ليست الحرب في لبنان عسكرية أو حدودية فحسب، فقد أضحى النقاش الداخلي حولها صراعًا حول الرواية: من يتحمّل مسئوليّة التصعيد؟ من جلب الخطر إلى المدنيّين؟ من يملك شرعيّة الدفاع والتفاوض؟ ومن يستخدم الحرب لتصفية حسابات داخليّة؟
يشرح المنظّر السياسي الأمريكي ويليام غالستون في كتابه الأحدث أنّ الخطاب السياسيّ كثيرًا ما يعتمد على ما يسمّيه ”العواطف المظلمة“ (Dark Passions) من غضب وخوف ورغبة في الهيمنة من أجل تعبئة الجماهير. لا يتحدث غالستون عن لبنان تحديدًا، لكن نظريته تساعد على فهم كيف تحوَّل الخطاب العامّ في لبنان إلى مساحة لإنتاج الشرعيّة، وتعبئة الجمهور، وتحديد ماهية العدوّ، وإدارة الخوف.
توظِّف جميع الأطراف السياسية في لبنان هذا النمط. مثلًا، يُبرز الخطاب المؤيّد لحزب اللّه الخوف من العدوّ ويتهم الخصوم بالتواطؤ وخدمة إسرائيل، بينما يغذي خطاب خصوم الحزب الخوف من النازحين بوصفهم خطرًا أمنيًّا.
تبرز في لبنان ثلاث أدوات مترابطة توظَّف لتسميم المجال العام: التضليل، والتهديد، وخطاب الكراهية. التضليل يُستخدم لإنتاج الرواية أو تضخيمها، وهو ركن أساسيّ في الدعاية السياسيّة، والتهديد يُستخدم لفرض كلفة على من يعترض على هذه الرواية. أمّا خطاب الكراهية، فيحوّل الخلاف السياسيّ إلى شبهة جماعيّة، ويضع الخصوم داخل خانة الخيانة أو العمالة أو التواطؤ. بهذا المعنى، لا تكون هذه الأدوات مجرّد أعراض جانبيّة للحرب، بل جزءًا من بنيتها الاتّصالية والسياسيّة.
يسعى هذا المقال إلى تحليل دور هذه الأدوات الثلاث في الفترة الحالية، إذ يرتبط مستقبل لبنان بمفاوضات واتفاقات دولية حساسة، يحتاج البلد فيها إلى خطاب يوسّع هامش المناورة أمام الدولة، لا إلى خطاب يقوّض الثقة الداخلية، ويغلق المجال العام، ويحوّل السؤال والنقد إلى تهمة، ويُضعف قدرة لبنان على الدفاع عن نفسه سياسيًا.
التضليل وبناء الرواية السياسيّة
تتعدد أشكال التضليل المستخدم أثناء الحرب في لبنان بحسب الطرف الذي يوظف هذه الأداة.
مثلًا، عادةً ما تنتشر مع الاستهدافات الإسرائيلية الكبرى معلومات غير موثّقة حول هويّة المستهدَفين أو حجم الخسائر أو طبيعة العمليات. أحياناً يُقال إن الضربة استهدفت قياديًا بارزًا في حزب اللّه، مثل الأمين العامّ للحزب، أو شخصيّات أخرى، من دون دليل واضح في محاولة لتضخيم أثر الهجمات الإسرائيلية على حزب الله وإضعاف صورته وسردياته حول المقاومة وموقفه في الميدان.
وفي حالات أخرى، تُضخَّم نتائج العمليّات التي يقوم بها الحزب، أو تقدّم وقائع غير مثبّتة بوصفها إنجازات ميدانيّة. مثلًا، في 6 و7 مارس/آذار 2026، نفّذت قوّات إسرائيليّة خاصّة عمليّة قرب بلدة النبيّ شيت في البقاع، وهي منطقة ذات رمزيّة سياسيّة وأمنيّة بسبب حضور حزب اللّه فيها.
أكّد بيان حزب اللّه الرسمي بشأن العملية حدوث اشتباكات وانسحاب القوّة الإسرائيليّة، ولم يزد على ذلك. لكن قنوات ”تليغرام“ و ”واتساب“ قريبة من بيئة الحزب صورت الحدث انتصارًا مدويًّا: وقع الجيش الإسرائيلي في كمين، وأُسر عدد من جنوده، وأُسقطت مروحيّته، ما دفعه إلى تفعيل بروتوكول هانيبال وقتل جنوده. أما الواقع فكان مختلفًا: انتهت العمليّة دون أسر جنود، ودون إسقاط مروحيّة، ودون تفعيل ذلك البروتوكول، بل على العكس، قُتل ما يزيد على 40 شخصًا من الجانب اللبناني ودمّر القصف الإسرائيلي المنطقة.
ذهبت الرواية الرقمية إلى أبعد ممّا قاله الحزب رسميًّا، في إشارة إلى الحاجة السياسيّة إلى ”نصر“ أكبر من الوقائع المتاحة، لتدعم خطابًا يقول إنّ حزب اللّه لا يزال ممسكًا بالميدان، وإنّ خصومه يبالغون في تصوير ضعفه.
كما تلعب إسرائيل دورًا كبيرًا في نشر التضليل في لبنان عن طريق توظيف الرسائل التحذيريّة، والخرائط، والتسريبات، والمعلومات الجزئيّة، وخطاب تحميل السكّان مسئوليّة وجودهم قرب أهداف تدّعي أنّها عسكريّة.
في واقعة النبيّ شيت، مثلًا، سبق العملية تحذير واسع النطاق وجهه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي إلى سكان عدة بلدات في منطقة البقاع، مما أدى إلى حالة من الارتباك والنزوح المؤقت في مناطق لم تُستهدف جميعها.
تؤدي هذه الرسائل وظيفة مزدوجة. من جهة، تقدّم إسرائيل نفسها كمنذر قبل الضربة. ومن جهة أخرى، تنشر الذعر بين السكّان وتضعهم تحت ضغط نفسيّ، وتشعل غضبهم، وتدفع المجتمع المحلّيّ إلى الشكّ في مناطقه وجيرانه والنازحين.
ويعمل التضليل أيضًا على تأجيج الاحتقان الطائفي، خصوصًا في أجواء الحرب المشحونة.
استهدفت إسرائيل في 5 أبريل/نيسان 2026 شقة سكنية في منطقة عين سعادة، ضمن قضاء المتن، وهي منطقة مسيحية لا تواجد للحزب فيها. وسرعان ما تحولت الغارة إلى مادة خصبة للشائعات: لماذا تم استهداف شقة في المتن؟ ومن كان داخلها؟ تضاربت المعلومات حول هوية المستهدف، ليتحوّل الغموض إلى وقود لخطاب طائفي ضد النازحين من الجنوب.
وهكذا تحوّل الحديث عن مسئولية إسرائيل عن القصف إلى اتهام فئة مدنية بأنها ”تجلب الغارات“ إلى المناطق التي تستضيفها.
وزاد الطين بلة أن أوّل بيان رسميّ للجيش اللبنانيّ صدر بعد 22 ساعة من الضربة، وبعد 9 ساعات من بيان الجيش الإسرائيليّ. كانت تلك الفترة كافية لانتشار خليط من الشهادات، والمعلومات غير المؤكّدة، والمحتوى الملفّق، والتضخيم الطائفيّ عبر وسائل إعلام ومنصّات ومجموعات واتساب، ليفجر انقسامًا داخليًّا حول السكّان والنازحين وحزب اللّه.
تكشف هذه الحالات أنّ التضليل في الحرب لا يعمل دائمًا عبر اختراع حدث كامل. أحيانًا يملأ الفراغ، أو يستغل التأخّر الرسميّ، أو يربط وقائع غير مكتملة بسرديّة سياسيّة جاهزة. وفي لبنان، حيث الثقة بالمؤسّسات ضعيفة أساسًا، يصبح غياب المعلومة الرسميّة أرضًا مفتوحة أمام الروايات المتنافسة.
التهديد كآليّة لإسكات النقد
أظهرت الحرب في لبنان كيف يمكن أن يتحوّل النقد السياسيّ أو الإعلاميّ أو حتى التغطية الصحفية المهنية إلى اتّهام أمنيّ، وكيف يمكن أن يستخدم هذا الاتّهام لتبرير ترهيب الصحافيّين والتحريض عليهم.
أوضح مثال على ذلك هو تناقض الاتهامات التي تطال الصحافة الميدانية. في بعض المناطق يُتهم الصحافيون على الأرض بتزويد إسرائيل بمعلومات، وفي مناطق أخرى يُنظر إليهم بوصفهم مصدر لمعلومات لحزب الله وهو اتهام استعملته إسرائيل مرارًا. الخطر هنا لا يكمن في التوجه السياسي لقناة معينة، بل في تحويل التغطية إلى مصدر شك، والكاميرا إلى أداة اتهام، والصحافي إلى مشتبه به أمني.
تعرض صحافيون من مختلف المؤسسات للقتل والإصابة على يد إسرائيل، كما تمارس أطراف لبنانية أيضًا المنع والتهديد والاعتداء على الصحافيين، مما يؤكد أن الاستهداف لا يقتصر على الإعلام المصنف سياسيًا، بل يطال مهنة الصحافة في ذاتها.
تقول ديما صادق، وهي إعلامية واجهت التخوين بسبب مواقفها المناوئة لسياسات حزب الله، إن النقاشات العامة تحولت إلى مساحة لتنمية الحقد والكراهية المتبادلة.
”يمكنني إدانة إسرائيل بوضوح في العديد من الحلقات والمنشورات، ومع ذلك سأظل عرضة لاتهامات بالعمالة والتصهّين. هناك جمهور حسم موقفه مسبقًا: كل من لا يتفق معهم أو لا يوافق على رأيهم يُعامل مباشرةً على أنه صهيوني وعميل.“
لا يقتصر هذا النمط على الشتائم أو الحملات الرقميّة. يبدأ غالبًا بالتخوين، ثمّ ينتقل إلى التهديد، ثمّ إلى التحريض المباشر. وقد يأخذ أشكالًا متعدّدة: حملات إلكترونيّة، اعتراض عمل الصحافيين ميدانيًّا، مصادرة هواتف، استدعاءات أو تحقيقات غير واضحة، احتجاز مؤقّت، حذف موادّ مصوّرة، أو استخدام العنف الجسديّ واللفظيّ.
ويؤدي ذلك إلى ارتفاع ”كلفة التعبير عن الرأي في لبنان“، بحسب الناشط السياسي والأكاديمي اللبناني علي مراد، إذ لم يعد نقد جهة سياسية يُقرأ كموقف سياسي مشروع، بل كثيرًا ما يُقدَّم على أنه اصطفاف مع العدو أو خروج على الجماعة.
”أخطر ما أصاب الحياة العامة هو أن الرأي أصبح تهمة، والنقد خيانة. الخوف موجود، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول إلى رقابة ذاتية.“
ويضيف مراد في مقابلة مع معهد التحرير: ”أخشى أن ينجح التخوين في إسكات الناس، لأن النقاش العام عندها يتحول من مساحة للاختلاف إلى مساحة للامتثال والخضوع.“
خطاب الكراهية وتحويل الخصم إلى عدوّ داخليّ
يتداخل خطاب الكراهية مع التضليل والتهديد، لكنه يؤدي وظيفة مختلفة. فهو لا يكتفي بنشر معلومة غير دقيقة، ولا بإسكات الصحافي أو الخصم، بل يحوّله إلى مصدر خطر جماعي. عندها لا يعود النقاش يدور حول ما قيل، بل حول هوية من قاله، وانتمائه، ولمن يعمل.
تتكرر هذه الآلية عبر سياقات متعددة. فعندما ينشر صحافي تحقيقًا يتناقض مع رواية طرف سياسي، يُمكن أن يُتهم بأنه ”يكشف أهدافاً لإسرائيل“ أو ”يخدم العدو“، حتى بدون أدلة. كما أن الناشط السياسي الذي ينتقد حزب الله قد يُوصم بأنه ”عميل“ أو ”صوت للسفارات“. وفي حالات كثيرة، يُلقى باللوم على اللاجئين السوريين في أزمات لا ترتبط بهم مباشرة، مثل انقطاعات الكهرباء، وشح فرص العمل، والأمن والجريمة. ويُصوَّرون بوصفهم مصدر تهديد جماعي، بدلًا من أن يُعاملوا كملف سياسي وإنساني. ويتعرض النازحون اللبنانيون إلى حملات مشابهة، تختلف فيها المسميات فقط.
بهذه الطريقة، لا يكتفي خطاب الكراهية بإضعاف خصم سياسي، بل يعيد رسم حدود المقبول في المجال العام. فهو يدفع الصحافيين إلى التفكير في كلفة النشر، ويشجع المواطنين على الصمت، ويحوّل الخلاف السياسي إلى قضية أمنية. وعندما يُصوَّر الخصم باعتباره خائنًا أو تهديدًا وجوديًا، يصبح استبعاده أو استهدافه أو الاعتداء عليه أكثر قبولًا لدى جزء من الجمهور.
الرقابة ليست حلًا
تساهم البنية الإعلامية اللبنانية المكتظة بمؤسسات ممولة من العائلات السياسيّة في استمرار هذه الأنماط. فلا يمكن اعتبار الكثير من المنابر الإعلامية مراقبًا مستقلًّا للسلطة، بل طرفًا سياسيّاً له ملكيّة وتمويل وخطاب واضح. وحين ينشر روايات غير مدقّقة، أو يضخّم معلومات غير مثبّتة، أو يحوّل التغطية إلى تعبئة.
كما يقف الإعلام المستقلّ الذي انطلق بعد عام 2018، في موقع صعب داخل هذا المشهد. فهو يعمل غالبًا بموارد محدودة، ومن دون حماية سياسيّة، وفي مواجهة جمهور مستقطب لا يتسامح دائمًا مع التحقّق عندما يخالف قناعاته.
ويتعرّض الإعلام المستقلّ لهجمات من أكثر من اتّجاه: من جمهور حزب اللّه إذا انتقد الحزب، ومن خصوم الحزب إذا رفض التحريض ضدّ بيئته أو النازحين، ومن السلطات إذا فتح ملفّات حسّاسة.
أهمّيّة الإعلام المستقلّ تظهر في قدرته على التحقّق المتأني، وتوضيح ما هو مؤكّد وما هو غير مؤكّد، وتجنّب لغة الاتّهام قبل اكتمال الوقائع. لكنّ هذا الإعلام لا يستطيع وحده إصلاح المجال العامّ إذا بقيت المؤسّسات الكبرى تعمل كمنصّات تعبئة، وإذا بقيت الدولة غائبة عن تقديم معلومات سريعة وموثوقة.
لا يمكن معالجة التضليل والتحريض عبر الرقابة الأمنيّة أو إغلاق المنصّات. هذا قد يتحوّل سريعًا إلى قمع. لكنّ غياب الدولة ليس حلًّا أيضًا. المطلوب هو دور واقعيّ يقوم على توفير المعلومات، لا السيطرة على الرأي.
لذلك، يجب أن يتمحور دور الدولة حول ثلاث نقاط: إصدار معلومات سريعة ودقيقة خلال الأزمات، حماية الصحافيّين من التهديد والتحريض، وتحديث قواعد الشفّافيّة حول ملكيّة الإعلام وتمويله والإعلانات السياسيّة. الدولة يجب ألّا تكون رقيبًا على الرأي، بل مصدرًا موثوقًا للمعلومة العامّة، وضامنًا للحدّ الأدنى من الحماية.
جاد شحرور: مدير الاتّصال والناطق الرسمي باسم مؤسّسة سمير قصير، وصحافي وناشط سياسي مقيم في لبنان.