*هذا المقال جزء من مشروع ”الانتفاضات العربية بعد 15 عامًا: أكثر من مجرد لحظة“.
في عام 2025، بثّ ”صندوق التنمية الحضرية“ الحكومي إعلانًا تليفزيونيًا للترويج لمشروعاته العقارية الجديدة. يتنقّل بطل الإعلان بين مواقف يومية تختزل الحياة في المدن المصرية في سلسلة من المنغّصات، من غياب أماكن ركن السيارة وتطفل الجيران إلى الضوضاء الليلية وتربص اللصوص. تُظلم الدنيا أمام البطل قبل أن يظهر البديل: ”كومباوند“ متكامل يوفّر الأمان والخدمات والخصوصية، تحت شعار: ”صندوق التنمية الحضرية…أكبر مطور عقاري في محافظات مصر“.
المفارقة أن هذا الصندوق أُنشئ عام 2021 ليستبدل ”صندوق تطوير المناطق العشوائية“، الذي أُنشئ عقب كارثة الدويقة في سبتمبر 2008، حين انهارت كتلة صخرية من هضبة المقطم بالقاهرة فدمّرت أكثر من 166 منزلًا وقتلت نحو 119 شخصًا. وُلد الصندوق يومها كأداة تدخّل اجتماعي، مهمتها حصر المناطق غير الآمنة وتطويرها وتزويدها بالمرافق. وبعد 18 عامًا، تحوّلت الجهة المكلّفة بحماية سكان المناطق المهمّشة إلى مطوّر عقاري يسوّق الكومباوندات المسوّرة كحل للهروب من فوضى المدن المصرية القائمة.
يعكس هذا التحول المسار الذي اتخذته السياسات العمرانية في مصر بعد ثورة يناير 2011 وصعود عبد الفتاح السيسي إلى صدارة المشهد بعدها بعامين، وتولّي مصطفى مدبولي وزارة الإسكان ثم رئاسة الوزراء، إذ تبنّت الدولة نموذجًا عمرانيًا متأثرًا بتجارب دول الخليج، وخاصة الإمارات، يستهدف في الأساس السيطرة الأمنية والربح.
فبدلًا من أن يصبح العمران أداة لتنظيم المجال الحضري وتوفير السكن اللائق، تحول إلى وسيلة لإعادة توزيع الثروة وحماية السلطة. أفضى هذا المسار إلى تدهور المدن المصرية، وتنامي الانفصال بين الطبقات واختلال سوق السكن. مثلًا، يوجد بمصر ملايين الوحدات السكنية الخالية تُحتجز بوصفها مخزنًا للقيمة، بينما يعجز معظم المصريين عن تملّك مسكن ملائم بعد أن انفصلت الأسعار عن الدخول؛ في حين التهمت المدن الجديدة الاستثمارات العامة عبر السنوات ولم تستوعب سوى 1.7% من السكان.
تُحقق السياسات العمرانية الحالية عدة أهداف للنظام الحاكم. فمن جهة، يوفر التوسع العمراني وإنشاء المدن والأحياء المسورة في الصحراء، وعلى رأسها العاصمة الإدارية الجديدة، أداة سيطرة أمنية وسياسية بعد الدور المحوري والرمزي الذي لعبته الميادين والشوارع في دفع الحراك الثوري عام 2011.
ومن جهة أخرى، يحقق التشييد والبناء اقتصادًا سياسيًا مثاليًا لنظام يبحث عن نتائج سريعة: يولّد القطاع فرص العمل بتكلفة منخفضة وسرعة نسبية، إذ استوعب نحو 13.4% من إجمالي المشتغلين في مصر عام 2024، وترتبط به العديد من الصناعات الكبرى، ويسهم مع نشاط العقارات بنحو 18% في الناتج المحلي الإجمالي.
كما ينتج البناء ”إنجازات“ مرئية يمكن افتتاحها أمام الكاميرات، على عكس الاستثمار في رأس المال البشري الذي قد يحتاج سنوات طويلة من أجل حصد نتائجه. وأخيرًا، تتيح المشروعات العقارية الكبرى شبكة واسعة من العقود والأراضي والامتيازات التي يمكن توزيعها على الكيانات الحكومية والعسكرية وشركات المقاولات المقرّبة، بما يجعل العمران آلية لتوزيع الثروة وشراء الولاء السياسي.
السيطرة عبر إعادة تشكيل العمران
درة تاج النظام الحالي والتجسيد الأبرز لسياساته العمرانية هي العاصمة الإدارية الجديدة، الممتدة على نحو 700 كم مربع، والمملوكة لشركة تحتفظ القوات المسلحة فيها بالنصيب الأكبر. يُعتقد أن التكلفة الإجمالية لإنشاء المدينة الواقعة 60 كم شرق القاهرة ستصل إلى نحو 60 مليار دولار عند انتهائها، وهي ليست مركزًا إداريًا فحسب، بل أكبر مشروع استثماري عقاري في البلاد وحصن سياسي في آن واحد.
تعود فكرة إنشاء عاصمة جديدة تجمع المنشآت الحكومية إلى ما قبل الثورة، حين كان مدبولي رئيسًا للهيئة العامة للتخطيط العمراني، لكنها أُحييت بقوة بعد 2014. انتقلت الوزارات إلى العاصمة بدءًا من عام 2023، تاركةً مبانيها التاريخية في القاهرة لُتباع أو تُستثمر. حرص النظام على تواجد عنصر الإبهار في كل أركان مدينته الجديدة: فهي تحتوي على أطول برج في أفريقيا، ونجفة يفترض أنها الأضخم في العالم، وبها منتزة مركزية مخطط لها أن تكون أضعاف مساحة سنترال بارك في نيويورك، وكذلك دار أوبرا قيل إنها الأكبر في الشرق الأوسط، وهكذا.
تخدم هذه الإنشاءات الفخمة سكانًا لا يتجاوز عددهم 30 ألف نسمة. هذا الإقبال الضعيف يأتي نتيجة للفلسفة الكامنة وراء إنشاء المدينة بوصفها مشروعًا يستهدف الربح بالأساس، إذ تباع الوحدات السكنية فيه بأسعار تُعد خيالية بالنسبة للغالبية الساحقة من المصريين، ما يجعل العاصمة الجنة التي أُعدت للأثرياء وكبار رجال الدولة ليتركوا القاهرة ”القديمة“ بكتلتها السكانية الكثيفة ومشاكلها المتراكمة. أما صغار الموظفين الحكوميين فلهم الحق في العمل في العاصمة الجديدة وليس السكن فيها، إذ أقامت الحكومة مساكن لهم في مدينة ”بدر“ القريبة، يشترونها بأقساط ميسرة.
وعلى المستوى السياسي، لم يعد الهدف الأمني للعاصمة موضع تخمين؛ ففي يوليو 2026، وخلال افتتاح مقر قيادة الدولة الاستراتيجي ”الأوكتاجون“ – الذي يضم وزارة الدفاع ويبلغ حجمه سبعة أضعاف ”البنتاجون“ الأمريكي– قال السيسي إنه ”كان لا بد أن الدولة تخرج من العاصمة“ لمنع محاصرة المقرات الحكومية مرة أخرى كما حدث أثناء وبعد ثورة يناير.
ولا تنفصل خطط الانتقال إلى الصحراء عن ”المشروع القومي للطرق“ – الذي شمل إنشاء آلاف الكيلومترات من الطرق والكباري – بوصفه شريان النموذج العمراني الجديد، يربط المدن المسوّرة بالمراكز القائمة ويرفع القيمة الاستثمارية للأراضي المحيطة بها. وقد ارتبط هذا التوسع بموجة نزع ملكيات وارتفاع في تكاليف النقل، وزيادة إصابات حوادث الطرق.
وإلى جانب بناء عاصمة يصعب على المتظاهرين الوصول إليها، أعادت الدولة تشكيل الفراغ العام نفسه لتقليص فرص التجمع. فميدان التحرير، النموذج الأشهر والرمز الأكبر لثورة المصريين، جرى تكثيف الوجود الأمني فيه وإعادة تصميمه بعناصر رمزية بوضع مسلة وكباش أثرية في وسطه، وإحاطتها بالصبار الشائك، حتى تراجع دوره كساحة للتفاعل الشعبي وتحوّل إلى فضاء شبه خالٍ من الاستخدام الاجتماعي. كما استُخدمت البنية التحتية أداةً للضبط في ميادين أخرى، مثل رابعة العدوية والشوَن بالمحلة الكبرى، حيث شُقّت كباري تخترق الميدانين بما يسهّل السيطرة عليهما ويحدّ من إمكانية التجمع فيهما.
الحكومة مستثمرًا عقاريًا
يقع العامل الاقتصادي في قلب هذا المشهد. فمنذ الانفتاح الاقتصادي في سبعينيات القرن الماضي، اتجه المصريون إلى شراء الوحدات السكنية بوصفها وسيلة ادخار، وهو اتجاه تعزّز مع الخفض العنيف لقيمة الجنيه المصري في العقد الأخير في ظل ضعف البدائل الاستثمارية واتساع فجوة الثروة التي يستحوذ نحو عُشر السكان على ما يقارب ثلثيها.
تحوّلت الدولة من منظّم للسوق إلىأكبر فاعل فيه، تبيع الوحدات كسلعةً استثمارية لمواطن يحاول حماية مدخراته من أثر سياساتها الاقتصادية هي نفسها، تلك التي أهدرت قيمة عملته. انعكس ذلك على النمو المالي لـ”هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة“ – ذراع الحكومة الرئيسي للاستثمار والتنمية العقارية – إذ ارتفعت إيراداتها من حوالي 18 مليار جنيه عام 2014-2015 (أي نحو 2.2 مليار دولار حسب سعر الصرف آنذاك) إلى نحو 245 مليار جنيه متوقعة في موازنة عام 2026-2027 (نحو 5 مليار دولار).
لا تربح الدولة من بيع الوحدات فحسب، بل من احتكارها للمورد الأساسي، وهو الأرض. فبوصفها واحدة من أكبر الجهات المالكة للأراضي الصحراوية في مصر، دأبت هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة على رفع أسعار الأراضي التي تطرحها دوريًا، وبنسب حادة، فصارت الأرض الحكومية هي المصدر الأساسي لتضخم أسعار العقارات: يشتريها المطوّرون بأسعار مرتفعة، ويحمّلون المشتري النهائي الفارق، وترتفع معها قيمة المعروض القائم كله.
في المقابل، لم يغب الإنفاق الاجتماعي تمامًا، لكنه ظل قاصرًا عن حجم الاحتياج. فقد طرحت الدولة منذ عام 2014 نحو مليون وحدة ضمن الإسكان الاجتماعي، وأطلقت مبادرات تمويل عقاري مدعوم لهذه الوحدات بفائدة تبدأ من 3% لمحدودي ومتوسطي الدخل. غير أن هذه الجهود، على أهميتها، لا تكفي وحدها لمواكبة نمو عدد الأسر الجديدة، أو القفزات المتتالية في أسعار الأراضي وتكاليف البناء. وتظل أسعار وحدات الإسكان الاجتماعي غير ملائمة للكثير من محدودي الدخل.
آليات التنفيذ: الإخلاء القسري ونزع الملكية
اصطدمت خطط الدولة في كثير من الأحيان بوجود مجتمعات قائمة على الأراضي المستهدفة، فكان المواطن هو أبرز ضحايا هذا المسار. واعتمدت الحكومة مسارين متوازيين، يُستخدمان أحيانًا معًا: الإخلاء القسري المباشر، وتوظيف الأدوات القانونية لنزع الملكية تحت مسمى ”المنفعة العامة“.
في المسار الأول يتم توظيف الإخلاء القسري كأحد الأدوات الأساسية في عملية ”التنمية“، كما في الحصار المفروض على سكان جزيرة الوراق النيلية منذ 2017 لإجبار الأهالي على المغادرة من أجل إقامة مشروع عقاري فاخر على الجزيرة. وفي المسار الثاني، يُعلَن قرار تخصيص الأرض للمنفعة العامة ثم تُستخدم القوة والتهديد لتنفيذه، كما جرى مع سكان قريتي الخرافين والمقاطعة بشمال سيناء، الذين أمهلتهم الجهات الإدارية 24 ساعة فقط لإخلاء منازلهم فور صدور القرار. وتكشف الأرقام اتساع النطاق: بين يناير 2021 وديسمبر 2025، نُفّذ 525 مشروعًا لنزع الملكية للمنفعة العامة، طالت نحو 89 ألف فدانًا وأثّرت على أكثر من 136 ألف أسرة أو نحو 546 ألف شخص، وشملت 110,537 وحدة سكنية.
ويضاف إلى هذين المسارين مسار ثالث أكثر نعومة، وهو تهيئة الظروف لآليات السوق لتقوم بعملية التهجير. فقد مررت الدولة عام 2025 تشريعًا يمهد لإنهاء منظومة ”الإيجار القديم“ ويفتح الطريق لزيادات كبيرة في إيجارات البيوت الخاضعة لهذه المنظومة، ليواجه ملايين المستأجرين خطر الطرد من البيوت التي قطنوها لسنوات طويلة. وقد برر الرئيس السيسي التوجه نحو تحرير العلاقة بين الملاك والمستأجرين بأن القيود على الإيجار تشكل ”عقبة حقيقية أمام استغلال 2 مليون وحدة…ثمنهم تريليون جنيه“.
وبينما تُستخدم سياسات نزع الملكية من أجل إنشاء الكباري والطرق والبنية التحتية في بعض الحالات، يُعاد توظيف الأراضي المنزوعة في حالات أخرى في مشروعات استثمارية كبرى تستهدف الفئات الأعلى دخلًا، كما في منطقة رأس الحكمة المطلة على البحر المتوسط، حيث جرى الاستحواذ على أراضٍ مأهولة وأُعيد طرحها بعوائد ضخمة بعد تهجير سكانها الأصليين أو دفعهم لقبول تعويضات محدودة.
ليست فضاءً للعيش
قامت ثورة يناير منذ 15 عامًا داعيةً إلى العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، لكن السلطة التي تولت مقاليد الأمور في السنوات التي تلتها وحتى الآن لم تخف عدائها لها، واتبعت سياسات عمرانية أنتجت وضعًا هو نقيض أهداف الثورة. تحولت المدينة من فضاء للعيش إلى مسرح لإعادة توزيع السكان والثروة والسلطة، بما يعكس تحولات أعمق في علاقة الدولة بالمجتمع. فبينما تُقدَّم السياسات التي ذكرناها باعتبارها مسارًا نحو ”التنمية“ والتحديث، تكشف نتائجها عن تعميق للفصل الاجتماعي والمكاني، وتحويل العمران إلى آلية لإدارة المجتمع أكثر من كونه وسيلة لتحسين شروط حياته. وبذلك، فإن فهم التحولات العمرانية في مصر بعد ثورة يناير يحتاج النظر إليها كجزء من مشروع أوسع، يُعاد فيه تشكيل المجال العام والاقتصاد الحضري بما يخدم منطق السيطرة والعائد في آن واحد.
ولا يخلو النقاش العام في مصر من مقترحات وأفكار من شأنها عكس ذلك المسار. يمكن أن تطبق الحكومة سياسة محكمة للضرائب العقارية تهدف إعادة استغلال الأصول العقارية الشاغرة، واتخاذ إجراءات من أجل تحقيق التوازن في الإيجارات بدلًا من تركها للعرض والطلب، كما يجب أن تسعى السياسات العامة الى توجيه دعم أكبر إلى قطاع الاسكان الاجتماعي بحيث تتناسب أسعار الوحدات مع دخل الفئات المستهدفة، وبالتوازي مع ذلك يجب أن تتوقف الحكومة عن انتهاك القانون الدولي عبر استخدام عمليات الإخلاء القسري كوسيلة لتسريع المشروعات التنموية.
تلك الحلول قد تبدو معقدة بفعل تراكم آثار السياسات الحكومية في العقد الأخير، لكنها بطبيعة الحال ليست مستحيلة إذا توفرت لها الإرادة السياسية التي تهدف لتغليب مصلحة المواطن قبل السعي وراء الربح أو إحكام السيطرة الأمنية.
إبراهيم عز الدين معماري مصري وباحث عمراني، ومؤسس مشارك لـ”ديوان العمران“، وزميل سابق بمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط.