لم تكن سماح عبد الجواد* تتوقع أن رحلة نجاتها من الحرب الأهلية المشتعلة في الخرطوم ستقودها إلى خوف من نوع آخر في القاهرة.
لجأت سماح إلى مصر منتصف عام 2023 بعدما دمّر النزاع المسلح المشتعل في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع حياتها وحياة أبنائها. كانت رحلتها إلى مصر محفوفة بالمخاطر؛ من إخفاء ما تبقى من ذهبٍ وأموال بين الثياب خشية انكشافه وسرقته، إلى انتظار طويل عند معبر أرقين الحدودي بين البلدين، ثم العبور إلى مصر في ظروف غير إنسانية.
اعتقدت سماح حين دخلت مصر أنها ستكون آمنة، ولكنها وجدت نفسها عالقة بين حرب تركتها خلفها ونظام إداري وأمني يحاصرها في بلد اللجوء. فإقامتها تخضع للتجديد سنويًا عبر إجراءات حكومية تصفها بالبطء الشديد، ما يجعلها بلا بطاقة سارية لفترات طويلة تخشى خلالها أن تُوقَّف وتُرحَّل في أي لحظة، رغم تسجيلها لاجئة في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
فكرت سماح في الرجوع إلى السودان ضمن مبادرة ”العودة الطوعية للسودانيين“، رغم استمرار الحرب وتدهور الوضع الإنساني هناك بعد أن أرهقها الشعور بالخوف والعجز في مصر. لكنها قررت في النهاية البقاء:
”اخترت أن أتحمل القهر والخوف هنا بدلًا من أن أموت أنا وأطفالي في الحرب المشتعلة أو بسبب الأوبئة المنتشرة في السودان، لكن المئات غيري لم يكن لديهم رفاهية التحمل وقرروا الرجوع للمجهول“.
قصة سماح ليست استثناء، بل مرآة لواقع أكثر من مليون لاجئ سوداني في مصر، فرّوا من الحرب في بلدهم ليجدوا الخناق يضيق عليهم في بلد اللجوء، في وقتٍ تُعدّل فيه السلطات المصرية القوانين المُنظمة لوجودهم، وتُبرم اتفاقيات دولية تحصل بموجبها على مساعدات مرتبطة بملف اللاجئين.
ترحيب ثم فراغ تشريعي، وقمع
منذ اندلاع الحرب في السودان أصبحت مصر وجهةً رئيسيةً للفارّين من النزاع. استقبلت مصر أكثر من 250 ألف سوداني في الأشهر الأولى للنزاع في ظل سياسة دخول ميسّرة أعفت فئات واسعة من متطلبات التأشيرة. غير أن هذا الانفتاح بدأ ينحسر تدريجيًا في الشهور والسنوات التالية، مع فرض تأشيرة دخول مسبقة على جميع السودانيين دون استثناء، واتباع سياسات أكثر تشددًا للدخول والإقامة، وتنامي خطاب شبه رسمي يربط وجود اللاجئين بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها البلاد.
وتزامنت أزمة اللجوء السودانية مع انخفاض تمويل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وهو ما أدى، مع تزايد الأعداد، إلى تعطيل إجراءات تسجيل اللاجئين، وتفاقم شعورهم بعدم اليقين بشأن مستقبلهم القانوني.
فقد أصبح مركز تسجيل اللاجئين في القاهرة عاجزًا عن تلبية الطلبات المتزايدة، لا سيما بعد إغلاق مركزين آخرين، ليضطر بعض طالبي اللجوء إلى الانتظار شهورًا للحصول على موعد من أجل التسجيل، وهي فترة يُترك خلالها الشخص دون وضع قانوني فعلي. وبعد التسجيل لدى المفوضية، يضطر اللاجئون إلى استخراج بطاقات إقامة من الحكومة المصرية، وهو الأمر الذي يستغرق بدوره شهورًا ويستلزم إجراءات قانونية معقدة. ولا تعترف السلطات الأمنية المصرية بغير بطاقة الإقامة السارية دليلًا على الشرعية.
وفاقم هذا الوضع صدور قانون تنظيم لجوء الأجانب في مصر في ديسمبر 2024، الذي نقل صلاحيات استقبال طلبات اللجوء والفصل فيها وتحديد صفة اللاجئ أو إسقاطها إلى لجنة محلية مصرية، بدلًا من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ولم تُصدَر اللائحة التنفيذية اللازمة لتطبيق القانون إلا في يونيو 2026، كما لم تُشكَّل اللجنة المحلية المفترض فيها إدارة شئون اللاجئين حتى الآن، واقتصر الأمر على تعيين رئيسها دون استكمال بنيتها المؤسسية أو بدء ممارستها لاختصاصاتها.
وقد أدى هذا التأخير إلى خلق فراغ قانوني وإداري انعكس مباشرةً على أوضاع آلاف اللاجئين وطالبي اللجوء، الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين نظام قديم لم يعد يعمل بكامل صلاحياته ونظام جديد لم يدخل حيز التنفيذ الفعلي.
وبالتوازي مع هذا التعطيل الإداري والتشريعي، شهدت مصر تصاعدًا ملحوظًا في حملات الاعتقال والترحيل، بلغ ذروته أواخر عام 2025 والربع الأول من عام 2026. وقد شملت هذه الحملات عمليات توقيف موسّعة قائمة على المظهر العرقي، واستهدافًا متكررًا للمناطق التي يسكنها اللاجئون، وكذلك عمليات ترحيل عبر الحدود البرية. وأسفرت تلك الحملات عن خمس حالات وفاة على الأقل في مقار الاحتجاز خلال الفترة من أغسطس 2025 إلى فبراير 2026.
وبينما يفيد الخطاب الرسمي للسلطات المصرية بأن هذه الحملات تستهدف من ”لا يحملون أوراقًا“ وحدهم، فإن الشهادات والتوثيقات الحقوقية تدحض هذا الادعاء، إذ سُجّلت حالات توقيف لأشخاص يحملون أوراقًا قانونية سارية. ومن أبرزها وفاة المواطن السوداني مبارك قمر الدين (67 عامًا) داخل قسم شرطة الشروق شرق القاهرة مطلع فبراير 2026، رغم أنه كان يحمل بطاقة سارية من مفوضية اللاجئين. وقد أصدر 4 من مقرري مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة مذكرة أممية تذكّر مصر بالتزاماتها الدولية تجاه اللاجئين.
ولا تؤثر هذه القيود على اللاجئين وطالبي اللجوء وحدهم، بل تطال أيضًا أجانب مقيمين في مصر منذ سنوات بوضع قانوني سليم، يجدون أنفسهم عاجزين عن تجديد إقاماتهم بفعل تعقيدات إدارية ومالية متزايدة وتعليمات غير مكتوبة. وقد أبرزت حالة الصحفي السوري سامر مختار هذا النمط مؤخرًا، إذ أقام في مصر أربعة عشر عامًا، وتزوج من مصرية، ولديه طفل يحمل الجنسية المصرية، لكنه وجد نفسه فجأة عاجزًا عن تجديد إقامته، لينتهي الأمر بترحيله والتفريق بينه وبين أسرته.
البحث عن المساعدات
وتزامن مع اشتداد الحملات الأمنية على اللاجئين، تصاعد الخطاب الرسمي الذي يصورهم عبئًا اقتصاديًا ثقيلًا تتحمّله مصر نيابةً عن المجتمع الدولي. فقد صرّح رئيس لجنة الموازنة بمجلس النواب في أبريل 2025 بأن تدفق اللاجئين يكلّف مصر أكثر من 300 مليار جنيه (نحو 6 مليارات دولار) سنويًا، في تقدير وصفه مراقبون بأنه غير دقيق.
ويربط مراقبون بين هذا الخطاب واتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي وقعتها مصر مع الاتحاد الأوروبي في 2024 بقيمة 7.4 مليار يورو، التي خُصّص منها 200 مليون يورو لإدارة ملف الهجرة وضبط الحدود. ومؤخرًا خرجت تصريحات رسمية مصرية تفيد بضرورة ”نهوض الشركاء الأوروبيين بمسئولياتهم في دعم مصر لتحمل أعباء استضافة ملايين اللاجئين والمهاجرين على أراضيها“.
وهكذا يجد اللاجئون في مصر أنفسهم بين فكّي كمّاشة: خطاب رسمي يوظّف ملفّهم لاجتذاب التمويل الدولي تحت شعارات ”الاستضافة“ و”الحماية“، وممارسات على الأرض تضيّق عليهم الخناق سعيًا إلى تقليص أعدادهم.
قطارات العودة
في ظل هذا المناخ القانوني والأمني الضاغط، بدأت ”العودة“ تظهر في المجال العام باعتبارها مسارًا أساسيًا للتعامل مع ملف اللاجئين، حتى وإن كانت الظروف في بلدان الأصل لا تزال غير آمنة.
شهدت السنة الماضية دعوات متزايدة موجّهة للسودانيين في مصر للحاق بما سُمي ”قطارات العودة“ التي سيرتها الحكومة المصرية من القاهرة إلى أسوان جنوبًا خصيصًا لنقل السودانيين. وقدّم الخطاب الرسمي المصري والسوداني هذه العودة باعتبارها طوعية وطبيعية في أعقاب سيطرة الجيش السوداني على الخرطوم، مع التركيز على الطابع اللوجستي للعملية دون توضيح مصير العائدين. وقد قدّرت منظمات دولية عدد من عادوا خلال العام الماضي بنحو 400 ألف شخص. وفي سياق موازٍ، شجّعت السلطات المصرية السوريين على العودة إلى سوريا عقب سقوط نظام الأسد، عبر تسيير سفن من موانئ البحر الأحمر وإعفاءات من غرامات الإقامة لمن يختار المغادرة.
تطرح هذه الوقائع تساؤلًا قانونيًا جوهريًا حول مدى ”طوعية“ هذه العودة. فالعودة الطوعية تقتضي أن تتم في ظروف تتوافر فيها شروط الأمان والاستقرار والكرامة في بلد الأصل، وأن يكون القرار قائمًا على اختيار حر ومستنير بعيدًا عن الضغوط المباشرة أو غير المباشرة في البلد المستضيف. إذ لا يشترط صدور قرار رسمي بالترحيل لاعتبار المغادرة قسرية، ويكفي أن تؤدي السياسات أو الممارسات القائمة إلى خلق بيئة تجعل استمرار الإقامة مستحيلًا أو محفوفًا بمخاطر جدية.
وبتطبيق ذلك على السودان، نجد أنه رغم سيطرة الجيش السوداني على الخرطوم، وتأكيد المسئولين السودانيين بأن العاصمة ”آمنة ومستقرة“ ودعوتهم لعودة اللاجئين، فإن البلاد لا تزال تشهد قتالًا واسع النطاق وأعمال عنف وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، فضلًا عن انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية في مناطق واسعة، وانتشار الأوبئة وتفاقم أزمة الغذاء والتخوف من انتشار المجاعة. كما يبقى السؤال للكثير من اللاجئين: كيف نكسب قوتنا عند العودة في ظل انهيار الأوضاع الاقتصادية واختفاء سبل العيش التي اعتمدنا عليها قبل الحرب؟
ولا يمكن الجزم بأن جميع حالات العودة تمثّل طردًا مقنّعًا، إذ يتطلب ذلك التقييم الفردي لكل حالة وظروفها. غير أن المؤكد أن الكثير من هذه القرارات اتُّخذ في سياق ضغوط بنيوية وفي بيئة طاردة، لا في إطار اختيار حر ومطمئن كما يفترض مفهوم العودة الطوعية في القانون الدولي.
هل من خيار؟
تكشف قصة سماح أن الإشكالية لا تكمن فقط في وجود ثغرات أو قصور في الإطار التشريعي، بل تمتد بصورة أكبر إلى مستوى التطبيق العملي وسياسات إنفاذ القانون. فحتى قبل صدور قانون اللجوء الجديد، وفي ظل وجود نظام حماية تديره المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وثّقت منظمات حقوقية ومحامون حالات متكررة لاحتجاز أشخاص يحملون بطاقات تسجيل صادرة عن المفوضية أو يتمتعون بوضع قانوني قائم، بما يعكس فجوة واضحة بين النصوص القانونية والممارسات على أرض الواقع.
ومن ثم، فإن إصدار تشريع جديد أو إنشاء جهة وطنية جديدة لإدارة ملف اللجوء لن يكون كافيًا في حد ذاته لضمان حماية اللاجئين، ما لم يصاحبه تغيير حقيقي في السياسات والممارسات التنفيذية، وعلى رأسها نهج وزارة الداخلية وأجهزة إنفاذ القانون في التعامل مع اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، بما يتوافق مع الدستور المصري والتزامات مصر الدولية، وفي مقدمتها مبدأ عدم الإعادة القسرية وضمان الحق في الحماية والإجراءات القانونية الواجبة.
*اسم مستعار
حليم حنيش محامي مصري متخصص في حقوق الإنسان، و استشاري قانوني في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط.