timep single arabic page
CAIRO, EGYPT - AUGUST 04: A man casts his vote for the Senate elections at a polling station in the Al-Haram area of Cairo, Egypt on August 04, 2025. Egypt began voting Monday in elections for its Senate, the upper chamber of parliament, with more than 69 million citizens eligible to cast ballots over two days. (Photo by Mohamed Elshahed/Anadolu via Getty Images)

انتخابات برلمان 2025: محطة لإعادة إنتاج السلطة في مصر

سيكون للبرلمان الذي سيُنْتَخَب الشهر الحالي دورًا مهمًا في المشهد السياسي خلال السنوات القادمة مع انتهاء ولاية عبد الفتاح السيسي الثالثة والأخيرة عام 2030.


تستعد مصر لإجراء انتخابات مجلس النواب في نوفمبر الجاري، بعد أن سبقتها انتخابات مجلس الشيوخ في أغسطس الماضي، وسط أجواء من التحكم الأمني شامل، حيث جرى إعداد القوائم واختيار المرشحين تحت هيمنة الأجهزة الأمنية، بعيدًا عن أي منافسة حقيقية أو مشاركة سياسية فاعلة، لتمضي الدولة نحو استكمال تشكيل غرفتي البرلمان من خلال ترتيبات مغلقة لا تراعي قواعد التمثيل.

إلا أن أهمية هذه الانتخابات لا تكمن في قدرتها على التعبير عن إرادة الناخبين، بل في توقيتها الحرج: فهي تسبق نهاية الولاية الرئاسية الثالثة والأخيرة للرئيس عبد الفتاح السيسي في عام 2030. وهو ما يجعل البرلمان المُقبل حلقة محورية في معادلة الحكم، سواء بفتح الباب أمام تعديل دستوري جديد يسمح بتمديد رئاسة السيسي، أو بالتحضير لتسوية انتقالية محسوبة.

وعليه، لا يمكن التعامل مع هذه الانتخابات بمنطق التفاؤل الديمقراطي، بل باعتبارها لحظة سياسية كاشفة: تُظهر طبيعة النظام وعلاقته بالمجتمع، وكيفية توظيفه لأدوات ”الديمقراطية“ لترسيخ السلطوية. ومن هذا المنطلق، يصبح تحليل هذه اللحظة وتوثيقها وتفكيكها فعلًا سياسيًا بحد ذاته، وجزءًا من معركة أوسع حول السردية والمستقبل.

نظام انتخابي خانق

يتألف البرلمان المصري من غرفتين: مجلس النواب بوصفه السلطة التشريعية الأساسية المخوّلة بمناقشة القوانين ومراقبة الحكومة؛ ومجلس الشيوخ الذي أُعيد تأسيسه عام 2020 بعد سنوات من الإلغاء، ليضطلع بدور استشاري غير ملزم في القضايا العامة.

جرت انتخابات مجلس الشيوخ في أغسطس 2025، وسط ضعف واضح في نسب المشاركة، إذ صوّت نحو 11 مليون ناخب من أصل 69 مليون لهم حق الاقتراع. وقد هيمنت التحالفات الموالية للسلطة على المقاعد في ظل غياب المنافسة، مع تقارير متكررة عن تدخل الأجهزة الأمنية في إعداد القوائم واختيار المرشحين. وهو ما رسّخ صورة المجلس كجسم شكلي يفتقر إلى صلاحيات حقيقية. 

وأقر مجلس النواب الذي تنتهي ولايته العالم الحالي في مايو 2025 تعديلات محدودة على القانون المنظم للانتخابات ركّزت على إعادة توزيع بعض الدوائر وفقًا للتغيرات السكانية، دون المساس ببنية النظام الانتخابي نفسه، الذي يُنظر إليه باعتباره أداة لتقييد التعددية وإضعاف التمثيل الشعبي. 

يتكوّن مجلس النواب من 596 عضوًا: 284 يُنتخبون بالنظام الفردي، و284 عبر القوائم المغلقة المطلقة، إضافة إلى 28 يعيّنهم رئيس الجمهورية. في النظام الفردي، يُحسم الفوز بالأغلبية المطلقة في جولة واحدة أو جولتين، وتُجرى المنافسة في دوائر واسعة جغرافيًا، ما يمنح الأفضلية للمرشحين ذوي النفوذ المحلي والارتباطات الأمنية والقدرات المالية، على حساب المستقلين والمعارضين محدودي الموارد. أما في نظام القوائم المغلقة، فلا يحصل أي حزب على مقعد ما لم تحصل قائمته على 50% أو أكثر من الأصوات. وإن لم يتحقق ذلك، تُعاد الانتخابات بين أعلى قائمتين، ليفوز أحدهما بجميع المقاعد. وهكذا تُقيّد قدرة الناخبين على اختيار مرشحيهم ضمن القوائم، كما تُقصي بشكل شبه كامل القوى السياسية الصغيرة أو المعارضة.

طالبت قوى المعارضة، وعلى رأسها الحركة المدنية الديمقراطية، بتعديل القانون باتجاه نظام القوائم النسبية الذي يتيح توزيع أكثر عدلًا للمقاعد ويعزز التعددية السياسية. غير أن رفض هذه المطالب يعكس رغبة السلطة في إعادة إنتاج برلمان ضعيف منزوع الفاعلية.

وعليه، فإن الأزمة لا ترتبط فقط بنتائج الانتخابات أو هوية الفائزين، بل بطبيعة قواعد اللعبة السياسية ذاتها، حيث صُمم القانون لإغلاق المجال أمام التعددية، وضمان برلمان بلا معارضة.

وبالإضافة إلى الإبقاء على هذا النظام الانتخابي دون تعديل، فقد نتج عن القيود المالية والسياسية-الأمنية ترشّح قائمة واحدة في الانتخابات هي ”القائمة الوطنية من أجل مصر“، ما يعني أن نصف أعضاء البرلمان فائزون تلقائيًا بالمقاعد لعدم وجود منافسة. وكذلك في السباق على المقاعد الفردية، فقد استبعدت الهيئة الوطنية للانتخابات بعض المرشحين المحسوبين على المعارضة من بينهم هيثم الحريري الذي كان نائبًا في البرلمان الحالي، ومحمد عبدالحليم مرشح حزب التحالف الشعبي.

انتخابات حاسمة؟

تم تعديل الدستور المصري عام 2019 ليمدد فترة الولاية الرئاسية من أربع إلى ست سنوات، ويُسمح لعبد الفتاح السيسي بالبقاء في الرئاسة لثلاث ولايات بدأت في 2014، وتنتهي في 2030.

وعليه، يُنظر إلى برلمان 2025 بوصفه آخر برلمان قبل هذه اللحظة الحاسمة، ما يجعله فاعلًا رئيسيًا في معادلة الحكم المقبلة. فالمادة 226 من الدستور تشترط موافقة ثلثي أعضاء البرلمان على أي تعديل دستوري قبل عرضه على الاستفتاء العام، ما يضع المؤسسة التشريعية في قلب أي سيناريو يتعلق بمستقبل السلطة.

في حال اتجه النظام إلى تمديد بقاء الرئيس بعد 2030، سيُعاد استخدام البرلمان كأداة تمرير. أما إذا فضّل النظام تجنّب تعديل الدستور، فسيُعهد إلى البرلمان بمهمة إدارة الخروج المنظّم، وربما يتضمن ذلك تمرير تشريعات تضمن استمرار مراكز النفوذ القائمة وتحمي النظام من أي هزة تنتج عن خروج رأسه.

بهذا المعنى، لن يقتصر دور البرلمان القادم على التشريع والرقابة، بل يمتد إلى صياغة الخطاب الرسمي وإضفاء الشرعية الرمزية على القرارات الكبرى للنظام في مرحلة ما بعد 2030. وبالتالي، فإن تكوين البرلمان المقبل سيكون انعكاسًا مباشرًا لخيارات السلطة: فإعادة إنتاج مجلس على غرار الحالي، موحّد الصوت باهت الشخصية، يعني إغلاق المجال أمام أي نقاش سياسي منظم؛ في حين أن إدخال ولو قدرًا محدودًا من التنوع قد يُستخدم لتسويق مشهد ”ديمقراطي منضبط“، خصوصًا أمام المجتمع الدولي.

سياق سياسي خانق

تُجرى انتخابات مجلس النواب 2025 في مصر ضمن مشهد سياسي شديد الانغلاق، اتسم خلال العقد الماضي بتآكل المجال العام وتراجع التعددية وتضييق الخناق على الفاعلين السياسيين والإعلاميين. فمنذ 2013، تعرضت الأحزاب إما للمصادرة أو الاحتواء، بينما سُجن أو نُفي أو حوصِر كل من حاول خوض غمار العمل العام خارج منظومة السلطة. من أبرز الأمثلة أحمد الطنطاوي، الذي مُنع من الترشح للرئاسة ثم سُجن، وقبله ”تحالف الأمل“ الذي اعتُقل معظم أعضائه قبل انتخابات 2020. في الوقت نفسه، تخضع الصحافة لسيطرة شبه كاملة من الدولة، ويتراجع استقلال القضاء، بينما تُستخدم التشريعات لتجريم النقد والمعارضة.

في ظل هذه البيئة المغلقة، تأتي انتخابات 2025 كاستحقاق تُدار معادلته بين قبضة أمنية محكمة وهيمنة مالية متزايدة. الترشح لا تحكمه البرامج أو الكفاءة، بل القدرة على الاصطفاف أمنيًا وتوفير ميزانيات ضخمة. فالأجهزة الأمنية تتحكم بخريطة المرشحين، سواء من خلال اختيار الأسماء المقبولة في القوائم المغلقة أو التضييق على المستقلين في الدوائر الفردية التي تُدار أمنيًا رغم مظهرها التعددي. وفي المقابل، بات المال السياسي عاملًا حاسمًا؛ إذ لا يكفي ”الرضا الأمني“، بل يستلزم الأمر موارد مالية هائلة.

ويواجه المرشحون المحتملون أزمة مالية خانقة؛ إذ تصل التكاليف الأولية للترشح — مثل الكشف الطبي والتأمين الانتخابي — إلى نحو 41 ألف جنيه (نحو 860 دولار)، بينما ترتفع تكاليف الحملات إلى مئات الآلاف. والأكثر دلالة تصريح حنان فايز، القيادية في حزب حماة وطن، بأن تكلفة الحصول على ”تذكرة عبور“ إلى مقعد برلماني عبر الحزب قد تصل إلى 50 مليون جنيه (حوالي مليون دولار).

مشهد سياسي مُعقّد: أين المعارضة؟

على الرغم من المناخ القمعي والاختلالات الاقتصادية، لا تزال بعض القوى السياسية تسعى للمناورة ضمن الهامش الضيق المتاح، سواء عبر تشكيل تحالفات انتخابية مستقلة أو من خلال الدخول في تسويات محدودة مع السلطة. وتتباين استراتيجيات المعارضة بين من يشارك بشكل رمزي لإثبات الحضور، ومن يراهن على بناء بديل سياسي واقعي، في وقت يعمل النظام على صياغة خريطة انتخابية مغلقة تتحكم فيها الأجهزة الأمنية والقدرات المالية، أكثر مما تضبطها الإرادة الشعبية أو قواعد التنافس الحقيقي.

الحركة المدنية الديمقراطية، التي تضم غالبية أحزاب المعارضة المدنية إلى جانب شخصيات سياسية وعامة مستقلة، كانت قد طرحت مبادرة لتشكيل قائمة موحّدة لمرشحي المعارضة على نظام القوائم. إلا أن هذه الجهود سرعان ما واجهت عراقيل، بعد أن انخرطت بعض الأحزاب التي كانت ضمن الحركة – مثل المصري الديمقراطي الاجتماعي والإصلاح والتنمية – في مشاورات متقدمة مع أحزاب موالية للسلطة ضمن ما يُعرف بـ”القائمة الوطنية“. في المقابل، اختارت أحزاب أخرى مثل ”الدستور“ الانسحاب من تلك الترتيبات، ما دفع الحركة إلى قصر مشاركتها على المنافسة في المقاعد الفردية.

في السياق ذاته، أعلن السياسي البارز أحمد الطنطاوي عزم حزبه ”تيار الأمل“ خوض الانتخابات بمرشحين على المقاعد الفردية، بعيدًا عن القوائم المرتبطة بالسلطة. وفي المقابل، فضّلت أحزاب المصري الديمقراطي الاجتماعي والعدل والإصلاح والتنمية – والمعروفة بـ”ثلاثي الحيّز المتاح“ – الانفصال عن الحركة المدنية الديمقراطية، وتشكيل تحالف جديد يسعى للمنافسة على المقاعد الفردية من جهة، والانضمام إلى ”القائمة الوطنية“ من جهة أخرى، في إطار تسوية سياسية تقوم على تقاسم محدود للمقاعد. وقد أثار هذا التموضع انتقادات واسعة، خصوصًا من الحركة المدنية التي لوّحت بفصل أي حزب ينخرط في تحالفات انتخابية مع السلطة.

أما حزبا ”الدستور“ و”المحافظين“، اللذان انشقا بدورهما عن الحركة المدنية، فقد أعلنا عن تشكيل تحالف جديد باسم ”الطريق الحر“، مؤكدَين خوض الانتخابات بشكل مستقل والتركيز على نظام الفردي، في محاولة لخلق مساحة سياسية بديلة دون الدخول في مواجهة مباشرة مع السلطة.

تكشف هذه المسارات مجتمعة عن حالة من التشتت داخل صفوف المعارضة وتباين في استراتيجياتها، بين من يكتفي بالمشاركة الرمزية ومن يسعى إلى بناء بديل سياسي مستقل، في مواجهة سلطة مصممة على هندسة المشهد الانتخابي مسبقًا. وفي حين تحاول بعض الأطراف انتزاع موطئ قدم في هذه البيئة المقيّدة، تعمل السلطة على تمرير قوائم انتخابية تخدم مصالحها، وهو ما يتجسد في تحالف ”القائمة الوطنية من أجل مصر“ بقيادة أحزاب الجبهة الوطنية وتنسيقية شباب الأحزاب وحزب مستقبل وطن، حيث تُوزّع المقاعد بين أحزاب الموالاة وبعض أحزاب ”الحيّز المتاح“، فيما تظل المعارضة محصورة في منافسة رمزية على عدد محدود من المقاعد الفردية، ضمن بيئة انتخابية مغلقة ومحسوبة بدقة.

نافذة ضيقة

رغم انغلاق المجال العام في مصر وتآكل مساحات التعبير، تظل الانتخابات المقبلة ذات أهمية مضاعفة، حتى وإن أُديرت بالآليات ذاتها من القمع والتحكم الأمني. فمجرد انعقاد حدث انتخابي، ولو شكليًا، يفتح نافذة ضيقة لإيصال خطاب مغاير للناس؛ خطاب يؤكد وجود بدائل سياسية، ومعارضة قادرة على تحمّل المسؤولية، وإدارة البلاد بطرق مختلفة إذا أُتيح لها المجال.

البرلمان القادم لن يقتصر دوره على التشريع والرقابة، بل سيؤدي وظيفة سياسية محورية في تحديد مستقبل المسار الديمقراطي، خاصة مع اقتراب نهاية الولاية الحالية للرئيس واحتمال تمديدها أو إعادة هيكلة النظام السياسي برمته. ومن هنا، فإن وجود أصوات معارضة حقيقية، حتى وإن كانت محدودة، يمثل ضرورةً لا ترفًًا؛ فهي الأصوات القادرة على كشف زيف اللعبة السياسية، وتفكيك سردية السلطة، وتعبئة الرأي العام في مواجهة القمع والتفرد، ولو من داخل المساحة الرسمية الضيقة المتبقية.

حليم حنيش محامي مصري متخصص في حقوق الإنسان، ومساعد قانوني في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط.

: اقرأ التالي

تتصدى المبادرات الأهلية والفردية لتأمين الحد الأدنى من الدعم لمئات آلاف من النازحين جراء الحرب في…

تحولت المحاكمات عن بُعد من إجراء استثنائي فرضته جائحة كورونا إلى ممارسة دائمة تقوّض حقوق الدفاع…

يركّز قانون إصلاح المصارف الجديد في لبنان السلطة في أيدي الجهات المصرفية التي يُفترض أن يُخضعها…