في جنوب لبنان، تلك الأرض الممتدة من صيدا شمالًا إلى الحدود مع إسرائيل جنوبًا، تتقلص المساحة المتاحة للحياة يومًا بعد يوم. لا تزال إسرائيل تقصف وتخطف وتقتل الناس، بينما يحتل جيشها نحو 60 قرية خلف ما يُعرف بـ”الخط الأصفر“، حيث لا تتوقف عمليات هدم المنازل وتدمير المنشآت، لتترك السكان أمام واقع تتضاءل فيه فرص العودة إلى حياة طبيعية.
لم تكن الحياة في لبنان عمومًا، وفي جنوبه خصوصًا، سهلة قبل الحرب. فمنذ 2019 تعيش البلاد انهيارًا اقتصاديًا سلب الناس مدخراتهم وقوّض قدرتهم الشرائية. ثم جاءت الحرب المستمرة بوتيرة متفاوتة منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لتقلب حياتهم رأسًا على عقب.
خلال مراحل الصراع المختلفة، وآخرها التصعيد الإسرائيلي في الأيام القليلة الماضية، دمرت إسرائيل المنازل والمحال التجارية والأراضي الزراعية، وطردت السكان، وفرضت قيودًا على الحركة برًا وبحرًا. انكمش النشاط الاقتصادي وأصيبت قطاعات حيوية مثل الزراعة والصيد والسياحة بالشلل.
ورغم الهجمات الإسرائيلية المتكررة والمخاوف من تجدد النزوح، يحاول سكان الجنوب في المدن والقرى خارج ”الخط الأصفر“ استعادة ما كانت عليه حياتهم قبل الحرب، لكن الواقع يواجههم بخيارات محدودة لكسب العيش، تجبرهم على امتهان أي عمل أو وظيفة من أجل تأمين احتياجات أسرهم، بينما يعتمد كثيرون على شبكات التضامن العائلي والمجتمعي.
عمل رغم المخاطر
لمدة عشرة أعوام كان أحمد* يرابط يوميًا بالقرب من السوق التجاري في مدينة النبطية التاريخية منتظرًا الزبائن ليقلهم في التاكسي الخاص به. ومع بدء الحرب، وقعت المدينة التي تبعد نحو 70 كم عن بيروت في مرمى الغارات الإسرائيلية، كما كان حالها في الحروب السابقة.
سارع أحمد بنقل زوجته وأبناءه الثلاثة إلى منزل أحد الأقارب في بيروت، وبقي في المدينة ليستمر في العمل، رغم المخاطر. كان ينقل الركاب من وإلى المناطق التي كانت تُعتبر آمنة مثل صيدا وبيروت وشمال لبنان، وكان يتقاضى لقاء نقل الأشخاص إلى بيروت مثلاً نحو 100 دولار، كما كان يتقاضى عن نقل الحاجيات مبلغًا يُقارب الـ50 دولار.
ومع تصاعد الحرب في 2 مارس/آذار 2026، خلت المدينة ومحيطها من معظم سكانها نتيجة الغارات الإسرائيلية العنيفة التي استهدفت حي السراي التاريخي وسوق النبطية القديم، إلى جانب المباني التراثية والمؤسسات الرسمية والأحياء السكنية، فغيّرت ملامح المدينة وحوّلت شوارعها التي كانت تعجّ بالحياة إلى أماكن خالية تمامًا من الناس.
أمام هذا الدمار، توقف التاكسي عن إدرار أي مدخول، خصوصًا مع تزايد عنف الهجمات الإسرائيلية. يقول أحمد: ”المخاطر الأمنية جراء التنقل باتت كبيرة جدًا. إسرائيل تستهدف السيارات المتنقلة سواء كانت مدنية أو إسعافية أو غيرها. في ظل هذه الظروف، يطغى الشعور بالخوف عليك رغمًا عنك“.
ويضيف: ”صحيح أن أيًا من أفراد عائلتي لم يصب بأذى لكن الكثير من أبناء المنطقة الذين تجمعني بهم صداقة أو معرفة جرى استهدافهم“.
بدأ أحمد العمل في محل لبيع اللحوم يملكه أحد أصدقائه في النبطية. كان هذا المحل من القلائل التي ظلت تخدم من تبقى في المدينة وجوارها من كبار السن وأعضاء مجالس بلدية وطواقم صحية وإسعافية وصحفية.
واليوم، عاد أحمد لعمله كسائق تاكسي ولكنه يشكو من قلّة الزبائن إذ إن معظم أهالي المدينة لا يزالون نازحين، يعود بعضهم فقط لتفقد المنازل ثم يُغادرها. فبخلاف بعض البلدات الجنوبية التي شهدت تحسنًا أمنيًا نسبيًا، لا يزال الوضع غير مستقر في النبطية، إذ إن الجيش الإسرائيلي يتمركز على بعد كيلومترات ويحتل بلدات ومرتفعات محيطة بها كقلعة الشقيف ويشن غارات متفرقة على تلة علي الطاهر التي أجرى فيها مؤخرًا سلسلة تفجيرات ضخمة ولّدت هزة أرضية بقوة 4.1 درجة في المنطقة.
لا عمل
وفي حين تمكّن أحمد من البقاء والعمل في مدينته، كانت الظروف أشد وطأة على نادر*، ابن بلدة ”يارين“ الواقعة على الشريط الحدودي مع إسرائيل؛ إذ بدأت رحلة نزوحه مع زوجته وولديهما بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب عام 2023، وتنقلت العائلة بين عدة مناطق قبل أن يستقر بهم الحال في أحد مراكز الإيواء في بيروت.
قبل الحرب، كان نادر يعمل في زراعة الزيتون والتبغ، ولكنه لم يستطع إيجاد أي عمل في بيروت. يقول: ”قضيت كل عمري في مهنة الزراعة ولا أعرف أن أمارس غيرها“.
يعتمد نادر الآن في معيشته على المساعدات العينية المحدودة التي تصل مركز الإيواء، مثل وجبات الطعام اليومية وأدوات النظافة الشخصية، بالإضافة إلى دخل محدود لقاء بعض الأعمال التي يكلفه بها المُشرف على المركز، إلا أن هذه الأموال تبقى عاجزة عن تأمين المصاريف الحياتية.
يتابع ولدا نادر الدراسة عن بُعد منذ النزوح، لكنه يقول إن الأجواء في مركز الإيواء لا تساعد على الاستذكار، معتبرًا الدراسة ”كأنها لم تكن“. هنا تذكر نادر منزله الممتد على مساحة 260 مترًا مربعًا في بلدته، متفاخرًا بمساحته الكبيرة ومتحسرًا على تحوله إلى نازح يتقاسم غرفة الإيواء مع عائلة أخرى.
”كنّا نعيش حياة هادئة في بلدة متجانسة، معظم أهالي البلدة أقرباء ويعملون في الزراعة، ولكن منذ ذلك الحين أصبحنا نازحين لا نلقى أي اهتمام من قبل أحد“.
زار نادر بلدته عام 2024 ليجدها مُدمرة بالكامل بعد أن فخخت إسرائيل المباني وقصفتها، إذ لم يتبق سوى بعض الغرف في بعض المنازل إلا أنها لم تعد صالحة للسكن. أما الأرض الزراعية فجُرفت، وأُحرقت أشجار الزيتون المزروعة فيها.
لم تكن أراضي ”يارين“ استثناءً، إذ تكرر المشهد نفسه في كثير من المساحات الزراعية في الجنوب، ولا سيما في القرى المحتلة، إذ قُدرت خسائر القطاع الزراعي بأكثر من مليار دولار.
رأس مال محدود
وعلى أحد أرصفة مدينة صور، ثمة مشهد لم يعتده أهل المدينة: ثلاث شابات يحوّلنَ الطريق إلى ”بسطة“ لبيع الخضار. هؤلاء الشابات هن المهندسة المدنية رولا إبراهيم وشقيقتها ريم التي كانت تعمل مصممة غرافيك في إحدى الشركات، وابنة خالتهما منى.
كان والد رولا وريم يملك محل ”إليانور“ لبيع الزهور منذ 30 عامًا لكن أثناء حرب 2024 قصفت إسرائيل أحد الطوابق في ذلك المبنى مما أدى إلى تضرر المحل تضررًا بالغًا، فما كان من رولا إلا أن رممته بحكم عملها. ثم عادت إسرائيل في حرب 2026 لتقصف المبنى وتحوله إلى ركام.
وإلى جانب فقدان الوالد لمصدر رزقه، فقدت الفتيات أيضًا عملهن، وهو ما دفعهن للبحث عن حلول:
تقول رولا: ”في الحرب يبحث المواطنون عن الحاجات الأساسية وليس الكماليات وفي مقدمتها المأكل والمشرب، ولذلك فكرنا في بيع الخضار. كما أن هذا المشروع الصغير يتناسب مع رأس المال الذي نملكه خصوصاً أن الوضع الاقتصادي لا يسمح لنا بالمجازفة“.
تبدأ الشابات يومهن الساعة السادسة صباحًا إذ يتوجهن إلى ”الحسبة“ (سوق الخضار) الواقعة عند طرف المدينة لشراء الخضار ونقلها، ولا يعتمدن على نظام المناوبة بل يبقين مجتمعات في بسطة الخضار حتّى الخامسة عصرًا.
وبطبيعة الحال لم تخل رحلتهن من المصاعب. فالبسطة بدأت يوم 27 مايو/أيار 2026 لكنها أُغلقت بعد 8 أيام فقط بعد أن تعرضت مدينة صور لقصف أصاب والدة رولا وريم بإحدى الشظايا، مما دفعهم إلى النزوح إلى منطقة الشوف. وبعد أن هدأت الأمور قليلًا، عادت الفتيات إلى صور وإلى البسطة.
كما حاولت بلدية صور إزالة البسطة إلا أن الفتيات رفضن في البداية لأنهن لا يملكن أي خيار آخر. ومع تحسّن الأوضاع الأمنية نسبيًا، عادت الشابات الثلاث إلى أعمالهن الأصلية، لكنهن قررن المحافظة على بسطتهن التي تحولت إلى محل صغير في أحد أزقة المدينة بعد تكرار طلبات البلدية للإزالة.
وتقول رولا إن ”حجم المبيع تراجع كثيرًا لأننا بتنا في مكان غير مُناسب تجاريًا، ولكننا اخترناه لأن إيجاره يبلغ نحو 300 دولار فقط“، مضيفةً ”ما زلنا نبحث عن مكان أفضل وبسعر مقبول، ولكن الأهم ألا تعود الحرب لأن جميع الخيارات حينها ستكون صعبة“.
حصار بحري خانق
وعلى بعد نحو كيلومتر من بسطة رولا وريم ومنى يقع ميناء صور، الذي عمل فيه طه* صيادًا لمدة 30 عامًا. لم يملك مركبًا خاصًا به قط، لكنه كان يعمل وفق نظام شائع بين الصيادين يُعرف بالحصة، تُقسم بموجبه أرباح رحلة الصيد على خمس حصص، واحدة لصاحب المركب وأخرى لصاحب المعدات وثلاث حصص للصيادين على المركب. قبل الحرب، كان طه يجني يوميًا ما بين 20 و50 دولارًا.
ومع اشتداد القتال بداية من سبتمبر/أيلول 2024 مُنع الصيادون من الخروج بمراكبهم لمدة 66 يومًا، ثم حددت إسرائيل منطقة الصيد ضمن إطار جغرافي مُعيّن مما أدى إلى انخفاض الإنتاج، بالإضافة إلى غلاء مادة المازوت وتراجع قدرة المواطنين على شراء الأسماك.
انعكس ذلك على طه الذي يبلغ من العمر 64 عامًا، فخلال تلك الفترة خرج في ”سرحتين“ (رحلتي صيد) ضمن المنطقة المسموحة بالصيد فيها والتي تعج بالصيادين إلا أنه عاد خالي الوفاض، فاتخذ قراره بتغيير مهنته. بدأ في بيع المازوت للمراكب، يعبئه في قوارير مياه وينقلها إلى المراكب بناءً على طلب الصيادين ويُحقق هامش ربح بمعدل دولار واحد للغالون.
يبيع طه ما بين 40 و60 غالونًا في الأيام العادية، قد تصل إلى أكثر من 100 غالون في الصيف. أي أن دخله اليومي من بيع المازوت يفوق ما كان يجنيه صيادًا، على الرغم من ثلاثين عامًا أمضاها في البحر.
تأمين قوت يومنا!
تُجبر الحرب الناس على التكيف السريع وتغيير المسار حسب الحاجة. البعض يبرع في ذلك والبعض الآخر لا.
من حسن حظ الشاب الثلاثيني علي بزي أنه من النوع الأول. قبل الحرب كان بزي، القاطن في بلدة طيردبا القريبة من صور، متفرغًا لدراسة تصميم الغرافيك في أحد المعاهد، ينفق على حياته ودراسته عن طريق العمل في صرافة العملة، وهو المجال الذي راج منذ بدء الأزمة الاقتصادية أواخر 2019.
وبطبيعة الحال، جاءت الحرب لتقوّض كل خططه: توقف عن الدراسة وأصبحت تجارة العملة غير مربحة مع تراجع عدد السياح وتثبيت سعر الصرف. قرر البقاء وعدم النزوح لأن وضعه المادي لم يسمح بذلك. انتقل للعيش في حارة صور القديمة (ذات الأغلبية المسيحية) وهو ما يمنحه ”نوعًا من الأمان“، على حد قوله.
وفي الأشهر التي تلت اندلاع الحرب مع إيران، واشتداد القتال في لبنان، افتتح بزي عربة صغيرة للطعام مع ابن عمته تخدم مئات الأفراد في الحارات القديمة لمدينة صور. أما لائحة الطعام فكانت تُحدد وفقًا للمواد التي يتمكنون من الحصول عليها مثل سندويشات الطاووق والكفتة والمقانق وغيرها.
يقول بزي إن أسعار الطعام ارتفعت بشدة نتيجة الحرب، ليصل كيلو اللحم إلى 20 دولارًا بعد أن كان يُباع بـ13 دولارًا. ”كنا نبيع السندويش بسعر وسطي، حوالي 3 دولارات، وكان الإقبال كبيرًا جدًا إذ إننا الوحيدون في المدينة“.
ويضيف: ”الكثير من الناس كانوا يأكلون مجانًا، في أيام الحرب لا بدّ من التضامن. وكنا لا نهتم بذلك، لأن هدفنا كان نحصل على قوت يومنا وليس تحقيق ربح كبير“.
تشهد صور اليوم عودة نسبية إلى الحياة الطبيعية، ينغّصها تمركز الجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة التي تبعد عنها نحو 12 كيلومترًا، كما يتوغل باستمرار داخل بلدة المنصوري القريبة حيث ينفذ تفجيرات كبيرة للمنازل ينتج عنها تصاعد أعمدة دخان يمكن مشاهدتها من مدينة صور. هذا الوضع، وغياب اتفاق دائم لوقف الحرب، والتجارب السابقة التي عاشها الجنوبيون، كلّها عوامل تجعل الشعور بالاستقرار والأمان متفاوتًا بين الأهالي.
قرر بزي إغلاق عربته مع عودة المطاعم إلى فتح أبوابها. ورغم أنه عاد إلى دراسة الغرافيك إلا أنه لم يعد لحياته الطبيعية.
يقول بزي: ”أشعر أننا نعيش في مرحلة ضبابية، قد تندلع فيها الحرب في أي لحظة، ويترافق ذلك مع غلاء في الأسعار وتراجع في فرص العمل، كأن كل ما يحدث يدفعنا لسلوك طريق واحد، هو طريق الهجرة“.
*أسماء مستعارة
مهدي كريّم: صحفي وناشط لبناني.