timep single arabic page
Syrian campaigner of the Caesar Families Association Yasmen Almashan holds pictures of victims of the Syrian regime as she and others wait outside the courthouse where former Syrian intelligence officer Anwar Raslan is on trial in Koblenz, Germany, on January 13, 2022. (Photo by Bernd Lauter / AFP) (Photo by BERND LAUTER/AFP via Getty Images)

من الأرشيف إلى قاعة المحكمة: كيف يتحوّل توثيق الانتهاكات إلى أداة للمحاسبة؟

رغم تراكم آلاف الملفات التي توثّق انتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة، يظل أثرها القضائي محدودًا، ما يتطلب ربط التوثيق الدقيق باستراتيجيات قانونية وسياسية واضحة.


كان السجن مصممًا لكسر الإنسان جسديًا ونفسيًا.

هكذا وصف أحد ضحايا التعذيب السوريين تجربة السجن في قاعة إحدى المحاكم في مدينة كوبلنز الألمانية، مدليًا بشهادته عن السنوات التي قضاها في سجون نظام الأسد.

لم تكن هذه الشهادة مجرد رواية شخصية لأحد الشهود، وإنما جزء من ملف قانوني متكامل استندت إليه المحكمة في إدانة الضابط السوري السابق أنور رسلان عام 2022 بارتكاب جرائم ضد الإنسانية والحكم عليه بالسجن المؤبد.

هذه المحاكمة كانت الأولى لمسئولين سابقين في النظام السوري بتهم تتعلق بالتعذيب الذي ارتكبه النظام، وقد أُجريت أمام محكمة ألمانية بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية، وأسفرت عن أول إدانة لمسئول أمني سوري رفيع نسبيًا. ولم تكن هذه النتيجة ممكنة دون الربط المنهجي بين شهادات الناجين والوثائق الرسمية وسلاسل القيادة داخل أجهزة الأمن. وفي واحدة من أبرز لحظات المحاكمة، عُرضت صور من ”ملفات قيصر“ التي كشفت عام 2014 عن حجم التعذيب داخل مراكز الاحتجاز – لتتحول من مواد مسرّبة إلى أدلة قضائية تُسهم في إثبات نمط ممنهج من الانتهاكات.

هذه المواد كانت نتيجة لسنوات من التوثيق المنهجي للانتهاكات، جمعته منظمات سورية ودولية. كشف هذا التوثيق ما وصفته منظمات حقوقية بـ”أرخبيل التعذيب“ في سوريا، حيث تنتشر مراكز احتجاز تُمارس فيها أنماط منهجية من الاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري. هكذا، يتحول التوثيق من وسيلة لحفظ الذاكرة إلى أداة قانونية قادرة على تحويل الشهادات إلى أدلة، والانتهاكات إلى قضايا، والجناة إلى متهمين أمام العدالة.

قد لا تجد مثل هذه المواد التوثيقية طريقها إلى المحاكم في البلدان التي وقعت فيها الانتهاكات، حيث تظل فرص المساءلة القضائية محدودة. لكن أهميتها تظهر لاحقًا عندما تُفتح مسارات التقاضي في دول أخرى كما حدث في عدد من القضايا. بينت محاكمة أنور رسلان أن التوثيق، عندما يستند إلى منهجية قانونية دقيقة، يمكن أن يتحول من سجل للمعاناة إلى أداة حقيقية للمحاسبة.

ورغم أهمية هذه اللحظة، فإنها ما زالت تمثّل استثناءً نادرًا في المنطقة. فغياب الشفافية الرسمية ومحدودية الوصول إلى المعلومات يُعيقان سُبل المساءلة ويضعان عبئًا مضاعفًا على منظمات المجتمع المدني التي تضطر إلى بناء روايات متكاملة بالاعتماد على مصادر ثانوية وشهادات فردية.

توثيق دون محاسبة

وثّقت منظمات حقوقية على مدار السنوات الماضية في سياقات مثل مصر وسوريا وليبيا أنماطًا واسعة من الانتهاكات، شملت الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والتعذيب والقتل خارج نطاق القانون، مستندةً إلى شهادات مباشرة وأدلة رقمية وتقارير ميدانية. وقد انعكس هذا العمل في مئات التقارير والملفات التوثيقية التي أعدتها منظمات محلية ودولية، مثل التقارير التي وثّقت أنماط الاختفاء القسري في مصر، والملفات التي جمعتها منظمات سورية حول جرائم التعذيب في مراكز الاحتجاز، والتحقيقات الدولية المتعلقة بانتهاكات النزاع في ليبيا.

ومع ذلك، ورغم تقديم آلاف الملفات إلى آليات العدالة الدولية المختلفة، والمحاكم الدولية والأجنبية، لم يُترجم معظم هذا العمل حتى الآن إلى إجراءات محاسبة قضائية فعلية. هذا التباين الحاد بين وفرة المعلومات وضعف الأثر داخل المحاكم يفرض تساؤلًا محوريًا: لماذا لا تتحول هذه الجهود التوثيقية، رغم جودتها، إلى مساءلة حقيقية أو تحوّلات ملموسة في السياسات؟

الأسباب متعددة ومتشعبة تتداخل فيها الشئون السياسية والاجتماعية والاقتصادية. لكن من وجهة نظر التوثيق، نجد تحديات تقنية ومنهجية متعددة تعيق تحويله إلى أداة فعالة. فكثير من المنظمات الحقوقية في مصر وسوريا، مثلًا، لا تزال تعتمد على أدوات بدائية أو منصات رقمية غير آمنة لتخزين الشهادات والأدلة، مما يجعلها عرضة للفقد أو الاختراق أو حتى التلاعب. ولا تقتصر هذه التحديات على الجوانب التقنية، إذ تمتد إلى غياب معايير موحدة لتوصيف الانتهاكات أو تصنيفها قانونيًا، وهو ما يؤدي إلى تضارب في التوثيق ويعقّد عملية الدمج بين قواعد بيانات مختلفة أو المقارنة بينها. 

كما أن محدودية التقدّم في مسارات المساءلة لا ترتبط دائمًا بجودة التوثيق وحدها، بل تتأثر أيضًا بعوامل سياسية ومؤسسية تتحكم في مدى استعداد بعض آليات العدالة الدولية أو المحاكم الأجنبية للمضي قدمًا في إجراءات المحاسبة، حتى عند توفر الأدلة. وفي هذا السياق، تبرز إشكالية سلامة البيانات وسلاسل حفظها، أو ما يُعرف في الممارسات القانونية بـ’سلسلة العهدة‘، حيث يؤثر ضعف توثيق مسار الأدلة وحفظها على مدى قابليتها للاستخدام في الإجراءات القضائية.

غير أنّ دقّة التوثيق وحدها لا تكفي لإحداث نتائج داخل قاعات المحاكم ما لم تقترن بعناصر تجعله أداة إثبات: العلاقة السببية، والسياق القانوني، والتحقق المتقاطع.

وتظهر التجارب أن التوثيق قد يتحول إلى قوة دفع فعلية حين يُصاغ ضمن استراتيجية قانونية متكاملة. في ليبيا، ساهمت توثيقات دقيقة لانتهاكات ميليشيا الكانيات في ترهونة، التي ارتبط اسمها بحالات قتل خارج نطاق القانون واختفاء قسري، في إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق ستة من قادتها. وقد اعتمدت هذه الملفات على شهادات ناجين ووثائق ميدانية وصور للأدلة الجنائية التي اكتُشفت في تلك المقابر الجماعية. وفي سوريا، مكّنت ملفات توثيقية مُحكمة منظمات حقوقية من الدفع بآليات الولاية القضائية العالمية في ألمانيا وفرنسا والنمسا، ما أدى إلى إدانة مسئولين عن جرائم ضد الإنسانية.

هذه التجارب تبيّن أن ما يصنع الفارق ليس حجم المعلومات فحسب، وإنما تشابك عوامل كثيرة تتعلق بجودتها وكيفية توظيفها. حين يكون التوثيق معزولًا عن التحليل القانوني والمناصرة، يتحول إلى أرشيف غير مفعّل. لكن عندما تتكامل هذه المكونات، تصبح البيانات أدوات تأثير، تُستخدم في مذكرات قانونية، وبلاغات أممية، وحملات مناصرة تستند إلى أدلة.

كيف نعيد تعريف التوثيق الحقوقي؟

لكي تتحول جهود التوثيق إلى أدوات فاعلة من أجل تحقيق العدالة القضائية، لا بد من إعادة تعريف دورها ضمن الاستراتيجية الحقوقية بوصفها نقطة انطلاق لأي مسار قانوني أو سياسي. فالتوثيق الجيد هو ما يُوجّه الأولويات القانونية، ويمنح العمل الحقوقي بوصلة واضحة، ويحول الشهادات الفردية إلى ملفات قابلة للاستخدام في المحاكم أو الآليات الدولية.

ومع ذلك، يظل من الضروري التمييز بين البيانات التي تُجمع لأغراض التوثيق والرصد والمناصرة، وتلك التي تنتج ضمن مسارات تستهدف المساءلة القانونية والقضائية. فبينما يركز النوع الأول على تسجيل الانتهاكات وحفظ الذاكرة وبناء المعرفة حول أنماط القمع، يخضع النوع الثاني لمتطلبات أكثر صرامة تتعلق بمعايير الإثبات، وسلامة الأدلة، وسلاسل حفظها، وآليات التحقق القانوني، بما يضمن قابليتها للاستخدام أمام المحاكم والآليات القضائية المختلفة.

ويجب أن تكون البيانات قابلة للاستخدام القانوني، أي موثقة بطريقة تسمح بتقديمها كأدلة في إجراءات قضائية، مثل توثيق هوية الشهود وتحديد زمان ومكان الانتهاك بدقة وربط الوقائع بسياقها القيادي أو المؤسسي. كما ينبغي أن تستند إلى توصيفات دقيقة وفق المعايير الدولية، وأن تكون مدعومة بأدلة مادية ورقمية وشهادات متقاطعة بحيث تصمد أمام أي مراجعة قضائية.

وهنا تبرز أهمية تحسين جودة التوثيق.

لا يتحقق هذا التحسين فقط عبر تطوير الأنظمة التقنية أو تدريب الفرق الميدانية، بل من خلال بناء منهجية متكاملة تشمل مرحلة جمع المعلومات ذاتها. ويُعدّ توحيد أدوات التوثيق أحد أهم الخطوات في هذا الاتجاه، إذ تضمن النماذج الموحدة اتساق البيانات ودقتها عبر مختلف الفرق والمراحل. فالاستمارات التي تعتمدها الفرق المتخصصة، ومن بينها الفرق المعنية بتوثيق الانتهاكات مثل الفريق المعني بحالات الاختفاء القسري أو الاحتجاز التعسفي، تُستخدم كأدوات منهجية لضبط عملية الجمع والتحقق من المعلومات، إذ تُصمَّم لتوجيه الباحثين نحو تسجيل تفاصيل زمنية ومكانية وقانونية دقيقة، بما يُسهِم لاحقًا في تصنيف الحالات وربطها بأنماط أوسع من الانتهاكات. ومع تراكم استخدام هذه الاستمارات، وتحسين جودتها، تتحول إلى بنية معرفية مؤسسية تضمن أن تصبح البيانات المجمعة لبنات في منظومة متكاملة يمكن البناء عليها في التحليل والمساءلة.

قواعد بيانات تكشف المنهج لا الحدث

إن بناء قواعد بيانات قوية ضرورة استراتيجية تتيح تتبّع سلسلة المسئولية من صاحب القرار إلى منفذ الأمر بما يكشف عن الهياكل المؤسسية التي تقف وراء الجريمة. قواعد البيانات المصممة بشكل جيد تتيح تحليل الأنماط الزمنية والجغرافية، وتُظهر التكرار، والاستهداف، والعلاقات الهرمية داخل أجهزة الدولة. بهذا الشكل، تتحول الشهادة الفردية إلى دليل على سياسة ممنهجة. وقد ظهرت نماذج عديدة لقواعد بيانات توثيقية لعبت دورًا مهمًا في فهم أنماط الانتهاكات، مثل الأرشيف الذي جمعته منظمات سورية لآلاف الوثائق الحكومية المسربة من أجهزة الأمن، والذي استُخدم لاحقًا في عدد من الدعاوى القضائية في أوروبا.

تتجلى قيمة قواعد البيانات في التخزين والتنظيم وأيضًا في قدرتها على توليد محتوى تحليلي وقانوني يُستخدم في المناصرة والتقاضي. فعندما تُبنى قواعد البيانات وفق بنية مرنة تسمح باستخراج المؤشرات، يمكن إنتاج مواد تحليلية تُظهر تطوّر أنماط الانتهاكات عبر الزمن، أو تربط بين تحولات سياسية وتصعيد في القمع، أو تكشف عن الفاعلين الأبرز في تنفيذ الانتهاكات. كما تتيح هذه القواعد إنتاج مذكرات قانونية موجهة إلى جهات أممية أو محلية، تستند إلى الأدلة الرقمية والشهادات المتقاطعة، وتُبيّن العلاقة بين الانتهاك والسياسة العامة.

وتُظهر تجارب عملية، مثل قواعد البيانات التي طورتها آليات دولية ومنظمات مستقلة لتوثيق الانتهاكات في سوريا، كيف يمكن للبيانات المنظمة أن تتحول إلى موارد قانونية تُستخدم في التحقيقات الدولية ودعم القضايا أمام المحاكم.

كما يمكن لتبادل الخبرات والبيانات بين منظمات المنطقة أن يخلق طبقة جديدة من الفهم العابر للحدود. فأنماط القمع تنتقل عبر شبكات أمنية وإقليمية تتشابه في الأدوات والخطاب والممارسات. التعاون في بناء قواعد بيانات إقليمية مشتركة، تجمع بين البنية التقنية المتقدمة والتحليل القانوني المقارن، قد يشكل خطوة حاسمة نحو كشف الروابط البنيوية بين انتهاكات تبدو محلية لكنها متجذرة في منظومة أوسع من الإفلات من العقاب في العالم العربي.

تكامل العمل الحقوقي

في سياقات القمع والإفلات من العقاب، لا يُقاس النجاح بعدد الضحايا الموثقين أو حجم التقارير المنشورة فحسب، بل بقدرة هذه الجهود على إحداث أثر ملموس، سواء عبر قرار قضائي، أو تحرك سياسي، أو تحوّل في وعي الرأي العام، أو من خلال الاعتراف بمعاناة الضحايا ومنحهم مساحة لسرد تجاربهم واستعادة أصواتهم. ضمن مقاربات العدالة الانتقالية، يُفهم النجاح بوصفه حلقة في سلسلة أوسع تسعى إلى كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

لهذا، فإن بناء بيئات عمل تكاملية، تربط بين وحدات التوثيق، والتحليل القانوني، والمناصرة، ليس مجرد تحسين إداري، فهو مسئولية أخلاقية تجاه الذاكرة الجمعية وشرط أساسي لتحويل التوثيقات والشهادات إلى مسار عدالة فعّال ومستدام. ويتطلب ذلك الانتقال من التعامل مع التوثيق كأداة لتسجيل الانتهاكات فحسب، إلى اعتباره جزءًا من بنية أوسع للمساءلة. فالتوثيق، مهما بلغ من الدقة، يظل بداية الطريق. أما العدالة، فتتحقق حين تُوظّف البيانات في المسارات القانونية والسياسية والإعلامية، لتصبح كل واقعة موثّقة خطوة نحو مساءلة الجناة، وإنهاء الإفلات من العقاب، وضمان ألا يُختزل الضحايا في أرقام وأصوات مطوية داخل الأرشيف.

سارة حمزة: زميلة غير مقيمة سابقة بمعهد التحرير في برنامج زمالة ”سارة حجازي“، تعمل على قضايا التوثيق والعدالة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

: اقرأ التالي

لا يمكن فهم ما يجري في دارفور أثناء الحرب الحالية بمعزل عن عوامل متداخلة امتدت لعقود،…

في لبنان، يتم توظيف التضليل والتهديد وخطاب الكراهية كأدوات اتّصال سياسيّة في زمن الحرب.

وجدت مصر نفسها مضطرة لإدارة تداعيات حرب لم تكن ترغب فيها: صدمات اقتصادية، وعدم استقرار إقليمي،…