بعد أكثر من شهر على سقوط نظام الأسد، وبالتوازي مع مشاعر الفرحة بانتهاء تلك الفترة الحالكة من تاريخ البلاد، ما زال الكثير من السوريين يبحثون عن أحبتهم في وجوه المحررين من سجون النظام، وسجلات المُعتقلين المسربة المبعثرة في مراكز الاعتقال والسجون وعلى الإنترنت.
لحظة السقوط كانت سريعة، ومفاجئة، ومهولة، لم يصدقها الكثيرون حين حدوثها، ويعجز آخرون عن استيعابها حتى الآن. لكن تبقى قصص تحرير البلاد وشهادات المعتقلين وذويهم، التي اختار أصحابها وأحبائهم وشركائهم في المعتقلات أن يروُوها، بحلوها ومرها، برهانًا على جرائم النظام السوري، وتذكارًا للأجيال القادمة حول الثمن الباهظ الذي دفعه السوريون لتحرير بلادهم.
نعرض في هذا المقال نذرًا يسيرًا من تلك القصص التي تحمل الحزن الممزوج بنشوة التحرير، والمعاناة التي لم تنته رغم تحطيم قضبان السجون وفتح أبوابها، إذ يسكن الألم حياة آلاف العائلات السورية التي لم يمنحها سقوط النظام الراحة المنشودة، بل وجدت نفسها عالقة في دوامة جديدة من السعي وراء دليل يثبت حياة أو ممات الأحباب والأصدقاء، لتظل قيود النظام تكبل القلوب، حتى بعد تحرير البلاد.
”كان لديها أمل…كانت صدمتها كبيرة“.
سلطان*.
(اُعتقل لمدة سبع سنوات وسبعة أشهر في المخابرات الجوية (حمص – دمشق) وسجن صيدنايا والبالونة العسكري)
مع بدء العملية العسكرية ضد النظام بنهاية تشرين الثاني (نوفمبر) كنت متفائلا للغاية على عكس البعض، قد يكون لأنهم تعرضوا لخيبات أمل كبيرة سابقًا بسبب تكرار المحاولات الفاشلة لإسقاط الأسد.
بالنسبة لي، الفرحة الأكبر كانت عند محاولة فتح سجن صيدنايا. اشتد استنفاري بينما انتظر أي صورة للمكان لأحاول التقاط أي تفصيلة تؤكد أن المكان هو سجن صيدنايا حقًا. وعندما خرجت أول الصور شعرت أني في حلم. مشهد فتح الأبواب وفرحة المعتقلين هو أكثر مقطع أعود لمشاهدته ولا أمل منه، لأن في كل مرة أشعر بأن فرحتهم فرحتي.
كان معنا أشخاص كثيرون لم يخرجوا، خصوصًا في الفترة ما بين نهاية سنة 2011 وحتى 2014.
أذكر منهم ياسر، الذي قضيت معه فترة المنفردات، ثم انتقلنا إلى القسم الجماعي سويًا لمدة 11 شهر. وفي أول عام 2013، تم تحويل ياسر، وظننا إنه أخلى سبيله ولكن ما حدث فعليا هو أنه تحول إلى الإعدام مع خمس أشخاص آخرين. بعد ما خرجت من السجن تواصلت مع زوجته التي كانت متشبثة بالأمل. حكيت لها عن آخر الأيام التي عشتها معه، وشرحت لها أننا نظن أنه أرسل إلى الإعدام. كان صدمتها كبيرة. لم تستطع استخراج شهادة الوفاة لمدة عشر سنوات، لأن زوجها، في نظر السلطات، ما زال على قيد الحياة، مما عطل الكثير من المسائل الحكومية لها ولأولادها. ربما جاء سقوط الأسد وتفريغ المعتقلات ليعطها بعضًا من اليقين عن مصير ياسر.
أتذكر أيضًا أحد زملائي المعتقلين، واسمه ميسر، مات من المرض سنة 2013 وأنا الذي غسلته.
بعد التحرير، تواصلت معي والدته لتخبرني أنها تشعر أنه لا يزال على قيد الحياة وأن اسمه نشر ضمن الأسماء التي ظهرت على مواقع التواصل. فشرحت لها أن تلك الأسماء ليست صحيحة بالكامل، وأن ابنها توفي على يدي. كان من الصعب عليها تقبل الحقيقة، وكرهت أن أكون أحد الدلائل التي تؤكد وفاته لها.
”حتى اللحظة يرفض عقلي أن يصدق أن كل هذه الأعداد ماتت“.
تقى.
(اعتُقِلَت لمدة سبعة أشهر في مبنى الآمرية – فرع الجوية مطار مزة العسكري، وسجن كفرسوسة، وسجن عدرا)
عندما بدأت المدن تتحرر، تخوف بعض الناس من وجود صفقة يتم بموجبها تبادل السيطرة على مناطق مختلفة بين المعارضة والنظام. ولكن عندما احتدمت العمليات العسكرية في منطقتي سراقب ومعرة النعمان في ريف إدلب أصبح لدي إحساس أن الموضوع جدي. ثم جاءت انهيارات النظام في حلب لتعطيني شعورًا أكبر بالتفاؤل بالعملية العسكرية بغض النظر عمّن يقودها وعن توجهاته. لأنه بصراحة ما هو موجود حاليًا على الأرض هو أفضل تمامًا وقطعًا من نظام الأسد.
”قل مستشهدة ولا تقل معتقلة“، هكذا كنا نقول، لأن الاعتقال أمرّ وأفظع من الموت الفعلي، فالمعتقل يرى الموت من التعذيب والقهر كل دقيقة وكل ثانية.
أثناء فترة اعتقالي، عندما كنا نسمع أخبار اقتراب الثوار من السجن، وكنا نتساءل: إذا ما اقتحموا السجن، هل نخرج معهم أم نبقى في مكاننًا، خصوصًا أن مناطق أهلنا كانت لا تزال تحت سيطرة النظام مما قد ينعكس عليهم بالاعتقال مثلًا. لكننا كنا ننتظر داخل السجون أن يحررنا الثوار، لأنه شعور مذهل أنك تخرج غصبًا عن سجانيك، وليس عفوًا منهم، تخرج خروج عز تمامًا.
العمل والجهد الذي سنبذله لتأسيس هذه الدولة لتكون دولة عدل وحق هو جهد كبير ومتعب ولكنه يُشعرك أنك إنسان قادر على الإصلاح، مقارنة بما سبق. في نفس الوقت كانت إحدى الصدمات التي واجهناها هو أننا كنا نتوقع خروج أعداد أكبر من المعتقلين، ولكن بعد فتح السجون لم يخرج الرقم الذي كنا نتوقعه، خصوصاً من المعتقلين السياسيين. حتى اللحظة يرفض عقلي أن يصدق أن كل هذه الأعداد قد ماتت.
”انتظرنا خروج أسماء كثيرة، لكن معظمهم لم يخرجوا“.
رهف.
(اُعتقلت في فرع الأمن العسكري 235 ”فرع فلسطين“)
عند تحرير سجن حلب تذكرت عندما كنت بفرع فلسطين أثناء استهداف النظام له بالهاون. حينها لم نكن نعرف ما الذي يجري، لكننا استبشرنا بأن هناك من يعمل لتحريرنا. ورغم التخوف من تصفية المعتقلين، إلا أننا كنا لا نمانع أي مصير. كنا نريد أن ينال السجانون المتجبرون جزاءهم، ولو على حساب أرواحنا.
عند رؤية تحرير فرع فلسطين، تمنيت لو يُلقى القبض على طبيب الفرع أولاً ومعه السجانين والمحققين الذين أشرفوا على تعذيب المعتقلين. كانوا يضربونهم حتى الإغماء ليأتي الطبيب ليقول أن المغمى عليه ”لسا فيه روح“ ليكملوا ضربه، رغم أنه غائب عن الوعي.
سوف يبقى ملف السجون هو الأكثر إيلاما. فعلى الرغم من معرفتنا بما يحدث وراء القضبان، إلا أن بعض القصص كانت أشد إيلامًا مما تخيلناه، خاصة قصص المحررين بعد عقود من السجن، وما عرفناه عن أنواع التعذيب الوحشية التي تعرضوا لها.
أما المختفون قسريًا وذووهم الباحثون عن أي أثر لهم، فهم وجع سورية الباقي.
انتظرنا خروج أسماء كثيرة ولكن معظمهم لم يخرجوا. البعض وجِد ما يثبت وفاة أحبائه في الوثائق بلا جسد يسلم إلى أهله، وآخرون كثر لم يعرف مصيرهم بعد، لا يزال أهلهم يبحثون عنهم بين الروابط وعبر الصفحات وبين الخارجين. ولعل الأكثر إيلاما مشاهد تبعثر سجلات السجون والوثائق بدون اهتمام وتركها تتلف وتحرق ويضيع معها أي أثر محتمل للمفقودين، ومعه حقهم في محاسبة جلاديهم.
”أريد قراءة اسمي على جدران الزنزانة وأنا حر“.
كمال الدين.
(اُعتقل مرتين في الأمن السياسي أفرع الأمن السياسي والعسكري بحمص، وأفرع الـ215 والـ291 بدمشق، سجن البالونة العسكري، سجن القابون العسكري، سجن حمص المركزي، وسجن دمشق المركزي ”عدرا“)
بعد خروجي من الاعتقال، قررت ترك حمص. كانت لحظة أسى وخذلان. لم أكن أعرف متى سأعود، لكنني أردت الخروج لأنني لم أعد أقدر على رؤية أي مظهر أمني. ولا أستطيع أن أتخيل الأفرع الأمنية. سورية كانت بالنسبة إلي عبارة عن كابوس.
الآن، إذا عدت إلى حمص، سأدخل مبنى الأمن السياسي، وأذهب إلى المنفردة رقم 9، وهي التي كنت معتقلاً فيها، وكتبت داخلها اسمي الحركي ”عدنان“ المرة الأولى التي اعتقلت فيها. وشاءت الأقدار أن أجد اسمي الذي نحتّه لا يزال موجوداً عندما اعتقلت للمرة الثانية في نفس الزنزانة صدفةً. فتمنيت أن أدخل إلى هذه المنفردة لأرى اسمي للمرة الثالثة، ولكن هذه المرة وأنا حر.
حقيقة لا أتخوف من المستقبل حيث إن لا يوجد شيء يقارن بالماضي. سيكون البلد بلا معتقلات وبلا أفرع وتقارير أمنية وبلا براميل متفجرة وبلا طائرات تستهدف المدنيين وبلا حواجز أمنية.
اعتقل النظام المخلوع الكثير من أصدقائي وأقربائي إما من بيوتهم أو من الحواجز الأمنية، أو عبر مداهمة أماكن تواجدهم، منهم نور وأحمد وأبو بدر، الذي عرفنا بموته من خلال صور قيصر. أما أحمد فعرفنا بوفاته بعد استلام أهله شهادة وفاته.
أما نور، فلم نعلم عنه شيئا خلال السنوات الماضية حتى لحظة سقوط النظام. عندها علمنا بخبر وفاته. وطبعا معرفة الخبر لا يعني استلام الجثة لدفنها.
لقد كانت المعلومات عنهم منقطعة. وخصوصا الذين أُرسلوا إلى الأفرع الأمنية في دمشق أو صيدنايا. مع سقوط النظام، حاولنا السؤال عنهم من خلال الناشطين الذين جمعوا المعلومات عن الذين لقوا حتفهم في السجون. خلال الفترة الأولى، كنا ننتظر أن يخرج أحد من سجن صيدنايا أو فرع آخر. ولكن أعداد المعتقلين الذين خرجوا كانت قليلة.
بناء على تجربتي كمعتقل، أعلم أنه لا يمكن لأي معتقل أن يصمد كل هذه المدة، ولكن أهل المعتقلين لا يعلمون هذا. عندما كنت أتحدث مع إخوة أحد المعتقلين عن صعوبة أن يكون أخوهم على قيد الحياة، كانوا ينزعجون مني. كنت أحثهم على أن يسلموا للواقع. أما في حال خروجه بيوم من الأيام، فسيكون ذلك معجزة، لأن ظروف الاعتقال لا تسمح بهذا الأمر. أما الأشخاص الذين خرجوا بعد سقوط النظام بعد اعتقال دام 30 سنة، فهؤلاء خرجوا من السجن المركزي وهو سجن مدني تابع للداخلية وظروف الاعتقال تكون أخف من الأفرع الأمنية. نعم هنالك شعور بالحزن الشديد على الذين فقدناهم ولكن يمكنني القول أن هذا الشعور كان عندي منذ مدة طويلة وأنّي تجاوزته، ولذلك لم أُصدم عندما تأكدت أن هؤلاء الأشخاص لن يعودوا.
*تم حجب الأسماء الكاملة حفاظًا على أمن وخصوصية أصحابها
براء خرفان: زميل غير مقيم بمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط متخصص في الحوكمة والسياسة والاقتصاد في سورية