتدقيق مكثّف بسبب تجاهله المتكرر عددًا كبيرًا من مؤشرات الخطر وطلبات التوضيح الصادرة عن قسم الامتثال الداخلي لديه بشأن حساب Forry. وبعد شكوى قدّمتها Accountability Now، أعلنت هيئة الإشراف على الأسواق المالية السويسرية في عام 2024 أن بنك HSBC انتهك قواعد مكافحة غسيل الأموال. ونتيجة لذلك، حظرت على البنك إقامة علاقات عمل جديدة مع أشخاص ذوي صلات سياسية حتى يُعَاد تقييم جميع العلاقات عالية المخاطر الموجودة في البنك والتحقق منها من قبل جهة تدقيق خارجية. كما تُحقق كلّ من السلطات السويسرية والفرنسية في مسئولية بنك HSBC المحتملة عن عمليات غسيل الأموال المرتبطة بقضية رياض ورجا سلامة.
فرنسا
في مايو 2021، فتح المكتب الفرنسي للنيابة المالية تحقيقًا في شبهة تورّط رياض سلامة بجريمة غسيل الأموال، إلى جانب جرائم مالية أخرى، من خلال شراء شقق ومكاتب فاخرة في فرنسا. وقد تعاونت السلطات الفرنسية مع نظرائها في لبنان وسويسرا وبلجيكا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة ولوكسمبورغ وألمانيا وغيرها لتتبّع الأموال المشبوهة. وفي عام 2023، أصدر قضاة فرنسيون مذكرة توقيف بحق رياض سلامة بعد امتناعه عن المثول للاستجواب بشأن مصدر ثروته. كما صدرت بحقه نشرة حمراء من الإنتربول، رغم أن لبنان لا يسلّم مواطنيه، وقد فرض على سلامة حظر سفر.
كما حقّقت فرنسا مع عدد من المقرّبين من سلامة، فقد وجهت السلطات القضائية الاتهام في عام 2022 إلى آنا كوساكوفا، الشريكة السابقة لرياض سلامة ووالدة ابنته، بتهم تشمل التآمر الجنائي، وغسيل الأموال و عائدات التهرّب الضريبي. وتركّز التحقيقات على استثمارات عقارية في فرنسا تمّت باستخدام أموال يُشتبه في اختلاسها من مصرف لبنان المركزي. ووفقًا لصحيفة The National ومنصة Mediapart الاستقصائية الفرنسية، تلقّت كوساكوفا تحويلات مالية من شركات مرتبطة بـ رجا سلامة، من بينها Forry Associates وSCI ZEL. وتشير التقارير إلى أن شركة SCI ZEL استُخدمت لشراء عقارات في فرنسا بقيمة تقارب 15 مليون دولار، بما يشمل شققًا ومكاتب. كما تلقّت شركتها Eciffice Business Centre بين عامَي 2011 و2021 نحو 5 ملايين يورو من مصرف لبنان — الذي كان يديره سلامة آنذاك — مقابل استئجار عقار في باريس. وقد وضعت السلطات الفرنسية كوساكوفا تحت الرقابة القضائية ومنعتها من مغادرة فرنسا.
وفي عام 2023، وُجّه الاتهام أيضًا إلى ماريان حويّك، المساعدة السابقة لسلامة، بتهم تشمل غسيل الأموال والتآمر الجنائي. ويُشتبه في أن حوّيك تلقّت أموالاً مختلسة عبر Forry Associates. وقد وُضعت تحت الرقابة القضائية، وحدّد القاضي كفالة بقيمة 1.5 مليون يورو. دفعت حويّك الكفالة وتعهدت بعدم العودة إلى العمل في مصرف لبنان أو التواصل مع رياض ورجا سلامة. كما وُجّه الاتهام في باريس إلى مروان خير الدين، المصرفي اللبناني والوزير السابق، بتهم مماثلة، إذ يُشتبه في أنه زوّر سجلات مصرفية لإخفاء مصدر ثروة رياض سلامة. وبعد بدء التحقيقات الفرنسية، نقل خير الدين ملكية عقارات في المملكة المتحدة بقيمة 200 مليون دولار إلى شقيقه، ما أثار مزيدًا من الشبهات حول مصدر تلك الأموال. وقد وضعته السلطات الفرنسية لاحقًا تحت الرقابة القضائية.
وفي عام 2024، وجّه قاضٍ فرنسي الاتهام إلى رجا سلامة بتهم تشمل التآمر الجنائي واختلاس الأموال العامة، إلى جانب تهم أخرى. كما يواجه نجله، إيميل، تهمًا في فرنسا تشمل الإشتراك الجرمي وغسيل الأموال. ويُشتبه في أنه اشترى شقتين في باريس وعدة شاليهات في لبنان، إضافة إلى تلقيه أموالاً يُشتبه في أنها من والده. كما يُعتقد أنه عمل بوكالة عن رجا لإدارة أملاكه، وأدار شركتين بريطانيتين تمتلكان عقارات في لندن بقيمة 12.8 مليون دولار. كذلك وُجّهت تهم مماثلة إلى ندي سلامة، نجل رياض، وإلى محاميه وابن شقيقته مروان عيسى الخوري، شملت الفساد وغسيل الأموال والتآمر الجنائي لاختلاس الأموال العامة.
وفي مارس 2022، جُمّدت أصول لسلامة تزيد قيمتها على 130 مليون دولار في فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ وموناكو وبلجيكا، بقرار من وكالة التعاون القضائي الجنائي التابعة للاتحاد الأوروبي. وفي يوليو 2023، رفضت المحكمة الفرنسية الاستئناف المقدم من سلامة لإلغاء قرار التجميد. غير أنّ محكمة النقض الفرنسية قبلت في أبريل 2025 استئنافًا قدّمه محامو سلامة بشأن مسائل إجرائية واختصاصية، معتبرين أنّ السلطات الفرنسية لا تمتلك صلاحية تجميد أصول تقع خارج الأراضي الفرنسية. وبناءً عليه، ألغت المحكمة قرارات الحجز على بعض الحسابات الصغيرة الموجودة خارج فرنسا. وأعادت محكمة النقض الملف إلى المحكمة الأدنى لإعادة النظر فيه دون البت في جوهر القضية.
تحقيقات وعقوبات في ولايات قضائية أُخرى
بعد التحقيقات التي أُطلقت في سويسرا وفرنسا، بدأت دول أوروبية أخرى التحقيق في مصادر ثروة سلامة ومقرّبيه، مع التركيز على الشركات والحسابات المصرفية والأصول المرتبطة بهم.
فعلى سبيل المثال، في عام 2021، باشرت السلطات القضائية في ليختنشتاين تحقيقًا في شبهة ارتكاب رياض سلامة لجريمة غسيل الأموال، كما تشير التقارير إلى أنها تدقق في شركتين مقرهما ليختنشتاين يشتبه بأن لهما صلة به. وفي العام نفسه، بدأت السلطات في لوكسمبورغ تحقيقًا مع سلامة في تهم تشمل الإثراء غير المشروع وغسيل الأموال والتهرب الضريبي، مع التركيز على شركات مرتبطة بسلامة استثمرت في عقارات في ألمانيا والمملكة المتحدة.
كما أجرت ألمانيا تحقيقات مماثلة. ففي مايو/أيار 2023، أصدر الادعاء العام الألماني مذكرة توقيف بحق رياض سلامة بتهم تشمل غسيل الأموال والاختلاس، لكنه ألغى المذكرة بعد عام لأن سلامة كان قد غادر منصبه كحاكم للمصرف المركزي، وبالتالي لم يعد يُعتبر خطرًا على الأدلة الجنائية. ومع ذلك، لا تزال التحقيقات جارية، ولا تزال أصول سلامة في ألمانيا مجمّدة.
وفي سياق آخر، فرضت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا في أغسطس 2023 عقوبات على رياض سلامة وعدد من شركائه، بينهم رجا سلامة وماريان حويّك (عقوبات أميركية وبريطانية وكندية)، وآنا كوساكوفا (عقوبات أميركية وبريطانية)، وندي سلامة (عقوبات أميركية). وتشمل هذه العقوبات تجميد أي أصول يمتلكونها داخل هذه الدول، ومنع إجراء أي معاملات مالية معهم، وفرض قيود على منحهم التأشيرات.
أهمية التحقيقات الدولية
نظرًا للتدخلات السياسية التي تعرقل التحقيق والملاحقة القضائية لرياض سلامة ومقرّبيه داخل لبنان، تشكّل التحقيقات الدولية أداة قانونية خارجية فاعلة للسعي نحو المساءلة. وتُكمل التحقيقات المتعددة الجارية في دول مختلفة بعضها البعض، فيما يستمر التعاون المتبادل بين هذه الدول ولبنان. وقد كشفت هذه التحقيقات معلومات جديدة تتعلّق بأفراد وشركات وحسابات وعقارات جرى الاستحواذ عليها بأموال غير مشروعة، ويمكن الاستفادة من هذه المعلومات داخل لبنان لدعم وتعزيز الجهود القانونية الهادفة إلى كشف حجم وتعقيد الجرائم المنسوبة إلى رياض سلامة.
والأهم من ذلك أن هذه التحقيقات تمثّل خطوة محورية نحو تحقيق العدالة لملايين الأشخاص المتضرّرين من شبكات الفساد التي أسهمت في انهيار الاقتصاد اللبناني – وهي شبكات بددت مدّخرات الناس ودمّرت سبل عيشهم.
تنويه: جميع المعلومات الواردة أعلاه تم الحصول عليها من مصادر مفتوحة متاحة للعامة، نظرًا لعدم إتاحة السجلات الرسمية للجمهور.