قراءة في القضايا المرفوعة ضد رياض سلامة في لبنان

أُفرج مؤخراً عن حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة بعد أن قضى عاماً في الحبس الاحتياطي على خلفية اتهامات بالاختلاس. فيما يلي عرض لأبرز القضايا المرفوعة ضده داخل لبنان.


شغل سلامة منصب حاكم مصرف لبنان المركزي منذ أغسطس 1993 حتى يوليو 2023. وعلى مدى عقود، حظي بالإشادة لدوره فيما اعتُبر استقراراً اقتصادياً للبنان، إلى أن برزت مسؤوليته عَمَّا أوصل البلاد إلى الأزمة المالية، ولا سيما منذ عام 2019. وقد فتح ذلك الباب أمام سلسلة من الدعاوى القضائية بحقه وبحق المقربين منه، داخلياً وخارجياً.

ومنذ مطلع سبتمبر 2024، وُضع سلامة قيد الحبس الاحتياطي على خلفية إحدى تلك القضايا، ليصبح أرفع مسؤول لبناني يتم توقيفه منذ انهيار المنظومة المالية في البلاد. وفي 26 سبتمبر، أُفرج عنه مقابل كفالة بلغت 14 مليون دولار.

ملخص لأبرز التحقيقات التي تطارد سلامة في لبنان

في أبريل 2021، فتح الادعاء العام في لبنان تحقيقاً حول شبهات بتحويلات مالية من مصرف لبنان إلى شركة فوري أسوسيتس، وهي شركة خارجية مملوكة لرجا سلامة، شقيق رياض سلامة. وقد جاءت هذه الخطوة بعد تحقيق كانت السلطات السويسرية قد أطلقته عام 2020، وطلبت بموجبه تعاوناً قضائياً مع لبنان. ركز التحقيق السويسري على شبهات غسل أموال واختلاس تورط فيها رياض ورجا سلامة، حيث رصدت مبالغ تعادل نحو 330 مليون دولار، حُوِّلت من المصرف المركزي إلى شركة فوري بين عامي 2002 و2015، ثم جرى تحويلها إلى حسابات مصرفية وشركات في سويسرا يُعتقد أنها مرتبطة بهما.

وبناءً على هذه المعطيات، وجّه النائب العام في بيروت، في فبراير 2023، اتهامات إلى رياض سلامة وشقيقه رجا ومساعدته ماريان حويك، شملت اختلاس أموال عامة، والتزوير، والإثراء غير المشروع، وتبييض الأموال، والتهرب الضريبي. وأُحيل الملف إلى قاضي التحقيق الأول في بيروت الذي قرر إطلاق سراح سلامة بانتظار استكمال التحقيق. غير أن رئيسة هيئة القضايا في وزارة العدل استأنفت القرار أمام الهيئة الاتهامية، التي قبلت الاستئناف. ومنذ ذلك الحين، عمد سلامة إلى عرقلة مسار الإجراءات القضائية. 

أما في مارس 2022، فقد وجّه النائب العام في جبل لبنان تهماً جديدة إلى سلامة تتعلق بالإثراء غير المشروع وتبييض الأموال، على خلفية شراء وتأجير عقارات في باريس. وقبل ذلك بشهرين، كانت السلطات قد أصدرت بحقه قراراً بمنع السفر وتجميد الأصول. كما وُجّهت اتهامات إلى رجا سلامة وآنا كوساكوفا، وهي أوكرانية الجنسية وشريكة سابقة لسلامة، بالتورط في تلك المخالفات. وقد أوقف رجا حينها بناءً على طلب الادعاء العام ثم أُفرج عنه بعد شهرين بكفالة. وبعد أكثر من عامين من المماطلة القضائية، أصدر قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان مذكرة توقيف ثانية بحق رياض سلامة في أكتوبر 2024، بتهم تتعلق باختلاس أموال عامة، وتبييض الأموال، والإثراء غير المشروع المرتبط بشراء وتأجير عقارات في باريس.

كذلك فتح الادعاء العام في لبنان تحقيقاً في قضية أخرى مرتبطة بعملية اختلاس محتملة، يُزعم أن سلامة دبّرها بين مصرف لبنان وشركة أوبتيموم. فوفقاً لصحيفة The National وتقرير التدقيق الجنائي الذي أجرته شركة كرول العالمية، نفّذ المصرف المركزي 45 حوالة نقدية مع الشركة بين 2015 و2018، حيث منحها قروضاً لشراء سندات خزينة، ليعود لاحقاً ويشتري السندات نفسها بسعر أعلى. ورغم أن هذه العمليات حققت على الورق نحو 8 مليارات دولار كأرباح للمصرف المركزي، إلا أنها لم تسفر عن أي قيمة اقتصادية حقيقية، ما أثار شبهات واسعة حول الاختلاس، والإثراء غير المشروع، والتلاعب بالسجلات المالية. ولا تزال التحقيقات المتعلقة بدور سلامة في هذه القضية جارية، من دون نشر نتائجها حتى الآن. لكن خبراء يشيرون إلى أن ملف أوبتيموم كشف عن حساب استشاري مشبوه في المصرف المركزي، وهو ما قاد في نهاية المطاف إلى توقيف رياض سلامة في سبتمبر 2024 على خلفية معاملات مالية متعلقة بهذا الحساب.

تحت المجهر: قضية الحساب الاستشاري 

في سبتمبر 2024، أُوقف رياض سلامة على خلفية ما عُرف بـ(قضية الحساب الاستشاري)، والمتعلقة بشبهة اختلاس نحو 44 مليون دولار بالتواطؤ مع محاميين هما ميشال تويني ومروان عيسى الخوري. وتفيد القضية بأن سلامة أصدر أوامر منفردة بتحويلات من حساب استشاري تابع لمصرف لبنان إلى تويني، الذي قام بدوره بإصدار شيكات للخوري. ثم قام الخوري بعد ذلك بإعادة تحويل الشيكات إلى سلامة، ليوقعها الأخير ويودعها في حسابه الخاص.

وفي أبريل 2025، أصدر قاضي التحقيق الأول في بيروت قرارًا ظنيًا بحق سلامة وتويني والخوري، بتهم شملت اختلاس الأموال العامة والتزوير (أو التواطؤ في هذه الجرائم بالنسبة للمحاميين)، إضافة إلى الإثراء غير المشروع. كما رفض القاضي طلب سلامة بالإفراج. عقب ذلك، أحالت النيابة العامة القرار إلى الهيئة الاتهامية المخوّلة بإصدار القرار الاتهامي النهائي قبل إحالة القضية إلى المحاكمة.

وفي أغسطس 2025، قررت الهيئة الاتهامية الإفراج عن سلامة لقاء كفالة بلغت 20 مليون دولار و5 مليارات ليرة لبنانية (نحو 56 ألف دولار)، مع فرض منع سفر لمدة عام. وفي 25 سبتمبر، وافقت الهيئة على طلب محامي سلامة تخفيض الكفالة إلى 14 مليون دولار، ليُفرج عنه في اليوم التالي بعد دفع المبلغ. ويرى بعض القانونيين أن الإفراج عن سلامة في سبتمبر 2025 كان سيصبح محتماً حتى من دون دفع الكفالة، نظراً لانقضاء الحد الأقصى لفترة الحبس الاحتياطي المنصوص عليها في القانون اللبناني.

السياق القانوني الأوسع

من المهم التوضيح أن إخلاء السبيل لا يُعد حكماً بالبراءة، إذ لا تزال التحقيقات مستمرة في الادعاءات الموجهة ضد رياض سلامة، سواء في قضية الحساب الاستشاري أو في قضايا أخرى. وإذا ما صدر قرار اتهامي نهائي في أي من هذه الملفات، يُفترض عندها أن يُحال سلامة إلى المحاكمة.

وعلى الصعيد الدولي، تُجرى عدة تحقيقات جنائية بشأن الجرائم المالية المنسوبة إليه في دول منها سويسرا وفرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ، مع صدور مذكرة توقيف حالية بحقه من القضاء الفرنسي. غير أن القوانين اللبنانية لا تجيز تسليم المواطنين إلى الخارج، ما يُشكل عائقًا أمام التعاون القضائي الدولي في ملف سلامة.

أما محلياً، فقد واجهت تحقيقات عديدة مرتبطة بجرائم مالية يُشتبه بارتكابها من قبل شخصيات سياسية نافذة عراقيل وتدخلات مباشرة، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول حدود المساءلة الممكنة في قضايا سلامة داخل لبنان. ومن المُقلق في هذا السياق أن قضية الحساب الاستشاري ركزت فقط على مبلغ الـ44 مليون دولار المزعوم اختلاسه، رغم وجود تقارير تشير إلى تحويل مئات ملايين الدولارات من المصرف المركزي إلى أطراف ثالثة.

أهمية التحقيقات في قضايا سلامة

تُعد التحقيقات المحلية وملاحقة الجرائم المالية التي ساهمت في انهيار الاقتصاد اللبناني مسألة حاسمة لمستقبل البلاد. فبمختلف الطبقات والخلفيات الاجتماعية، تكبّد اللبنانيون مجتمعين الأضرار الناجمة عن السياسات المالية والهندسات النقدية التي مهدت الطريق للانهيار. ومن حق الناس أن يروا العدالة تُلاحق المسؤولين عن تلك الجرائم، سواء أمام المحاكم المحلية أو الأجنبية.

ومستقبلاً، ينبغي للقضاء اللبناني أن يتسم بقدر أكبر من الشفافية في إجراءاته بحق رياض سلامة ومن يُشتبه بتورطهم في الجرائم المالية، وأن يضمن عدم إغفال أي مخالفات أخرى محتملة، بما في ذلك القضايا الجارية المرتبطة بفوري و أوبتيموم والعقارات في باريس. كما أن من الضروري أن يعمل القضاء اللبناني باستقلالية تامة بعيداً عن التدخلات السياسية، وأن يتعاون مع التحقيقات الأوروبية الجارية، وأن يمضي بنزاهة في إصدار قرارات الاتهام وإحالة القضايا إلى المحاكمة ضمن إطار زمني يحترم معايير العدالة.

تنويه: تستند جميع المعلومات الواردة في هذا التحليل إلى مصادر مفتوحة متاحة للعامة، نظراً إلى أن السجلات الرسمية غير متاحة للجمهور.

: اقرأ التالي

تحولت زيارة السجناء في مصر من حق إنساني إلى عبء نفسي ومادي على الأسر، في تجربة…

سيكون للبرلمان الذي سيُنْتَخَب الشهر الحالي دورًا مهمًا في المشهد السياسي خلال السنوات القادمة مع انتهاء…

يمكن للتقنيات الحديثة أن تعزز كفاءة مرفق القضاء، لكنها قد تتحول أيضًا لأداة لتقييد الحقوق. تقيّم…