فوجئ معظم المصريين عندما شاهدوا صورًا للرئيس عبد الفتاح السيسي يصافح الطيارين المصريين في زيارة إلى القوات المصرية المتمركزة في الإمارات. جاءت هذه الصور، التي أذاعتها الحكومة الإماراتية عبر قنواتها الرسمية وسط صمت من وسائل الإعلام المصرية، لتعزز حالة من القلق في الشارع المصري إزاء احتمالية التورط في حرب إقليمية مع إيران.
كان ذلك تذكيرًا مؤلمًا للعديد من المصريين بالفجوة بين خطاب السيسي حول ”الدور المركزي“ للبلاد في المشهد السياسي الإقليمي، والمكانة المتراجعة فعليًا للقاهرة. فقد أنهت هزيمة مصر في حرب الأيام الستة عام 1967 مساعيها للقيادة الإقليمية، في حين رسّخ توجه أنور السادات نحو الولايات المتحدة بعد عام 1973 سياسة خارجية أكثر دفاعية. وفي عهد حسني مبارك، تحول هذا المنطق إلى استراتيجية تهدف بالأساس إلى حماية مصادر الدخل، وتأمين التمويل الخارجي، وتجنب الحروب التي لا تستطيع مصر تحمل تكلفتها، بدلًا من التركيز على تشكيل المنطقة. وفي عهد السيسي، تعمق هذا المنطق الدفاعي بسبب اعتماد برنامج التنمية الذي تبنته الحكومة المصرية على الديون والتمويل الخارجي.
في خضم الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، لا تزال مصر تسعى إلى التوازن، لكن التبعية حوّلت سياستها الخارجية إلى مجرد أداة للحد من المخاطر؛ مخاطر لا تتوقف عند الصدمات الاقتصادية، والاجتراء الإسرائيلي، وعدم الاستقرار الإقليمي فحسب، بل تمتد إلى إمكانية تجدد الضغوط على مصر للانخراط في الصراع في حال انهيار وقف إطلاق النار الهش.
القيود الاقتصادية
لطالما كان الاقتصاد المصري اقتصادًا شبه ريعي، إذ تتدفق إليه العملات الأجنبية بالأساس من رسوم قناة السويس، والتحويلات المالية، والسياحة، بدلًا من الأنشطة الاقتصادية الإنتاجية. وقد تفاقم هذا الوضع بعد تولي الجيش السلطة في يوليو 2013، حيث تمت إعادة توجيه الإنفاق الحكومي نحو المشاريع العملاقة الممولة بالقروض، مما ترك الاقتصاد مثقلًا بالديون والأزمات الاقتصادية المتكررة. في ضوء هذه المعطيات، أصبحت مصر شديدة التأثر بصدمات أسعار الوقود والغذاء الناتجة عن حرب إيران.
اعتمدت القاهرة في عهد الرئيس السيسي على دول الخليج، وأوروبا، والولايات المتحدة، وصندوق النقد الدولي للحصول على النقد الأجنبي اللازم لخدمة الديون وتغطية الواردات. ولكن بعد ما يقرب من شهرين من بداية الحرب، تبين للقاهرة إمكانية تحول هذا الاعتماد إلى مصدر فعلي للتهديد عندما طلبت الإمارات من باكستان — شريكة مصر في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران — سداد قروض بقيمة 3.5 مليار دولار، ورحّلت الآلاف من العمال المهاجرين الباكستانيين الشيعة. في عام 2025 وحده، بلغت قيمة تحويلات العمالة المصرية بالخارج 41.5 مليار دولار، أي ما يقرب من 12% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وجاءت نسبة كبيرة من هذه الأموال من العمالة المصرية المهاجرة في دول الخليج. وبخلاف ذلك، تمتلك دول الخليج حوالي 35% من الدين الخارجي لمصر، وتعد مصدرًا رئيسيًا لتمويل الحكومة المصرية من خلال شراء الأصول والاستثمارات.
للتحوط ضد هذه التبعية، انتهجت مصر استراتيجية تعتمد على تنويع التحالفات، تجلت بوضوح في خطاب ”التوازن الاستراتيجي“، مما يدفع باتجاه تعميق العلاقات مع كلٍ من الصين وروسيا. لكن أيًا من الدولتين لم تقدم آفاقًا تمويلية لمصر، كما أنه من غير المرجح أن تقدما دعمًا عسكريًا أو دبلوماسيًا حقيقيًا يمكن أن ينهي اعتمادها على مانحيها التقليديين. يُظهر توازن مصر بين روسيا وأوكرانيا حدود هذه الاستراتيجية: إذ تمكنت مصر من الحفاظ على سير العلاقات المعتاد مع كلا الجانبين، وتجاهلت الضغوط الأوروبية لعزل روسيا، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن الولايات المتحدة لم تجبرها على الاختيار. ولكن عندما علمت واشنطن بخطط مصرية لبيع صواريخ لروسيا، ضغطت على القاهرة للتخلي عن الصفقة.
رغم أوجه القصور الواضحة في استراتيجية تنويع التحالفات، فقد نجحت في أن تعمل كورقة مساومة مع الاتحاد الأوروبي. ففي واقع الأمر، تتشكل الشراكات الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي مع دول جنوب البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك مصر، جزئيًا بسبب مخاوف بروكسل من توسع نفوذ روسيا والصين في المنطقة.
على الصعيد الإقليمي، أتاحت استراتيجية مصر المتمثلة في التوفيق بين الشركاء المتنافسين مساحة للمناورة، بما في ذلك قرار عدم الانضمام إلى التدخل العسكري الذي قادته السعودية في اليمن عام 2015. ومع ذلك، كان لا بد من ضبط اصطفاف مصر مع المملكة العربية السعودية، ومعارضتها لقوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًا في السودان، بحذر شديد لتجنب استفزاز الإمارات، التي تتمتع بنفوذ قوي يتمثل في العمالة المصرية المهاجرة لديها، والاستثمارات، والديون.
وبغض النظر عما سبق، فهناك عوامل أخرى قد تضع ضغوطًا على نقاط ضعف البلاد الاقتصادية مثل المصالح السياسية والعسكرية. ويتجلى ذلك بوضوح في صفقة الغاز التي وقعتها مصر مع إسرائيل لمدة 15 عامًا بقيمة 35 مليار دولار، والتي يُعتَقَد أن المستفيد الأكبر من أرباحها الاستثنائية هو شركة خاضعة لسيطرة المخابرات العامة المصرية، في وقت يتزايد فيه العداء بين البلدين ويتسع التدخل الإسرائيلي في الصراعات الإقليمية. ظهرت عواقب تلك الصفقة واضحة للعيان في الأيام الأولى لحرب إيران عندما قطعت إسرائيل صادرات الغاز مؤقتًا عن مصر.
كشفت حرب إيران عن الهشاشة الكاملة لهذا الهيكل. فقد فقدت مصر قدرتها على الوصول إلى مورديها الرئيسيين للغاز والنفط، إسرائيل والكويت، في حين ارتفعت أسعار الطاقة العالمية. كما أدت الاضطرابات في اقتصادات الخليج، وتضرر موسم السياحة في ذروته، وضعف ثقة المستثمرين، إلى زيادة الضغط على تدفقات العملة الأجنبية إلى البلاد، في حين انخفضت إيرادات قناة السويس بنسبة 38%. وكان الجنيه المصري من بين أسوأ العملات أداءً خلال الشهر الأول من الحرب، ما أدى إلى ارتفاع التضخم السنوي إلى أكثر من 15% ليزيد من معاناة المواطنين المصريين الذين يعانون أصلًا من ضغوط مالية شديدة، إذ بلغت معدلات الفقر الرسمية بالفعل ما يقرب من 30% عام 2019-2020، كما يقدر الخبراء أن هذه النسبة ارتفعت إلى نحو 36% عام 2023، نظرًا لأن الحكومة لم تصدر أرقامًا محدثة.
تمكنت مصر من الصمود أمام الصدمة الاقتصادية حتى الآن من خلال تنويع موردي النفط والغاز، غير أن أي استئناف للأعمال العدائية من شأنه أن يزيد من إرهاق مواردها المالية. قد يكون من الصعب تأمين الدعم هذه المرة، إذ أنه من المرجح إعادة توجيه رءوس الأموال الخليجية نحو إعادة الإعمار المحلي أو أولويات إقليمية أخرى. كما أن الخيارات الأوروبية تبدو مقيدة بالمثل بسبب المطالب بإعادة التسلح أو دعم أوكرانيا ودول الشرق الأوسط التي تأثرت بالنزاع. في الوقت الحالي، يبدو أن المسئولين المصريين يراهنون على أن المانحين ما زالوا يعتقدون أن البلاد ”أكبر من أن تسقط“.
البحث عن الوضع الراهن
لطالما أدركت مصر أن الولايات المتحدة لن تسمح لأي فاعل إقليمي بتحدي التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، مما دفعها إلى إدارة العلاقات مع جارتها الشرقية (التي تزداد تشددًا) بأسلوب يحول دون إثارة حفيظتها.
قد تساعد هذه الحسابات في تفسير الدافع وراء تقدير مصر الصامت لوجود قوى قادرة على موازنة النفوذ الإسرائيلي مثل إيران. وبالنسبة إلى إسرائيل، فقد كانت بحاجة إلى علاقات جيدة مع مصر، الدولة الوحيدة التي تربطها بها علاقات رسمية في المنطقة إلى جانب الأردن، تفاديًا لمزيد من العزلة. أخلت ”الاتفاقات الإبراهيمية“ بهذا التوازن، إذ تقاربت إسرائيل مع الإمارات والبحرين والمغرب، مما هدد بتحطيم احتكار مصر لدور الوسيط الرئيسي بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية. في هذا السياق، شكلت إيران ثقلًا موازيًا مفيدًا لتنامي النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. ومن المرجح أن هذه النظرة أصبحت أكثر هيمنة داخل أروقة الحكم المصرية مع نمو التقارب الإسرائيلي الإثيوبي وإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو عن تحالف جديد لمواجهة ”محور سني“ غير محدد المعالم قد يشمل مصر. وبالتالي، فإن الهزيمة الشاملة لإيران، في عيون المسئولين المصريين، من شأنها أن تزيد من الجرأة الإسرائيلية.
لا تتعلق معارضة مصر لانهيار إيران فقط بموازنة الهيمنة الإسرائيلية؛ فطالما كان للقاهرة نفور من فشل الدول القريبة من حدودها، وهو شعور متجذر في تجربتها الخاصة. لقد عارض المسئولون المصريون باستمرار تغيير الأنظمة، مفضلين وجود دول كفوءة أو فاعلين شبه حكوميين في الدول المجاورة على الفراغ الذي يتركه انهيار الأنظمة. كمثال على ذلك يمكن النظر إلى موقف مصر من الثورة السورية؛ فقد دعمت مصر، التي خاضت معركة طويلة ودموية ضد الجماعات المسلحة داخل حدودها بين عامي 2011 و2023، بشار الأسد في سوريا خشية أن يؤدي انهيار الدولة السورية إلى انتشار التطرف المسلح العابر للحدود. وبناءً عليه، تنظر مصر إلى الانهيار المحتمل للدولة الإيرانية على أنه خطر شديد على المنطقة بأكملها، وتفضل بدلًا من ذلك أن تخرج إيران مستقرة وموحدة من هذا الصراع.
ويتمثل المكون الثالث من الموقف المصري في الشكوك العميقة تجاه الحلول العسكرية. لقد ترك التدخل المصري في اليمن خلال الستينيات وجولات القتال المتتالية مع إسرائيل شكوكًا مؤسسية دائمة تجاه استخدام القوة العسكرية لحل النزاعات. وعلى هذا فقد نظر صانعو السياسة المصريون بارتياب إلى الصراعات المسلحة من حولهم، بدءًا من الغزو الإسرائيلي للبنان، إلى غزة، والسودان، وسوريا، وليبيا. تجلى ذلك أيضًا في إحجام مصر عن الانضمام إلى التحالفات العسكرية الساعية إلى فتح مضيقي هرمز أو باب المندب. ولذلك، لم يكن مفاجئًا أن تساور مصر شكوك عميقة حول نجاح الحملة الأمريكية-الإسرائيلية في إيران.
قواعد اللعبة المصرية
في مواجهة الأزمة الحالية، اتبعت مصر نفس قواعد اللعبة التي استخدمتها خلال الإبادة الجماعية في غزة: الوساطة البراجماتية، وبناء التحالفات، وتحويل عدم الاستقرار الإقليمي إلى نفوذ مالي ودبلوماسي.
لقد لعبت مصر دورًا مركزيًا في المراحل الأولى للمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، إذ كانت إحدى الجهات الفاعلة القليلة التي تتمتع بالمصداقية المطلوبة لفتح قنوات التفاوض. كما عملت مصر عن كثب مع باكستان وتركيا ولاحقًا السعودية للوساطة كجزء من جهودهم الموسعة لخفض التصعيد في المنطقة.
حاولت مصر طمأنة شركائها في الخليج دون الدخول في الحرب بشكل مباشر. ففي الوقت نفسه الذي رفضت فيه ضغوطًا إماراتية لنشر قوات في مضيق هرمز، نشرت أنظمة دفاع جوي في عدة دول خليجية. كما أصدرت مصر 17 بيانًا تدين فيه الهجمات الإيرانية ضد دول الخليج منذ بدء الأعمال العدائية، سبعة منها تتعلق بالإمارات تحديدًا.
عملت مصر أيضًا على تحويل عدم الاستقرار الإقليمي إلى أرصدة دبلوماسية ومالية، إذ لعبت دور الشريك الذي لا غنى عنه والذي يخسر جميع الأطراف من عدم استقرار أوضاعه. وقد أثبت هذا النهج نجاحه، فقد استفادت مصر من دورها في منع انطلاق القوارب التي تحمل المهاجرين غير النظاميين، وتعاونها في استقبال مواطنيها العائدين، لتأمين الدعم المالي والدبلوماسي من أوروبا. وفي مواجهة الضغوط الإسرائيلية والأمريكية لنقل الفلسطينيين من غزة إلى سيناء، نجحت مصر في حشد معارضة أوروبية وخليجية من خلال التحذير من أن خطوة كهذه قد تزعزع استقرار مصر وتعرض اتفاق السلام مع إسرائيل للخطر. وخلال الأزمة الحالية، حاولت مصر مرارًا تأمين تمويل من أوروبا والولايات المتحدة، مشيرة إلى الأثر السلبي للصراع عليها وعلى قدرتها على المساعدة في ضبط الهجرة.
لكن القصور في قواعد اللعبة المصرية يتجلى بوضوح في دعواتها المتكررة لتعاون عسكري عربي أوثق. لقد تذرعت القاهرة بعدم الاستقرار الإقليمي كمبرر لاستجابة أمنية عربية جماعية، إلا أن الظروف غير مواتية لذلك. فالدول العربية منقسمة بشدة، وكثيرًا ما تحولت منافساتها إلى صراعات، كان آخرها بين السعودية والإمارات في اليمن والسودان. كما أثارت الليونة النسبية لموقف مصر المبكر تجاه إيران انتقادات قاسية من وسائل الإعلام الملتزمة بخطوط دول الخليج.
ما تبقى لصناع القرار المصريين هو الحد من الأضرار، إذ يتمثل السيناريو الأفضل في العودة إلى نظام إقليمي لم يعد له وجود. أما ما تسعى إليه القاهرة واقعيًا فهو: إنهاء سريع للحرب وبقاء نظام إيراني قوي بما يكفي لمنع انهيار الدولة وموازنة إسرائيل، ولكنه أضعف من أن يهدد الاستقرار الإقليمي أو يسعى لامتلاك أسلحة نووية.
ومع ذلك، قد يُقاس النجاح في النهاية بمؤشرات أضيق: البقاء خارج الحرب، والحفاظ على قناة وساطة، وتأمين التمويل الكافي لامتصاص الصدمة. لكن بالنسبة إلى بلدٍ كانقوةً دافعة في السياسة العربية يومًا، فإن في ذلك دليلًا على مدى ما انكمشت إليه آفاق مصر.
حسين بيومي: مستشار مستقل متخصص في السياسة الخارجية للشرق الأوسط والعلاقات الأوروبية الشرق أوسطية.