لم تستغرق الجرافات سوى ساعاتٍ قليلة لتحوّل المنازل في منطقة ”مدابغ عين الصيرة“، أحد الأحياء الفقيرة جنوب القاهرة، إلى ركام. تقف النساء على جوانب الطريق ممسكات بأيدي أبنائهن وبناتهن، عيونهن تفيض بالحزن وقلة الحيلة، بينما يفاوض أحد التجار بعض السكان على شراء أثاثهم الملقى في الشارع بثمن بخس. إلا أن ما هز كيان الواقفين حقًا لم يكن الإخلاء ذاته، على فداحته، بل مشهد اقتحام قوات الشرطة للمنطقة ترافقها شاحنات القمامة من أجل نقل متعلقات السكان وأثاثهم فيها.
”يعاملوننا مثل الزبالة“، ترددت تلك الجملة على ألسن الواقفين، معبّرين عن رؤيتهم للسلطة في مصر.
رأيت هذا المشهد في أثناء توثيقي لإخلاء حي ”المدابغ“ عام 2019، إلا أن الوصف نفسه ينطبق على العشرات وربما المئات من عمليات الإخلاء القسري بداعي ”التطوير“ المستمر في المدن المصرية منذ عشر سنوات على الأقل.
تعتمد عملية التخطيط العمراني، نظريًا، على سؤال رئيسي وهو ”لمن نخطط؟“ وتتمحور إجابة هذا السؤال في العناصر الرئيسية للعملية التخطيطية من دراسات بيئية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وخلق توازن بين هذه القطاعات والإنسان بهدف تنمية المجتمع. لذلك يندرج التخطيط العمراني تحت إطار العمليات الفلسفية، التي تسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، لضمان عدم ترك أي فئة من السكان مهمشة أو محرومة، بإتاحة المدن للجميع، بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية أو العرق أو الجنس، أو الديانة، وكذلك السعي لتحقيق الاستدامة البيئية، والشمولية والتفاعل المجتمعي. هذه الفلسفة تهدف إلى أن تكون المدن مصممة لتلبية احتياجات السكان الحقيقيين، وليس فقط لتحقيق أهداف اقتصادية أو سياسية.
النظر إلى عمليات الإخلاء القسري للسكان من منازلهم على أنها مسألة عارضة سينساها ضحاياها بمرور الوقت هو تبسيط مفرط لمسألة لها تداعيات عميقة، تهملها الحكومة المصرية سهوًا أو قصدًا. تنعكس سلبيات تلك السياسة على ثلاثة محاور رئيسية: أولًا من ناحية التشريعات والقوانين المصرية والمعاهدات الدولية من حيث إرساء مبادئ سيادة القانون بشكل عادل وفعّال. ثانيًا من ناحية المواطن الذي يدرك يوما بعد يوم أن حياته واستقراره الاجتماعي لا قيمة لهم أمام مصلحة الحكومة، وهو الأمر الذي يؤدي إلى العامل الثالث المتمثل في تآكل الشرعية الشعبية للسلطة السياسية المصرية، وهو ما يفتح الطريق أمام الاضطرابات السياسية والمجتمعية.
طرد وتغريب
شهد العقد الأخير في مصر توسّع الحكومة المصرية في التنمية العمرانية، والتي صاحبتها سياسات فرض السيطرة واستخدام القوة، حيث تزايدت عمليات إخلاء المساكن بالإكراه، وطرد سكان الأحياء الفقيرة، الذي كان بعضهم محظوظا وتم تغريبه فقط عن منطقته، والبعض الآخر كان أقل حظًا ولم يجد له مأوى. كانت الحكومات المصرية في السابق تراعي تطبيق بعض مواد القانون الخاصة بتوفير مساكن بديلة لأهالي المناطق التي تقرر إزالتها، حتى وإن كانت البدائل غير ملائمة، أو تعويضهم ماديًا، حتى وإن كانت التعويضات زهيدة. إلا أن الوضع تغير في الفترة الأخيرة خاصة خلال الولاية الثانية لحكم الرئيس عبدالفتاح السيسي، وتحولت السياسة الفعلية للحكومة إلى الإخلاء مقابل لا شيء.
مؤخرا قررت السلطات إخلاء سكان ضاحية الجميل، إحدى الضواحي التابعة لمحافظة بورسعيد، الواقعة عند التقاء قناة السويس بالبحر المتوسط، وهي منطقة غير متدهورة عمرانيًا، وغير عشوائية، لهدف غير معلن. كان قد تم تخصيص هذه الأراضي للسكان عام 1978 بعقود حق انتفاع رسمية أعطت الحق لأحد الطرفين (المحافظة – الأهالي) إنهاء التعاقد دون الرجوع إلى الطرف الآخر، وهذا ما استغلته محافظة بورسعيد وأبلغت الأهالي بانتهاء تعاقدهم وضرورة إخلاء المنطقة. وقال عدد من السكان أن الحكومة لم تقدم لهم أية بدائل سكنية أخرى ولم تعرض عليهم تعويضات عن منازلهم؛ فقط جاءت الأوامر أن غادروا منازلكم.
انعدام الشفافية التي تتسم بها تعاملات الحكومة المصرية في مثل تلك الأمور جعل شبح ”المستثمر الإماراتي“ يحوم حول كل منطقة يتم إخلاؤها، حيث لم يعرض المسؤولون مخطط تنمية ”ضاحية الجميل“ على سكانها الذين عاشوا فيها، وعمروها على مدار أكثر من أربعين سنة، لكن يدور على ألسنتهم – دون تأكد – أن مستثمرا إماراتيا اشتري أراضيهم من الحكومة، خاصة مع تزامن إخلاء المنطقة مع الإعلان عن مشروع تنمية رأس الحكمة.
وشهدت القاهرة والجيزة، أكبر المحافظات المصرية سكانًا، والقلب الحضري للبلاد، نسبة ضخمة من الاخلاءات القسرية، وصلت بين عامي 2018 و2022 إلى نحو 10% من السكان، حيث رصدت الباحثة أمنية خليل إخلاء ما يقرب من 57,343 وحدة سكنية كان يقطن فيها نحو 2 مليون و800 ألف نسمة، من أصل 20 مليون نسمة تقريبا عدد سكان المحافظتين. وتتعدد التكهنات حول أسباب زيادة الاخلاءات في المدن، لكن يبدو أن السبب الأبرز هو الاستغلال الاستثماري لتلك المناطق، حيث إن الكثير من الأحياء الفقيرة والعشوائية تقع في مواقع حيوية ترتفع فيها قيمة الأرض.
ولعل أبرز قضايا الإخلاء القسري التي بدأت قبل 7 سنوات، ولم تنته حتى الآن، هي قضية جزيرة الوراق، إحدى الجزر ذات الموقع المميز وسط نيل الجيزة، والتي شهدت صراعا تاريخيًا على إثبات أحقية سكانها بأرضها منذ عهد حسني مبارك وحتى نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي قال صراحةً في أحد خطاباته عام 2017 أن السكان مستولون على الأرض. وما زالت اعتراضات السكان وتظاهراتهم مستمرة ضد الإخلاء، مقابل فرض السلطات الحصار على الجزيرة وغلق المدخل الوحيد إليها عن طريق البر، والضغط عليهم، سواء بالإغراء بالأموال لكبار العائلات أو اعتقال الأبناء مقابل تنازل الأهل عن الأرض والخروج من الجزيرة.
وخارج المدن الكبرى، شهدت مدينة رفح المصرية إحدى التجارب الوحشية في التعامل مع السكان، من أجل إخلاء المنطقة وإقامة شريط عازل على الحدود المصرية الفلسطينية، خصوصًا بعد وقوع هجوم إرهابي على كتيبة للجيش المصري عام 2014، حيث رصدت منظمة هيومان رايتس ووتش هدم 3,255 مبنى على الأقل في الفترة من مارس 2013 إلى أغسطس 2015، وقالت إن بعض السكان طُلب منهم حزم أمتعتهم والرحيل في غضون 48 ساعة، كما تم تدمير 6 مدارس في المنطقة العازلة دون توفير البدائل التعليمية، وأُطلقت الكلاب على بعض السكان أثناء عملية الإخلاء.
على الرغم من تزايد عمليات الإخلاء القسري في عهد الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي، إلا أن هذه الممارسات ليست جديدة على النظام المصري، حيث شهد عصر الرئيس الأسبق حسني مبارك العديد من حالات الإخلاء القسري، خاصة بعد انهيار صخرة الدويقة وإنشاء صندوق تطوير المناطق العشوائية الذي قام بتصنيف المناطق العشوائية إلى درجات وفق خطورتها، وبذلك تم الحكم النهائي على سكان الأحياء الفقيرة بالتشريد والتغريب عن مناطقهم التي ولدوا وعاشوا فيها، بدون أن يكون لهم يد في تقرير مصيرهم.
سلطة أبوية
يمكن أن نفسر الأسلوب الأبوي الذي تتعامل به الحكومة مع المواطنين في مشاريعها التنموية أنه انعكاس للحكم العسكري الذي لا يُسمح فيه للجنود بمناقشة الأوامر، ليصبح المواطن مثل قطعة الشطرنج التي يتم تحريكها وقت الحاجة، أو التضحية بها حتى يبقى الملك على قيد الحياة. فمن خلال حالات الإخلاء التي عَمِلت على توثيقها بين عامي 2016 و2019 في مناطق مثل نزلة السمان ومدابغ عين الصيرة، رصدت أنه يتم إبلاغ السكان بقرارات الإخلاء والانتقال قبل التنفيذ بمدة زمنية ضئيلة، تتراوح من 14 يوماً إلى شهر، كما يسقط بعض السكان من كشوفات الحصر فلا يجدوا لأنفسهم مأوى غير الشارع.
بخلاف التعامل الأبوي مع الشعب، تهيمن الحكومة أيضًا على السلطة التشريعية. فقد أصبح مجلس النواب المصري مجرد قناة لتمرير قرارات الحكومة، حيث إن برلمانات النظام الحالي لا تحتوي حتى على المعارضة الشكلية التي تسامحت معها الأنظمة السابقة باعتبارها شر لا بد منه للتنفيس عن الحنق الشعبي. أما الآن، فلا يبدو أن الدولة المصرية تعترف حتى بهذا القدر من المعارضة البسيطة؛ فالأغلبية البرلمانية باتت أغلبية مطلقة، والخروج عن الإجماع الكامل لم يعد مسموحًا به.
وعلى سبيل المثال، في 2018 تقدم النائب جمال الشويجي بشكوى لرئيس البرلمان ضد النائبة منى جاب الله بدعوى أنها ذهبت إلى سكان حي الأسمرات، وهو أحد الأحياء المخصصة لإعادة تسكين أهالي المناطق العشوائية، وحرضتهم على عدم دفع الإيجارات المتفق عليها. ودافعت النائبة عن نفسها قائلةً إنها طالبت بتخفيض الإيجارات لتتناسب مع دخول سكان المنطقة.
ومؤخرًا تجاهل مجلس النواب المصري مطالبة النائب أحمد فرغلي بالوقف الفوري لإخلاء أهالي ضاحية الجميل ببورسعيد، ناقلًا رغبة الأهالي واستعدادهم لشراء الأرض المقامة عليها منازلهم بالأسعار التي تحددها الحكومة، وتقدم بطلب إحاطة بشأن الإنذارات التي وصلت إلى الأهالي بترك منازلهم دون توفير بدائل أو دفع تعويضات إليهم، لكن شيئا لم يحدث ولم يصدر البرلمان توصية واحدة للحكومة بهذا الشأن.
القانون أداة في يد من صنعوه
في أثناء فترة اعتقالي وإخفائي قسرًا عام 2019 بمقر أحد الأجهزة الأمنية السيادية المصرية، وجه لي أحد المحققين سؤالا عن سبب معارضتي لعمليات الإخلاء القسري. وكان جوابي أنني أدعم دستور البلاد الذي ينص في مادته رقم 63 أن التهجير القسري جريمة لا تسقط بالتقادم، فكان جوابه المصحوب بضحكة سخرية ”أننا من وضعنا الدستور ونحن من نرى ما يصلح لتنفيذه أو ما لا يصلح!“، ليتضح لي كيف تتعامل السلطات مع خرق القانون كفعل عادي، غير ذي أهمية، بل وأحيانًا مطلوب في إدارة الشؤون العامة.
نحن هنا لسنا بصدد تصنيف كل عمليات الإخلاء والإزالة على أنها إجراءات جائرة يجب منعها، حيث أن القوانين المحلية والدولية تسمح بالطبع بعمليات التنمية التي قد ينتج عنها نقل السكان إلى مناطق أخرى. نحن فقط نطالب بالتطبيق العادل للقانون. في مصر تخضع عمليات التعامل مع السكان في حالات التنمية إلى قوانين داخلية ومعاهدات دولية. فقانون البناء الموحد رقم 19 لسنة 2008 هو المنوط به التعامل مع المناطق المقرر إعادة تخطيطها وسكانها. يحدد القانون طرق التفاوض مع السكان، مفرقًا بين الملاك والشاغلين غير الملاك، ويمنح الملاك خيارات تعويض متعددة، أو التعامل معهم وفقًا لقانون نزع الملكية رقم 10 لسنة 1990. أما الشاغلون من غير الملاك، فيُوفر لهم مسكن أو نشاط بديل أو دفع قيمة إيجارية إلى حين الانتقال.
دوليًا، ووفقًا للتعليق العام رقم 7 للجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تُعتبر عمليات الإخلاء القسري انتهاكًا للعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. تتطلب المعاهدات الدولية من الدول النظر في جميع البدائل المتاحة، والتشاور مع المتضررين، وتوفير سبل الانتصاف القانونية والتعويض المناسب، وضمان أن لا تؤدي عمليات الإخلاء إلى تشريد الأفراد أو انتهاك حقوق الإنسان الأخرى.
إذن، فنحن نملك دستوراً يجرم الإخلاء القسري، وقوانين تحدد آليات التفاوض والتعويض المالي والاجتماعي، ومعاهدات دولية تشدد على قيمة الفرد والأسرة الإنسانية وحمايتهم من التشرد، إلا أن كل هذه المعاهدات والدساتير والقوانين تظل معطلة وغير معمول بها. أولاً، في ظل فرض الحكومة سيطرتها بالقوة دون اعتبار للمواطن. ثانيًا، ما دامت عمليات الإخلاء والتعامل بالقوة المفرطة يأتي تحت إطار ما تروجه الحكومة وأجهزتها الإعلامية بأنه في سبيل المنفعة العامة وهو ما يستعمل في مصر تحت القانون رقم 10 لسنة 1990، كحل جاهز لإجبار سكان أي منطقة على ترك أراضيهم، كما حدث في نزع ملكية 915 قطعة أرض في مثلث ماسبيرو وسط القاهرة بقرار من رئيس مجلس الوزراء بدافع المنفعة العامة، لتتحول الأرض إلى مشروع عقاري استثماري.
”جزاء الدعم“
”أهذا هو جزاء دعمنا للسيسي والجيش؟“ ظل بعض أهالي ضاحية الجميل يرددون هذه الجملة وتنويعات عليها بينما تهدم الجرافات منازلهم، معبّرين عن خيبة أملهم في مستقبل أفضل كانوا قد طمحوا إليه وحلموا به، عندما قام الجيش عام 2013 بقيادة وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي بالإطاحة برئيس الجمهورية آنذاك، وتقديم الوعود ببناء وطن يتحقق فيه الرخاء والعدل والمساواة.
أما بالنسبة لبعض سكان الأحياء الفقيرة الذين كانوا ضمن أول الداعمين للسيسي، فقد أدت هذه الممارسات إلى تصاعد الاحتجاجات والسخط الاجتماعي، حيث يرى الكثيرون أن الجيش استخدمهم سلما للصعود إلى الحكم، ثم كانوا أول ضحاياه، بحسب ما سمعته منهم خلال توثيق عدة إخلاءات جبرية، سواء في جزيرة الوراق أو المدابغ أو نزلة السمان.
مثل تلك الشواهد قد تؤثر في استقرار أي نظام سياسي، إلا أن اعتماد العلاقة بين قطاعات واسعة من المصريين وحكومتهم على القوة الغاشمة بدلًا عن قيم المواطنة والتشاركية، أو حتى تغليب المصالح قد يحول دون ذلك. قد يبدو أن الدعم الشعبي في هذه المرحلة ليس من أولويات للنظام، لكن لا شك في أن تراجع الشعبية والاعتماد على القوة المفرطة والترهيب لن يؤدي إلا إلى استهلاك ما تبقى من الثقة بين الحكومة والشعب، والذي سينتج عنه زعزعة استقرار النظام الحاكم عاجلًا أم آجلًا.
من ناحية أخرى، تلقى تلك الممارسات بظلالها على مفهوم الملكية الخاصة في البلاد، وهو أمر يمكن أن يكون له تبعات كبيرة على النظام المصري الطامح دائمًا لجذب الاستثمارات الأجنبية حيث إن تكرار عمليات الإجلاء القسري وتدمير المنازل يضعف من ثقة المستثمرين المحتملين –خاصة من الصغار والمتوسطين– في الضمانات القانونية لحماية الملكية الخاصة، الأمر الذي يجعل الاستثمار الأجنبي مقتصرًا على الكيانات العملاقة، مثل الشركات والصناديق التابعة لحكومات الخليج، التي تمتلك القدرة المادية الضخمة، والنفوذ، والعلاقات السياسية التي تمكنها من ضمان استثماراتها.
إبراهيم عز الدين معماري مصري وباحث عمراني، وزميل غير مقيم بمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط. يعمل كباحث في ملف الحق في السكن الملائم بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات ومناهض لعلميات الإخلاء القسري.