”الأشجار تشكل خطرًا على الأفواج السياحية!“
هكذا برر أحد المسئولين المصريين إزالة أكثر من 100 شجرة معمّرة على جوانب أحد الطرق المؤدية إلى مدينة الأقصر جنوب البلاد. الصور كانت صادمة، وردود الأفعال على مواقع التواصل كانت غاضبة. لماذا يُقطع شجر يوفر الظل، ويحمي البشر والحيوانات والنباتات، من قيظ الصعيد؟ ربما كان تبرير الفعل أكثر فحشًا من الفعل نفسه: قطعنا الشجر خوفًا من سقوطه على الأجانب.
ما حدث على الطريق المؤدي إلى الأقصر هو جزء من ظاهرة انتشرت في مصر خلال السنوات الماضية: السلطات تقطع أشجار عمرها مئات السنين تحت مبررات متنوعة. بالتوازي، ارتفعت صادرات مصر من الفحم النباتي المُصنع بطريقة غير مخططة باستخدام الأساليب القديمة في الكثير من القرى الريفية وعلى حدودها، بينما تواجه مصر مخاطر التغيرات المناخية بسبب تآكل الشواطئ، ونزوح السكان، وظهور موجات شديدة الاحترار نتيجة ارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون مع باقي الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي.
بعد عام واحد من استضافة مؤتمر التغيرات المناخية COP 27 في شرم الشيخ، تراجع مركز مصر في مؤشر أداء تغير المناخ إلى المركز الثاني والعشرين، بعد أن كانت تحتل المركز العشرين في مؤشر عام 2023، وذلك بالرغم من حصول البلاد على عدد كبير من المنح المالية فترة انعقاد المؤتمر، منها 500 مليون دولار من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي لدعم التحول إلى الطاقة النظيفة. لكن الحكومة المصرية لم تسع بشكل جدي للحد من التغيرات المناخية ما يثير هذا التطور تساؤلات حول مصير تلك التمويلات، خاصة في ظل غياب شفافية المعلومات في القطاع البيئي.
مجازر شجرية
تعتبر مصر إحدى الدول الأكثر عرضة للتضرر من التغيرات المناخي، حيث شهدت مصر تاريخيًا ظواهر جوية متطرفة، جراء ظاهرة الاحتباس الحراري، ومستقبلًا، تواجه مصر خطر غرق 10 محافظات وتضرر 35-81 ألف فدان من الكتلة العمرانية، وفقدان 926 ألفًا إلى 2.2 مليون فدان من الأراضي الزراعية مع ارتفاع منسوب البحر.
شهدت مصر تراجعًا ملحوظًا في المساحات الخضراء منذ ثورة 25 يناير 2011 والسنوات التي تلتها، نظرًا لحالة الانفلات الأمني التي صاحبتها وتفشي ظاهرة البناء على الأراضي الزراعية وتقليص المساحات الخضراء في المدن. فقدت القاهرة نحو 910,894 م² من مساحاتها الخضراء بين عامي 2017 و2020، بما في ذلك 272,274 متر مربع في منطقة مصر الجديدة و311,283 متر مربع في منطقة مدينة نصر، وبالتالي تراجع نصيب الفرد من المساحة الخضراء من 3 م² عام 2012 إلى 0.74 م² عام 2020. في محافظة الإسكندرية وحدها، أشارت البيانات المتاحة عن فقد حوالي 36% من مساحتها الخضراء بين عامي 2013 و2023 بنحو 2.92 مليون م². ومنذ عام 2001 إلى 2023، فقدت مصر حوالي 4472.6 فدان من الأشجار، وهو ما يعادل انخفاضًا بنسبة 1.2٪ من مساحة الأشجار في مصر، ويعود السبب الأساسي في اختفاء 95% من هذه الأشجار إلى الإزالة المتعمدة، أي أنها قُطِعَت عن عمد وليس نتيجة لعوامل طبيعية، تسببت هذه الخسارة بانبعاث حوالي 553 ألف طن من غازات الاحتباس الحراري.
تعددت التبريرات الحكومية لقطع الأشجار: أحيانا يُقال بأنها ضرورية لصالح التنمية العمرانية وتوسعة الطرق التي شرعت الدولة في شقها، وأحيانا أخرى كان التبرير أنه يتم قطع الأشجار ذات الضرر، إلا أنه في الكثير من الحالات كان يتم الإزالة لأسباب غير معلومة مثل إزالة الأشجار من المقابر، والتي لا تشكل عائقا مروريا مثلاً في هذه الأماكن، كما لم تبد أي جهة مخاوف من وقوع هذه الأشجار على الموتى.
نستطيع فهم السبب الحقيقي وراء قطع الأشجار عن طريق تتبعها: تُزَال الأشجار في الشوارع، وتذهب إلى مقرات الإدارات المحلية، لبيعها بالمزادات العلنية، ليحصل تجار الفحم على النصيب الأكبر في شراء هذه الأخشاب لاستخدامها في عمليات التصنيع. يعكس هذا النمط أن الهدف من قطع الأشجار يتجاوز الضرورات العمرانية، ليتحول إلى تجارة نشطة تستفيد منها بعض الأطراف، خاصة في صناعة الفحم، وهو ما يزيد تعقيد الأزمة البيئية في البلاد.
المركز الحادي عشر
ارتفعت قيمة صادرات مصر من الخشب ومشتقاته، إلى نحو 42 مليون دولار أمريكي عام 2023 بزيادة 75% عن عام 2022، وهو أعلى مستوى لها منذ عام 2012 على الأقل. ويمثل الفحم النباتي نحو ثلث تلك الصادرات حيث وصلت قيمته إلى حوالي 12 مليون دولار. وتحتل مصر المركز الحادي عشر عالميًا في صناعة الفحم النباتي، حيث تنتج نحو 3% من الإنتاج العالمي.
الفحم النباتي هو أحد أشكال الوقود الأحفوري الناتج عن حرق الكتلة الحيوية، علاوة على استخدامه في الأغراض المنزلية. أشهر الطرق المستخدمة في عملية الإنتاج في مصر هي الطريقة التقليدية المسماة بـ”مكمورة الفحم“ وهي حفرة عميقة توضع بها أخشاب مقطعة بأطوال متساوية، وتُرص الأخشاب بشكل منتظم بحيث يكون السمك الأقل في الأسفل ويتزايد تدريجيًا حتى 3-4 أمتار ارتفاعًا. تُغطى الحفرة بقش الأرز المبلل ثم بطبقة من التراب أو تراب الفحم بسُمك حوالي 10 سم، وأحيانًا تُستخدم كميات من البلاستيك لتحفيز الاشتعال. يتم إنشاء فتحات تهوية لتوصيل الهواء، وتُشعل النيران بعد تغطية الحفرة. تستغرق عملية الحرق من 10 إلى 30 يومًا حسب حجم المكمورة.
أشار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقرير فجوة الانبعاثات لعام 2019 أن العالم في حاجة إلى خفض الانبعاثات بنسبة 7.6٪ سنويا، ونتيجة لعدم القدرة على تحقيق الانخفاض المطلوب فإنه بحلول عام 2025 لا بد أن تصل نسبة الانخفاض المطلوبة إلى 15.5% سنويًا وهذا أمر يصعب تحقيقه وفقا لتنبؤ التقرير المشار إليه. الجدير بالذكر أن حجم انبعاثات غاز أول أكسيد الكربون المسموح به دوليًا في مناطق العمل لا تتعدى 500 ملجم في المتر المكعب، بينما يصل حجم الانبعاث في مناطق تصنيع الفحم النباتي إلى 1500 ملجم في المتر المكعب.
عائد ضعيف وتكلفة باهظة
العائد من صناعة الفحم، سواء على مستوى التشغيل أو التصدير ضئيل، بالمقارنة بالضرر المضاعف والذي يظهر على مستويين أساسيين: أولًا هناك الضرر الناتج عن تراجع حجم المساحات الخضراء، وانعكاس هذا التراجع على حجم الانبعاثات الناتجة عن الكتلة الخرسانية، وزيادة معدلات الاحترار نتيجة زيادة حجم الجزر الحرارية. ثانيًا، الزيادة في تلوث الغلاف الجوي الناتج عن حرق الوقود الأحفوري، المتمثل في عملية حرق الأخشاب لتحويلها إلى فحم، والتي تنعكس على نحو مباشر على معدل الوفيات السنوية في مصر. مثلًا، وصل متوسط حالات الوفاة الناتجة عن تلوث الهواء نتيجة احتراق الوقود الأحفوري في مصر عام 2018 إلى 32000 حالة وفاة.
الجسيمات العالقة في الهواء هي أجزاء صغيرة جدًا من المواد الصلبة أو السائلة التي تبقى عالقة في الهواء لفترة من الزمن.، وتكون صغيرة جدًا بحيث لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة، ويمكن أن تأتي من مصادر طبيعية مثل الغبار وحبوب اللقاح، أو من مصادر صناعية مثل عوادم السيارات، والدخان الناتج عن المصانع، وحرائق الغابات. وصل تركيز هذه الجسيمات في الغلاف الجوي للقاهرة نحو 66 ميكروجرام لكل متر مكعب عام 2015، وهو ما يتجاوز الحد المسموح به دوليًا بأكثر من ستة أضعاف؛ إذ توصي المعايير العالمية بألا يزيد هذا التركيز عن 10 ميكروجرام لكل متر مكعب.
على الصعيد الاقتصادي، يمثل تلوث الهواء عبئًا ماليًا كبيرًا على مصر، فتكلفة الأعباء الصحية لتلوث الهواء في إقليم القاهرة الكبرى، والتي تشمل جميع مصادر التلوث، قُدرت بنحو 47 مليار جنيه خلال العام المالي. ووفقًا لتقديرات مؤسسة جرينتش، فإن الكلفة الاقتصادية الناتجة عن التلوث المرتبط باستخدام الوقود الأحفوري فقط في مصر تُقدر بحوالي 6.9 مليار دولار سنويًا، مما يبرز الأثر المالي المترتب على اعتماد مصادر الطاقة التقليدية ودوره في التأثير في التنمية الاقتصادية.
بالتالي، لا تزال السياسات الحالية في مصر غير متوازنة بين الأهداف الاقتصادية والبيئية، مما ينذر بتفاقم التحديات البيئية والمناخية مستقبلاً إذا لم تتخذ مصر خطوات فعّالة نحو التحول إلى مصادر الطاقة النظيفة، بل استمرت في الاعتماد بشكل كبير على الوقود الأحفوري. وتكشف السياسات البيئية الحالية عن تناقض واضح بين أهداف التنمية الاقتصادية قصيرة الأمد والتأثيرات البيئية طويلة الأجل. بالإضافة إلى ذلك، لا يبدو أن الحكومة المصرية تتعامل بجدية مع أساليب تصنيع الفحم التي تسهم في تفاقم الأزمات البيئية والمناخية، والتي قد تكون لها تداعيات كارثية. فعلى الرغم من التزام مصر الدولي بخفض الانبعاثات، إلا أن الاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري واستمرار قطع الأشجار يزيدان صعوبة تحقيق هذه الأهداف، خاصة وأن جزءًا كبيرًا من هذه الأشجار التي يتم قطعها يستفيد منها صناع الفحم في عمليات غير خاضعة للرقابة.
في ظل هذا التوجه، تصبح إعادة النظر في أولويات التنمية ضرورة ملحّة لتحقيق التوازن بين المتطلبات الاقتصادية وحماية البيئة، لتفادي أزمة مناخية وصحية باهظة التكاليف. وينبغي على السياسات الحكومية المصرية الالتزام بتعزيز الشفافية في المعلومات عبر توفير بيانات دقيقة وموثوقة حول المشاريع البيئية، وجودة الهواء، وحجم الأشجار المقطوعة، إلى جانب ضمان تعويض الفاقد من هذه الموارد الطبيعية ووقف الممارسات التي تهدد استدامتها. كما يجب أن تشمل الاستراتيجيات الحكومية آليات محددة لمواجهة التغيرات المناخية تتضمن سياسات لتقليل الانبعاثات والتكيف مع آثارها المتوقعة، وتضمين هذه السياسات في خطط التنمية الخاصة بالمجتمعات العمرانية الجديدة بما يحقق مبادئ الاستدامة العمرانية والبيئية.
وأخيرًا، يجب على وزارة البيئة وضع آليات فعّالة لحصر وتحديد مواقع تصنيع الفحم بالطرق التقليدية (المكامير) وتطوير استراتيجيات للتخلي عن هذه الطريقة، مع الالتزام بحقوق الإنسان الأساسية، وذلك بتوفير بدائل مستدامة للتوظيف وتجنب اللجوء إلى أي إجراءات تعسفية أو استخدام القوة ضد المجتمعات المحلية.
إبراهيم عز الدين معماري مصري وباحث عمراني، وزميل غير مقيم بمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط. مهتم بعمليات التنمية العمرانية ومناهضة الإخلاء القسري.