timep single arabic page
Beirut, Lebanon. (JOSEPH EID/AFP via Getty Images)

الإعلام المستقل في لبنان في طليعة معركة المساءلة

رغم الترهيب والتضييق المستمر، ما تزال وسائل الإعلام المستقلة في لبنان تعمل على تحقيق العدالة ومحاسبة النخب السياسية والمالية في البلاد.


بعد مرور ستّ سنوات على انتفاضة أكتوبر/تشرين الأول 2019، يبرز الإعلام المستقل في لبنان كأحد آخر معاقل الحركة المعارضة في لبنان، الساعية إلى تغيير المنظومة التي تحكم البلاد.

فقد عجزت المجموعات الشعبية الساعية إلى تحقيق العدالة في البلاد عن بناء مؤسسات مستدامة بعد الانتفاضة، وذلك رغم انتخاب 12 نائبًا من خارج المنظومة التقليدية في البرلمان عام 2022، إذ عانت تلك المجموعات من هجرة الناشطين، وضيق التمويل، بالإضافة إلى تعقيدات الحفاظ على الزخم الشعبي.

ولذلك، أصبح الإعلام المستقل – متمثلًا في العشرات من المنصات الرقمية والعديد من الصحفيين المستقلين – واحدًا من القوى القليلة التي صمدت في وجه الأزمات التي عصفت بلبنان، وواصلت السعي نحو مساءلة النُخب السياسية والمالية في البلاد.

فقد دفع الانهيار الاقتصادي وتفجير مرفأ بيروت شريحةً كبيرةً من اللبنانيين إلى البحث عن مصادر إعلامية بديلة عن القنوات التقليدية المرتبطة بالأحزاب السياسية. ونجحت تلك المنصات المستقلة في الصمود أمام الثورة المضادة في لبنان، وحافظت على رسالتها في الدفاع عن العدالة والحقوق الفردية، كما فعلت مثيلاتها في بلدان عربية شهدت سياقات مشابهة.

واليوم، ومع تجدّد الضغوط الدولية التي أعادت إلى الواجهة النقاشات حول الإصلاحات المالية والاقتصادية، كثّف اللوبي المصرفي النافذ في لبنان هجماته على المنصات التي تكشف سعيه إلى التهرّب من المساءلة. وباتت وسائل الإعلام المستقلة تواجه تصاعدًا في المضايقات القضائية، وحملات التشويه، والضغوط السياسية، فضلًا عن التهديد بإقرار تشريعات قمعية جديدة.

نشأة الإعلام المستقل في لبنان ورسالته

تأسّست منصّتا ميغافون ودرج عام 2017، لينضم لبنان بذلك، متأخرًا بعض الشيء، إلى نادي المنصات العربية المستقلة، والتي برزت إقليميًا في أعقاب الانتفاضات العربية التي بدأت عام 2011، وضم منصّات مثل مدى مصر والمنصّة في مصر، والجمهورية وعنب بلدي في سوريا، إضافة إلى إنكفاضة ونوات في تونس. وقد تزامن ظهور هذه المنصّات مع لحظة مفصلية في المشهد الإعلامي اللبناني، في ظل صعود الحركة المناهضة للمنظومة الحاكمة.

في تلك المرحلة، كانت وسائل الإعلام التقليدية في لبنان –المطبوعة والمرئية على السواء– تعيش أزمة حادّة نتيجة انهيار عائدات الإعلانات وتراجع التمويل السياسي الخارجي، ولا سيّما القادم من دول الخليج التي أعادت توجيه استثماراتها نحو القنوات الإخبارية الفضائية المتمركزة هناك. أدّى ذلك إلى إغلاق مؤسسات إعلامية عريقة، مثل صحيفة السفير وتلفزيون المستقبل. وعلى الرغم من وجود مدوّنات ومواقع إخبارية في لبنان قبل عام 2017، فإنّ المنظومة الإعلامية كانت بطيئة في مواكبة الثورة الرقمية. وقد اغتنمت المنصّات المستقلة تراجع الإعلام التقليدي، فاستفادت من الفرص التي أتاحتها وسائل التواصل الاجتماعي لبناء نموذج صحفي جديد تجاوز متطلبات التراخيص المسبقة المفروضة على الإعلام المكتوب والمرئي، وتجاوز رقابة مُلّاك وسائل الإعلام المرتبطين سياسيًا.

لعبت وسائل الإعلام المستقلة دورًا محوريًا في تفكيك آليات الانهيار الاقتصادي وشرحها بلغة مبسّطة سهلة الفهم، في مقابل الخطاب التقني المعقّد الذي يعتمده بعض الخبراء الاقتصاديين، ما أتاح لشريحة أوسع من الجمهور وعيًا أعمق بحقوقه وبالسياسات العامة في البلاد. كذلك تنشر هذه المنصّات محتواها باللغتين العربية والإنجليزية، ما مكّنها من الوصول إلى جمهور أوسع، بما في ذلك الشباب والجاليات اللبنانية الناطقة بالإنجليزية خارج البلاد. وأسهم اعتمادها لغة عربية مبسّطة، واستخدام اللهجة اللبنانية في التقارير المصوّرة، في جعل محتواها أقرب إلى الناس وأكثر تفاعلًا معهم.

وهكذا ملأت هذه المنصّات فراغًا حقيقيًا في المشهد الإعلامي. فقد ظهر جيل جديد يتفاعل مع الفضاء الرقمي، تبلوّر وعيه السياسي خلال احتجاجات أزمة إدارة النفايات في لبنان عام 2015 – التي مهّدت لانتفاضة عام 2019 – وكان تواقًا لفهم التحوّلات السياسية والاقتصادية في البلاد. استجابةً لهذه الحاجة، توسّعت المنصّات المستقلة بعد عام 2019، ما أفضى إلى نشوء منظومة أوسع ضمّت عشرات المنصّات على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل The Lawyard وPolyBlog، إلى جانب منصّات رقمية متخصّصة مثل موقع صفر وThe Public Source.

ومنذ بداياتها، اتّخذت وسائل الإعلام المستقلة خطًا تحريرًيا واضحًا تجاه النخب السياسية والمرجعيات الدينية والأجهزة الأمنية في لبنان. وتميّزت عن الإعلام التقليدي بكونها من أوائل الجهات التي دقّت ناقوس الخطر حيال الأزمة المالية والنقدية قبل وقت طويل من انهيار عام 2019، وذلك إلى جانب اقتصاديين مثل محمد زبيب وتوفيق كسبار. كما تناولت قضايا غالبًا ما تتجاهلها وسائل الإعلام التقليدية، من بينها انتهاكات حقوق الإنسان، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، ورهاب المثلية، والجرائم البيئية، والعنصرية البنيوية التي تستهدف اللاجئين والعاملات والعمّال المهاجرين.

وبعد انتفاضة عام 2019، أدّت وسائل الإعلام المستقلة، إلى جانب الصحفيين المستقلين، دورًا أساسيًا في إبراز صوت المحتجّين من مختلف المناطق اللبنانية، وكسر احتكار الصور والسرديات الذي طالما مارسته وسائل الإعلام التقليدية الموالية للمنظومة الحاكمة. وعلى الرغم من أنّ القنوات التلفزيونية غطّت الاحتجاجات على نطاق واسع، فإنّها في الوقت نفسه وفّرت الحماية لبعض رموز السلطة، وأفردت لهم مساحات سخية لإعادة تلميع صورتهم والترويج لسرديتهم.

قيادة جهود المساءلة الرامية إلى كشف الحقيقة

في ظلّ جهاز قضائي معطل تعوقه التدخّلات السياسية وبطء الإجراءات وعدم فاعليتها، اضطلعت وسائل الإعلام المستقلة في لبنان، إلى جانب عدد من الصحفيين المستقلين، بمهمّة تقصّي الحقيقة وترسيخ المساءلة العامة، خصوصًا فيما يتعلق بالانهيار الاقتصادي لعام 2019 وانفجار مرفأ بيروت.

فقد شرعت المنصّات الإعلامية المستقلة في التحقيق في دور النخب السياسية والمالية في تفاقم الأزمة المالية من خلال التقاعس المتعمَّد والممارسات غير المشروعة الهادفة إلى حماية مصالحها. وكانت هذه المنصّات أول من نبّه الرأي العام إلى إجراءات الهندسة المالية التي نفذها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، والتي مكّنت مالكي المصارف من تحقيق أرباح طائلة. وقد حظيت هذه الإجراءات آنذاك بإشادة معظم وسائل الإعلام التقليدية، ما أسهم في تعزيز الثقة بمخطّط سلامة الاحتيالي. ومع تَكشُّف الأزمة، كشف صحفيون استقصائيون، من بينهم رياض قبيسي، ومنصّات مستقلة مثل درج، عن الإثراء غير المشروع وممارسات غسل الأموال التي تورّط فيها سلامة، فضلًا عن استخدامه شركات صورية لتحويل أمواله إلى الخارج. وقد أدّت هذه الجهود الصحفية إلى فتح تحقيقات قضائية في سويسرا وفرنسا وألمانيا، أفضت في نهاية المطاف إلى توقيف سلامة في لبنان.

كما اضطلعت منصّة ميغافون بدور بارز في كشف ممارسات سلامة التي فاقمت تداعيات الأزمة المالية. فقبل أسابيع قليلة من انتهاء ولايته، أقدم سلامة على تحويلات غير مشروعة قيمتها نحو 77 تريليون ليرة لبنانية، مُلحقًا بالدولة دينًا قدره 16.5 مليار دولار، في خطوة استهدفت نقل خسائر المصرف المركزي إلى المال العام. كذلك كشفت ميغافون عن تلاعب سلامة بسوق الصرف الموازي للدولار عبر شبكات من شركات الصرافة الخاصة التي افتقرت إلى الشفافية وإمكانية التتبّع.

ومن خلال التقارير الدقيقة، والتحقيقات مفتوحة المصدر، وأساليب تتبّع مصادر الأموال، تمكّنت هذه المنصّات من كشف معلومات وروابط جديدة أسهمت في دعم مسار التحقيق في تفجير مرفأ بيروت. ومن خلال توثيق الأدلة، وفضح التدخّلات السياسية، والحفاظ على الضغط العام، أدّت هذه الوسائل دورًا حاسمًا في منع طمس القضية. كما سدّت فراغًا خلّفه القضاء العاجز عن أداء دوره بفعل الضغوط والتهديدات السياسية. وعلى سبيل المثال، كشفت درج، بالتعاون مع مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد، معلومات عن هوية مُلّاك السفينة التي نقلت المواد المتفجّرة إلى المرفأ، فيما بنت ميغافون على تحقيقات الصحفي الاستقصائي فراس حاطوم لربط السفينة التي حملت شحنة نترات الأمونيوم بالنظام السوري السابق وبعدد من حيتان المال الروس.

محاولات إسكات الإعلام المستقل

نظرًا للدور الحيوي الذي يؤديه الإعلام المستقل في تغطية الأزمة الاقتصادية في لبنان، لم يكن مفاجئًا أن يصبح هدفًا لحملة تشويه عنيفة بمجرد أن استعاد مسار الإصلاح زخمه بعد طول انتظار. فبعد الضغوط الدولية وتعيين رئيس الحكومة الإصلاحي نواف سلام، استؤنفت مؤخرًا أعمال إعادة الهيكلة المالية والاقتصادية، بدءًا بإقرار قانون رفع السرية المصرفية، ما مهد الطريق للتحقيق في الجرائم المالية التي ارتُكبت على مدى العقد الماضي. وقد تصدّرت المنصّات الإعلامية المستقلة جهود كشف المُعطلين لقانون رفع السرية المصرفية، من خلال نشر تسريبات من اجتماعات مغلقة، ما زاد من الضغط على المشرعين في ظل التمحيص الدولي، وأسهم في نهاية المطاف في اعتماد القانون.

وأدّت هذه الخطوة إلى موجة من الهجمات على وسائل الإعلام المستقلة. فقد شنّ أحد أشهر برامج الحوار التلفزيوني في لبنان، والذي يموله المصرفي أنطون صحناوي، حملة منهجية لتشويه سمعة درج وميغافون، متهمًا إياهما بـ”تقويض الوضع المالي للدولة“ و”نشر أخبار كاذبة“. وتحولت هذه الاتهامات لاحقًا إلى دعاوى قضائية رفعها محامون موالون للمصارف، ما أدّى إلى استدعاء القائمين على المنصتين أمام النيابة العامة من دون توجيه أي تهم رسمية، في خرق واضح لمبدأ الإجراءات القانونية الواجبة.

وفي أعقاب الحملات الموجهة ضد الإعلام المستقل، سرّعت لجنة الإعلام في البرلمان النقاش حول مشروع قانون إعلام جديد، مما أثار المخاوف من إمكانية استخدام الإصلاح التشريعي في فرض قيود على حرية الصحافة. ويعود قانون الصحافة الحالي في لبنان إلى عام 1962، في حين تم إقرار قانون الإعلام المرئي والمسموع عام 1994. ومنذ عام 2010، يناقش البرلمان مشروع قانون إعلام جديد، إذ بدت النسخة الأخيرة من المشروع واعدة في البداية – فقد ألغت عقوبة الحبس للصحافيين بسبب قضايا تتعلق بالتعبير عن الرأي ولم تعد تفرض تراخيص لإنشاء منصات إخبارية – إلا أنّ وثيقة مسرّبة كشفت عن تعديلات أدخلها وزير الإعلام تعيد الحبس ومتطلبات الترخيص للإعلام الرقمي، وأضافت تدابير قمعية أخرى. وقد نفى الوزير لاحقًا صياغته لهذه التعديلات، مؤكّدًا التزامه بحرية الإعلام، رغم وجود أدلة تثبت عكس ذلك.

ويثير توقيت النقاش المتسارع بعد الهجوم على المنصات الرقمية قلقًا بالغًا بشأن الجهود المبذولة لحصار الصحافة المستقلة تحت غطاء الإصلاح القانوني. علاوة على ذلك، فإنّ الإطار القانوني الحالي لا يشير إلى المنصات الرقمية على نحو صريح، ما يجعلها أكثر عرضة للمضايقات القانونية مقارنة بالوسائل التقليدية التي تتمتع بحماية أوضح، إذ تضطر المنصات الرقمية إلى الاعتماد على السوابق القضائية للحصول على حماية قانونية. وتشير التصريحات المتكررة لمسئولين حكوميين حول خطورة وسائل التواصل الاجتماعي إلى أنّ الصحافة الرقمية أصبحت تدريجيًا هدفًا للسلطات.

وتأتي هذه التطورات في ظلّ مناخ قمعي متزايد في لبنان، حيث تستدعي الأجهزة الأمنية الصحفيين والنشطاء بشكل منتظم للتحقيق معهم، بالتوازي مع تصريحات رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي شدّد على أنّ حرية الصحافة يجب ألّا تُستغل بغرض ”الإساءة“ أو تتحوّل إلى ”أداة للتحريض ضد رموز الدولة أو الدول الصديقة“.

على الصعيد الإقليمي، لطالما شكّلت بيروت مركزًا للحرية الإعلامية. فقد انتقل إليها صحفيون معارضون من مختلف أنحاء المشرق والخليج على مرّ السنوات، لا سيّما بعد عام 2011، لكي يمارسوا العمل الصحفي بحرية. واليوم، توفر وسائل الإعلام المستقلة في بيروت مساحة حيوية لجيل جديد من الصحفيين في المنطقة لمحاسبة أنظمتهم. إنّ الحفاظ على هذا الدور أصبح أمرًا ضروريًا في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط تصاعدًا في النزعة الاستبدادية.

بالإضافة إلى حرية التعبير، تؤدي المنصّات الإعلامية المستقلة دورًا جوهريًا فيما يتعلق بمساءلة الطبقة السياسية. إذ لا يمكن أن ينجح مسار الإصلاح من دون صحافة حرة تمارس دورًا رقابيًا فعالًا. لذلك، من الضروري أن يتابع المراقبون الدوليون المشاركون في جهود الإصلاح في لبنان هذه التطورات عن كثب، ويضمنوا ألّا يُستخدم الضغط القانوني أو السياسي لإسكات الإعلام المستقل.

جان قصير: زميل غير مقيم في برنامج ”زمالة محمد أبو الغيط“ بمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، يركّز في عمله على قضايا الحوكمة والسياسة والاقتصاد في لبنان.

: اقرأ التالي

تتناول عدة تحقيقات رئيس الوزراء اللبناني السابق نجيب ميقاتي وعددًا من شركائه في لبنان وخارجه، على…

يغيب أهالي السجناء عن القوانين واللوائح المنظمة للسجون في مصر، رغم أنهم جزء من منظومة احتجاز…

تحدى الصحفي اللبناني مهدي كريّم إنذارات الإخلاء ليزور مسقط رأسه في مدينة صور جنوب لبنان، ليجد…