timep single arabic page
A view of the destruction after an Israeli airstrike that targeted six adjacent buildings just three minutes before the ceasefire took effect, Tyre, Lebanon on April 20, 2026. (Photo by Muhammed Emin Canik/Anadolu via Getty Images)

”لن تكون الزيارة الأخيرة“: رحلة إلى صور في زمن الحرب

تحدى الصحفي اللبناني مهدي كريّم إنذارات الإخلاء ليزور مسقط رأسه في مدينة صور جنوب لبنان، ليجد مدينة بلا أصدقاء أو زحام، ويغادرها تاركًا أغراضه في منزله رافضًا التسليم بأنها الزيارة الأخيرة.


بعد بضعة أسابيع من بدء الحرب في لبنان، قررت زيارة مدينتي ومسقط رأسي ”صور“، التي لا تبعد سوى نحو 20 كيلومترًا عن الحدود الإسرائيلية. لم يكن الدافع فضولًا صحفيًا بقدر ما كان خوفًا خالصًا على مدينة نشأت فيها وعشقت تفاصيلها، مدينة نزحنا منها لكنها لم تفارقنا. ربما أردت أن أطمئن عليها، أو أن أتحدى إنذارات الإخلاء جنوب نهر الليطاني. لكن أظن أنني حقًا أردت أن أودع أحياءً وشوارع أخاف ألا أراها مجددًا.

كان ذلك قبل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ يوم 17 أبريل/نيسان. ترددت قبل الذهاب. الإنذارات الإسرائيلية تتوالى على السكان بإخلاء المدينة، والغارات تطال قلب المدينة ومحيطها. لكن ما حسم قراري هو ما بدا أنه سباق مع الوقت: تصريحات إسرائيلية عن نية احتلال كامل الجنوب، وتدمير ممنهج للجسور القائمة فوق نهر الليطاني يهدد بعزل المنطقة عن سائر لبنان. إن لم أذهب الآن، فقد لا تبقى طريق توصلني إلى هناك.

الخطر داهم: قتلت إسرائيل أكثر من 2,450 شخص وجرحت الآلاف، وأجبرت ما يزيد عن 1.2 مليون شخص على النزوح منذ بدء الجولة الحالية من الحرب يوم 2 مارس/آذار. أقسى تلك الغارات شُنت يوم 8 أبريل/نيسان، لتحصد أرواح المئات في مدة لم تتجاوز عشر دقائق. لم تفرق القنابل بين مقاتل ومدني، ولا بين مسن أو امرأة أو طفل. القتل طال الجميع.

أُدرك حجم الخطر، بالطبع. لكن بالنسبة إليّ، وإلى الكثير من أهل جنوب لبنان، هناك مساحة ضيقة بين القصف والحياة، سكنّا فيها، وألِفناها على مر عقودٍ من الزمن توالت فيها الحرب تلو الأخرى. استحضرت هذه المساحة، ونسيت مخاوفي، أو تجاهلتها.

ركبت السيارة، وانطلقت – برفقة والدتي التي أرادت أن تطمئن على منزلنا، وأن تلملم بعض حاجياتها (وتغلق البراد!) – نحو ”سيدة البحار“، كما تُلقب صور.

الأصدقاء مهجّرون

بدت الحياة شبه طبيعية على طول الـ45 كيلومتر بين بيروت ومدينة صيدا، وهي أول مدينة في جنوب لبنان، أو ”بوابته“. المقاهي والمطاعم ومحطات الوقود والمحلات تفتح أبوابها، وحركة السير اعتيادية ومكتظة قليلًا. لا يخرق تلك المشاهد الاعتيادية سوى صوت المسيرات الإسرائيلية التي نسمعها بين الحين والآخر.

عبرنا صيدا، وبدأنا نشعر بأجواء الحرب. تتميز تلك الطريق بعرضها الكبير مقارنةً بباقي طرقات لبنان، وهي محاطة بالتلال وتمر حول القرى والبلدات. حينها، كانت معظم المحال التجارية مقفلة، حركة المرور ضعيفة، أعلام وشعارات وصور قادة حزب الله وحركة أمل لا تزال منتشرة على معظم أعمدة الإنارة. وبالطبع، تعلو أصوات المسيّرات والطائرات الحربية بين الحين والآخر في تذكير دائم بالموت القادم من السماء. في تلك اللحظة، كان الطريق السريع الرابط بين بيروت والجنوب (اوتستراد الجنوب) ما زال سليمًا. لم تكن إسرائيل استكملت بعد استهداف كل الجسور العابرة لنهر الليطاني.

شعرت بالعزلة عند دخولي إلى صور. في الظروف العادية، أتواصل مع أصدقائي فور وصولي إلى المدينة لترتيب مواعيد للقاء. لكن هذه المرة كل الأصدقاء أصبحوا مهجّرين. وزحمة السير التي انتقدها كلما أدخل المدينة بات غيابها أصعب من وجودها. أصوات الباعة المتجولين لم تعد تصدح والأبنية بدت مختلفة بعد خلوّ شرفاتها من الأهالي الجالسين فيها.

مثل كثيرين، أعي أن هذه الحرب حدث جلل سيفضي إلى واقع سياسي جديد في لبنان والمنطقة، وربما في العالم. ومثل كثيرين أيضًا، تولّد الحرب لدي الخوف المستمر من غارة إسرائيلية على حي أو بناية أو منزل في المدينة، تمحو علاقتنا وذكرياتنا مع هذا المكان، قبل أن تدمر سقفه وأحجاره.

عند الوصول إلى مدخل المدينة، وجدت مجموعة من الصحفيين الأجانب يُعاينون أحد المباني المدمرة. لم يكن نصيب المدينة من التدمير الإسرائيلي في تلك اللحظة قد زاد عن حفنة من الغارات شملت استهداف المبنى الذي يحتوي على مكتب تابع لجمعية القرض الحسن التابعة لحزب الله، ومجموعة من مولدات الكهرباء الخاصة، فضلًا عن مبانٍ سكنية.

كانت الحيوية في المدينة ظاهرة إلى حدّ ما رغم ظروف الحرب، أحد المطاعم الشعبية في وسطها ما زال يفتح أبوابه للزبائن، بالإضافة إلى مجموعة من محال البقالة وفرن لإنتاج الخبز وغيرها من المحال الصغيرة. إلا أن الحد الفاصل لهذه الحيوية كان الساعة الرابعة عصرًا، قبيل حلول الظلام، حين تُغلق جميع المحال ويلتزم معظم المواطنين منازلهم.

كان ذلك غريبًا على مدينتي التي عادة ما تكون هدفًا رئيسيًا للقوات الإسرائيلية أثناء الحروب، ولذلك كنت أتوقع أن تنال المدينة نصيبًا كبيرًا من الدمار، عاجلًا أم آجلاً. وللأسف لم تخيب إسرائيل ظني. فقبل نحو 15 دقيقة من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ يوم 17 أبريل/نيسان، شنت الطائرات الإسرائيلية هجومًا شديدًا على المدينة، مستهدفةً مربعًا سكنيًا يضم 4 مبان مما أسفر عن مجزرة راح ضحيتها 20 شهيد، فيما تستمر فرق الإنقاذ في البحث عن 3 آخرين لا يزال مصيرهم مجهولاً حتى الساعة.

بقاء رغم المخاطر

تجولت داخل المدينة، اتطلع إلى أركانها التي تحمل كلٌّ منها ذكرى مختلفة. رأيت العلم اللبناني الضخم الذي يرفرف عند مدخل المدينة. ذهبت إلى المقهى الذي أجتمع فيه عادةً مع أصدقائي لأجده مغلقًا، ثم عرجت على شارع البحري حيث اعتدنا ممارسة الرياضة، ثم ميناء الصيادين الذي افتقد أصوات المراكب العائدة من رحلات الصيد. الأماكن ما زالت كما هي ولكنها تنقصها الروح والحياة.

التقيت حسين، أحد أبناء المدينة الذي قرر البقاء في المدينة أثناء الحرب الحالية مثلما فعل في حرب عام 2024، رغم إنذارات الإخلاء الإسرائيلية.

يقول: ”إمكانياتي المادية لا تسمح لي باستئجار منزل، والإقامة في مراكز الإيواء أمر في غاية الصعوبة“، مضيفًا أنه ”يقضي يومه بمتابعة الأخبار آملًا في انتهاء الحرب بأسرع وقت“.

فخلال حرب عام 2024، نزح نحو 900 ألف مواطن من سكان الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، وتكبّد هؤلاء أموالًا طائلة في استئجار المنازل وسائر تكاليف النزوح. فضلًا عن ذلك، تعرّض كثيرون منهم لانتكاسة مادية جرّاء تدمير محالّهم التجارية ومصادر رزقهم دون أي تعويضات، فيما لم تعد الدورة الاقتصادية إلى سابق عهدها بسبب تخوّف المواطنين من استثمار ما تبقّى من أموالهم خشية اندلاع الحرب مجددًا، مثلما حدث. كل ذلك جعل أهالي تلك المناطق منهكين ماديًا حتى قبل الحرب الحالية، التي جاءت لتزيد أعباء النزوح ثقلًا عليهم.

ومثل حسين، قررت فاطمة هي وعائلتها البقاء في المدينة، بعد أن أنفقوا معظم مدخراتهم أثناء النزوح عام 2024. وتقول: ”لا أحد يحب البقاء في دائرة الخطر، ولكن النزوح يحمل مرارة لا نقوى على تحملها“.

وعلى طرف المدينة، زرت إحدى المدارس التي تحوّلت إلى مركز للنزوح ضم نحو 900 نازح معظمهم من القرى الحدودية. يقول يوسف الغريب، أحد النازحين الذين التقيتهم: ”كل ما أفكر فيه هو العودة إلى قرانا التي باتت مدمرة بالكامل، فنحن منذ 8 أكتوبر 2023 نازحون، وأكثر ما يؤلمنا هو عدم معرفتنا بمسار الأمور وعدم ضمان العودة إلى بلداتنا“.

تدرجت الحرب في لبنان على عدّة مراحل منذ دخول حزب الله في المواجهة مع إسرائيل بعد هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. كانت المواجهات مرتكزة في بدايتها بقرى وبلدات الشريط الحدودي مع إسرائيل، لتمتد بعدها إلى جنوب نهر الليطاني وصولاً إلى الجنوب اللبناني بأكمله، والضاحية الجنوبية لبيروت. وفي 23 سبتمبر/أيلول 2024 توسعت الحرب مع إطلاق إسرائيل لعملية عسكرية تخللها مئات الغارات الجوية، حتى إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024.

حرب لم تتوقف

لم يشعر أهالي الجنوب بانتهاء الحرب بعد وقف إطلاق النار عام 2024 وحتى الحرب الحالية. بل تحولت المواجهات إلى حرب من طرف واحد، إذ سجلت وزارة الصحة في الفترة الممتدة منذ ذلك الحين مقتل 397 شخصًا وجرح أكثر من ألف، نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية، بالإضافة إلى استمرار إنذارات الإخلاء وضرب البنى التحتية المستمر من حينها.

تقول مريم، النازحة من إحدى القرى الحدودية، أن قريتها وحدها قد فقدت 8 شباب جراء الاعتداءات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار. وتلفت إلى أن ”هؤلاء كانوا إما يتنقلون على دراجاتهم النارية أو في منازلهم، فالبقاء في هذا الوضع بحدّ ذاته أصعب من الحرب“.

ويوضح عبدالله، النازح إلى الواجهة البحرية لبيروت، المعروفة باسم ”البيال“، مخاوفه من أن يطول أمد الحرب الحالية وأن ”يتحول الجنوب إلى غزة أخرى من حيث القتل والتهجير والدمار“.

ويُعزز من مخاوف عبدالله تهديد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في 31 مارس/آذار الماضي، بتدمير جميع المنازل في القرى القريبة من الحدود في جنوب لبنان ”وفق نموذج رفح وبيت حانون في غزة“. فضلاً عن التقارير الصحفية التي تكشف عن نوايا استيطانية في الجنوب اللبناني. وبالفعل بدأت إسرائيل التدمير الممنهج والكامل للعديد من القرى الحدودية، وإنشاء ”منطقة أمنية“ خلف ”خط أصفر“ – على غرار غزة – تتضمن 55 قرية لن يُسمح لسكانها بالعودة.

وتزيد الحرب من الاحتقان بين مختلف فئات الشعب اللبناني، لتبرز اختلاف أعمق وأكثر حدّة حول سبل التعامل مع الأزمة الحالية، ليستمر الجدل الداخلي وتتزايد معه التأثيرات السلبية على التماسك الاجتماعي للبلاد.

وعلى المستوى الرسمي، أدى قرار حزب الله دخول الحرب إلى إدانة واسعة من القوى السياسية وأركان الدولة. فقرر مجلس الوزراء حظر أنشطة الحزب العسكرية والأمنية وحصر عمله في الشق السياسي. كما أطلق الرئيس جوزاف عون مبادرة تاريخية دعا فيها إلى هدنة شاملة ووقف كامل للاعتداءات الإسرائيلية، يتبعها نشر الجيش اللبناني في مناطق التوتر ونزع سلاح حزب الله، ثم الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية دولية. وفي 14 أبريل/نيسان عُقد لقاء رسمي بين البلدين في واشنطن، هو الأول من نوعه منذ 43 عامًا، ومن المتوقع انعقاد لقاء آخر يوم 23 أبريل/نيسان.

 ملاذ آمن

شكلت صور، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، ملاذًا لأبناء القرى الحدودية الذين نزحوا إليها تباعًا واستقر معظمهم في المدينة ومحيطها. كان التأثير الاقتصادي للحرب على المدينة مزدوجًا، ففي حين فقدت المدينة ميزتها السياحية وبات من النادر مصادفة السائحين الأجانب أو حتّى اللبنانيين كما درجت العادة، فإن انتقال أهالي القرى الحدودية إليها ساهم في تعويض جزء من الكتلة الاقتصادية وتحريك العجلة الاقتصادية إلى حد ما.

أما في الحرب الحالية، فإن المدينة ما زالت مركزاً لنزوح أبناء هذه القرى، حيثُ تُقدر وحدة إدارة الكوارث التابعة لاتحاد بلدية صور وجود ما يُقارب 20 ألف نازح موزعين بين من اختار اللجوء إلى مراكز إيواء وآخرين قرروا استئجار منازل، فضلاً عن جزء من أهلها الذين رفضوا النزوح منها.

ويزيد موقع المدينة الجغرافي جنوب نهر الليطاني من مخاوف أبنائها والنازحين فيها من دخولها ضمن المنطقة العازلة في حال عودة الحرب بشكلها الواسع، خصوصًا أن بلدة شمع، التي لا تبعد سوى 17 كيلومترًا عن مدينة صور، دخلت ضمن البلدات الـ55 التي أعلنت إسرائيل أنها لن تسمح للسكان بالعودة إليها.

وحتى بعد سريان وقف إطلاق النار، لا يزال أهل صور، مثل باقي أهل الجنوب، متوجسين من هشاشة الأوضاع. ذهب البعض إلى المدينة للاطمئنان على بيوتهم وأخذ الملابس الصيفية، لكن العودة بشكل دائم لا تزال خارج الحسابات بالنسبة إلى الكثيرين. وحتّى من قرر منهم البقاء في المدينة أبقى على ”حقيبة النزوح“ جاهزة، فثمة إحساس عام في المدينة بأن الأمور لم تنتهي وأن الحرب يمكن أن تعود في أي لحظة. وعزز هذا الشعور طلب رئيس مجلس النواب نبيه بري من الأهالي ، عقب الإعلان عن وقف إطلاق النار، بـ ”التريث في الانتقال إلى البلدات والقرى“.

هذه المخاوف، وغيرها كانت بارزة في وجوه كل من تكلمت معهم أثناء جولتي في المدينة، كما رأيت انعكاسها بداخلي. قصدت منزلي الذي ترعرعت فيه بغرض جمع بعض متعلقاتي الشخصية. دخلت غرفتي، لكنني وقفت عاجزًا عن الحركة. شعرت أن أخذ أغراضي أشبه بالتسليم باستحالة انتهاء الحرب والعودة. قررت أن أُبقي كل شيء كما هو على أمل أن تنتهي الحرب، وأن نعود إلى بيوتنا كما نفعل بعد كل جولة من الصراع، في انتظار الجولة المقبلة.

مهدي كريّم: صحفي وناشط لبناني.

: اقرأ التالي

تتناول عدة تحقيقات رئيس الوزراء اللبناني السابق نجيب ميقاتي وعددًا من شركائه في لبنان وخارجه، على…

يغيب أهالي السجناء عن القوانين واللوائح المنظمة للسجون في مصر، رغم أنهم جزء من منظومة احتجاز…