أصبح الازدحام معتادًا في قاعات الاقتراع على ”الشقق وقطع الأراضي، وحتى المدافن“، داخل نقابة الصحفيين المصرية، حيث يتنافس الصحفيون النقابيون فيما بينهم للحصول على السلع والخدمات المدعّمة التي تقدمها النقابة، بينما تخلو الغرف حول المعتصمين من أجل حرية الصحافة والصحفيين وقد شارفوا على اليأس.
ورد هذا المشهد في كتاب ”حرية على الهامش – في نقد أحوال الصحافة المصرية“ الذي وصف فيه الكاتب كارم يحيى تحوُّل نقابة الصحفيين في حقبة السبعينات إلى مركز لتقديم الخدمات، مبتعدةً عن دورها الأساسي كتنظيم مهني يدافع عن الصحافة ومصالح ممارسيها.
يعود هذا الوصف إلى فترة السبعينات، إلا أن الوضع الحالي لا يختلف عنه كثيرًا. يتواصل التنافس الفردي بين الصحفيين على السلع والخدمات، في غياب التضامن الاجتماعي والمسؤولية المهنية. يتوهم الصحفيون بأنهم ”فئة مميزة“ تحصل على امتيازات خاصة من الدولة، مما يزيد حدة الأزمة، حيث تبقى نقابة الصحفيين المصريين الجهة الوحيدة التي تعترف بالصحفي في مصر، رغم الشروط المعقدة للانضمام إليها.
وينتج عن كل ذلك نقابة ضعيفة، غير قادرة على الدفاع عن حرية الصحافة ضد هجمات السلطات الشرسة.
من هو الصحفي؟!
هناك أربع متطلبات أساسية منصوص عليها في قانون نقابة الصحفيين من أجل الحصول على عضويتها: وهي شرط الجنسية، وشرط المؤهل الدراسي العالي (الجامعي)، وشرط الاحتراف، بالإضافة إلى شرط حسن السمعة. لكن العقبة الأكبر تكمن في اشتراط أن يكون الصحفي عاملًا بعقد ثابت ومؤمن عليه لدى جريدة مصرية مصرح لها من قِبَل المجلس الأعلى للصحافة والإعلام، وما دون ذلك فهو غير معترف به، وهو ما يجعل الانضمام إلى النقابة مسألة صعبة، أو شبه مستحيلة، بالنسبة للكثيرين.
ربما كانت تهدف تلك الشروط لحماية المهنة من الدخلاء، لكنها أصبحت قيودًا مفروضة على الصحفيين، تقوّض قدرتهم على القيام بمهمتهم، حيث تضع غير المقيدين في جداول النقابة أمام إشكالية قانونية حقيقية؛ حيث إن قانون النقابة يعتبر من يعمل بالصحافة من غير أعضاء النقابة ”منتحل صفة“، وفي الوقت نفسه يشترط على المتقدم للقيد أن يكون صحفيًا محترفًا، لتصبح الصحافة المصرية ذاتها، تهيم في مساحة هلامية غير محددة الملامح، ويصبح من الصعب الإجابة عن سؤال بسيط للغاية؛ من هو الصحفي؟
“شروط مجحفة”
تعمل نقابة الصحفيين بجانب عدد من الهيئات المنوط بها تنظيم قطاع الصحافة والإعلام بحسب القانون، وهي الهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أعلى جهة رقابية معنية بالصحافة والإعلام في مصر. كذلك تتولى الهيئة العامة للاستعلامات مسؤولية التواصل مع الإعلام الأجنبي واستخراج التصاريح اللازمة للمراسلين الأجانب.
وبالرغم من أن النقابة يفترض فيها أن تكون جهة مستقلة عن مؤسسات الدولة تدافع عن حقوق الصحفيين ومصالحهم، إلا أنها تمارس دوراً رقابيًا مكمّلاً لدور الدولة على أرض الواقع.
يقول المحامي الحقوقي والعمالي هيثم محمدين ”إن لدينا في مصر ما يُسمّى بالوحدة الجبرية فيما يخص النقابات المهنية بسبب الخلط بين عضوية النقابة وتصريح مزاولة المهنة، فالنقابات المهنية في مصر هي مؤسسات لإعطاء تصريح مزاولة المهنة، وبالتالي تحتكر العمل النقابي، ولا بد من الفصل بين الشقين؛ أن يُمنح تصريح مزاولة المهنة من جمعية مهنية علمية؛ بينما تبقى النقابة كتجمع لأصحاب مصلحة مشتركة في إطار ما يُسمى المجتمع المدني“.
لذلك، أصبحت تهمة ”انتحال صفة صحفي“ إحدى أشهر الاتهامات التي تستخدمها السلطات لتقييد حرية الصحفيين غير النقابيين، كما تُستخدم تلك التهمة أحيانًا في استهداف الصحفيين في الخصومات الشخصية معهم، بل إن نقابة الصحفيين نفسها استخدمت تلك التهمة في بعض المواقف لردع بعض الصحفيين غير النقابيين بدلًا من دعمهم، كما حدث في يناير 2018.
تعبّر الصحفية إيمان عوف، عضوة نقابة الصحفيين ومؤسسة تجمع صحفيات مصريات عن استيائها من الشروط ”المجحفة“ للانضمام، التي أدت إلى وجود صحفيون ”يتولون رئاسة أقسام في بعض الصحف، وصحفيون حققوا إنجازات كبيرة في المهنة…ومع ذلك هم ليسوا أعضاء في النقابة“.
كما أن تلك الشروط تفتح الباب أما الفساد والمحسوبية في التعيينات، بحسب وائل توفيق، الذي أسس ”نقابة الصحفيين المصريين المستقلة“ عام 2011 كمحاولة لإيجاد بديل نقابي مستقل للصحفيين. يقول توفيق أن الكثير من أعضاء نقابة الصحفيين انضموا إليها تحت مظلة الجرائد القومية (المملوكة للدولة) وهم ليسوا صحفيين بالأساس، إنما من الإداريين وعمال المطابع ومسؤولي الإعلانات وغيرهم، وتتقدم الجرائد بأوراق هؤلاء رغبة منها في الحصول على كتلة تصويتية تساعد قادتها على الفوز في انتخابات النقابة.
ظروف عمل غير عادلة
يقول أحمد جمال زيادة، رئيس تحرير موقع زاوية ثالثة، أنه اضطر أن يعمل كصحفي في إحدى الجرائد الحزبية لسنوات طويلة دون أجر، حتى تكون الجريدة بوابة له للانضمام إلى النقابة، وهو ما نجح فيه فيما بعد. تنتشر مثل هذه الممارسات، المخالفة لقانون العمل المصري، بين الصحفيين الراغبين في الانضمام إلى النقابة، ما يضعهم تحت رحمة أصحاب العمل والمؤسسات الصحفية.
ولا يقتصر الأمر على العمل بدون أجر أو تحمل ظروف عمل ظالمة، بل إن بعض الصحفيين يدفعون قيمة التأمين الاجتماعي الخاص بهم في أماكن العمل في مقابل تعيينهم بعقود عمل ثابتة، والبعض يلجأ إلى دفع أموال في شكل تبرعات للجريدة، أو رشاوى لأشخاص داخل المؤسسات الصحفية ممن لديهم القدرة على اختيار الصحفيين الذين سيتم تعيينهم.
وتحقق عضوية النقابة عدة مزايا للصحفيين، أهمها أنها تشكل اعترافًا قانونيًا بمهنتهم أمام الجهات الرسمية، مثل المؤسسات الحكومية والبنوك، ناهيك عن الأجهزة الأمنية. كما يستفيد أعضاء النقابة من تأمين صحي جيد، وسلع وخدمات مخفضة، بالإضافة إلى حصولهم على مبلغ شهري يسمى ”بدل التكنولوجيا“، يساعد الكثيرين على تحمل تكاليف المعيشة.
توضح إيمان عوف إلى أهمية عضوية النقابة، ومن ثم ”بدل التكنولوجيا“، حيث إن بعض الصحفيين يعملون بلا أي عقود عمل وبلا أجور ثابتة، والمحظوظ منهم يتلقى مكافأة مالية زهيدة حسب الإنتاج، إلى جانب أن كثيرًا منهم يعمل في ظروف أمنية خطيرة، فتُنشر المواد الصحفية بدون الإشارة إلى أسمائهم، وهكذا عندما تتخلى عنهم المؤسسة الصحفية يُصبح من الصعب إثبات علاقة العمل بينهم، حيث لا يوجد مواد منشورة بأسمائهم، ولا يوجد عقد قانوني يحكم علاقة العمل أو التدريب.
بدل التكنولوجيا: رشوة للصحفيين أم حق منقوص؟
يُشبه ”بدل التكنولوجيا“ الأجر الشهري، ويتقاضاه كل أعضاء النقابة، ويتم تمويله من ميزانية الدولة تحت إشراف وزارة المالية. ولطالما كانت قيمة البدل ضعيفة، لا تصل للحد الأدنى للأجور، إلا أن الكثير من الصحفيين النقابيين يعتمدون عليه بشكل أساسي للمساعدة على مصاريف المعيشة في ظل تدني الأجور (قيمة بدل التكنولوجيا 3900 جنيه مصري بما يساوي حوالي 80 دولار أمريكي).
ويقوم المرشحون في انتخابات مجلس إدارة نقابة الصحفيين بالدعاية لأنفسهم عبر بند ثابت في كل انتخابات وهي قدرتهم على التواصل مع الدولة من أجل زيادة البدل، وبطبيعة الحال، غالبًا ما يميل الصحفيون للتصويت للمرشح المقرّب من النظام، والذي بدوره يستطيع التفاوض على قيمة البدل، ومن هذا المنطلق ينظر البعض إلى ”بدل التكنولوجيا“ كرشوة من الدولة للصحفيين كي تظل النقابة في صف النظام، بينما يرى آخرون أنه حق منقوص.
ترفض إيمان عوف اعتبار بدل التكنولوجيا رشوة مقدمة من الدولة، مشيرة إلى أن القانون حدد أحقية حصول نقابة الصحفيين على بعض الضرائب والدمغات المفروضة على المطبوعات والإصدارات، وكذلك نسبة من إعلانات الجرائد، إلا أنه في الواقع تذهب تلك الأموال إلى وزارة المالية، التي بدورها تمنح النقابة جزءاً وتأخد المتبقي من المبالغ.
وتضيف ”في هذه الحالة يمكن اعتبار أن الصحفيين هم الذين يدفعون الأموال للدولة وليس العكس“.
واقترح الصحفي أحمد جمال زيادة أن يتم ربط البدل بالحد الأدنى للأجور، وبالتالي يرتفع تلقائيًا مع كل ارتفاع للحد الأدنى للأجور، حتى لا يُسْتَغَلّ من مرشحي النظام في انتخابات النقابة، وحتى يُرفع عنه شبهة الرشوة من الدولة للصحفيين.
وتقف إشكالية التمويل عائقًا أمام استقلال النقابة عن سيطرة الدولة، بل قد تكون أحد أهم الوسائل المستخدمة لضمان ألا يكون للصحفيين أو أي مجموعة مهنية أخرى كيانات قوية تستطيع الدفاع عن مصالحهم.
يقول هيثم محمدين، المحامي العمالي: ”مصادر تمويل النقابات يجب أن تكون مستقلة، وكل نقابة تقاتل على مصادر تمويلها في إطار عملها،“ ويضيف: ”النظام يعتبر نقابة الصحفيين مصدر خطر، فلا يمنحها حرية التصرف في أموالها إنما يُخضعها لإشراف وزارة المالية، فهناك قرار بالسيطرة على النقابة، والبدل هو إحدى أدوات السيطرة“.
عضوية النقابة حماية غائبة من جدران السجن
بينما يتم استهداف الصحفيين غير النقابيين بتهمة انتحال الصفة، قد يخيّل إلى البعض أن عضوية نقابة الصحفيين تمنح الصفة ومعها الحماية القانونية من الاعتقال أو المضايقات الأمنية، لكن الواقع يعكس حقيقة مغايرة. فوفقًا لمؤسسة ”مراسلون بلا حدود“، لا يزال 15 صحفيًا مصريًا قيد الحبس، بينما وثق تقرير حديث صادر عن المرصد العربي لحرية الإعلام إلى أن هناك 37 صحفيًا قيد الاعتقال، من بينهم 9 أعضاء بنقابة الصحفيين، كما تقدم نقيب الصحفيين خالد البلشي في مارس الماضي بطلبات للنائب العام ولجنة العفو الرئاسي، للإفراج عن الصحفيين المحبوسين احتياطيًا، وضمت القائمة أكثر من عشرين صحفيًا، منهم 7 نقابيين.
آمال التغيير
تعاظمت الآمال في التغيير في نقابة الصحفيين بعد فوز خالد البلشي بمقعد نقيب الصحفيين في الانتخابات الأخيرة بداية العام الماضي، حيث إن البلشي صحفي يساري محسوب على المعارضة، وله تاريخ مشرف وتجارب رائدة في الصحافة المصرية، ولكن ما يتم تجاهله أن البلشي فاز في الانتخابات بشق الأنفس، كما تبقى قدرته على التغيير محدودة في ضوء القمع السياسي والسيطرة الأمنية على الإعلام، فلن يستطيع مجلس النقابة الحالي إحداث إصلاحات شاملة وتغييرات جذرية في السياسات، إنما تقف صلاحياته عند تحسين بعض الظروف وتقديم بعض الخدمات في مبنى النقابة، والسماح بهامش من الحرية داخل وأمام المبنى.
وإذا تجاوزنا عن القدرة على تغيير السياسات والقوانين، ونظرنا إلى الملفين الأهم في وضع الحريات الصحفية في مصر، وهما ملف الحبس الاحتياطي للصحفيين، وملف المواقع الصحفية المحجوبة، فلن نجد أي تغييرات كبيرة في هذا الوضع المتأزم بعد أكثر من عام من رئاسة البلشي، والعيب هُنا ليس في مجلس إدارة النقابة، لأنها لا تملك أدوات فعلية للتغيير.
إن الأمر أشبه بدائرة مفرغة، فحماية الصحفيين والاعتراف بهم تحت لواء نقابي، بحاجة إلى تغيير القوانين وإلى إصلاح شامل للنقابة، الأمر الذي يتطلب صحفيين لديهم الرغبة في التغيير والقدرة على الاشتباك مع السلطة والتضحية ببعض المنافع التي تعود عليهم من أجل الصالح العام. لكن إذا وُجد هؤلاء الصحفيون، سيتطلب الأمر مساحة واسعة من الحريات العامة، وهو أمر مستبعد في ظل النظام الحالي.
تأخذنا هذه النقطة إلى ضرورة مناقشة حلول أخرى، تتمثل في إنشاء نقابات مستقلة أو كيانات بديلة، وهو الأمر الذي نتناوله في مقالٍ قريب.
مصطفى الأعصر كاتب صحفي، وباحث، ومدافع عن حقوق الإنسان وحرية الصحافة والإعلام، وزميل سابق غير مقيم في معهد التحرير لدراسات الشرق الأوسط.