يقف لبنان اليوم عند مفترقٍ مألوفٍ للطرق. فبعد انتهاء الحرب الأهلية (1975–1990)، غلّبت الدولة منطق التسويات السريعة على المساءلة، ومنحت عفوًا عامًا للمسؤولين عن سنوات العنف الطويلة، مما أفسح لهم المجال لبناء النظام السياسي الذي قاد البلاد إلى ما تعيشه اليوم من دمار.
واليوم، تواجه النخب الحاكمة الخيار ذاته: إمّا تمديد العفو ليشمل المسؤولين عن الانهيار المالي والمصرفي والنقدي والاقتصادي والاجتماعي الذي تشهده البلاد، أو الشروع في مسار إصلاحي قائم على المساءلة بهدف إعادة بناء نظام مالي موثوق وعادل يحقق الازدهار للجميع، لا لقلّة قليلة تستأثر بالامتيازات.
بعد ست سنوات على الانهيار المالي ”المتعمَّد“ الذي أهدر الودائع المصرفية للبنانيين، وأفقر شرائح واسعة من السكان، وأضعف المؤسسات العامة، ما تزال النخب الحاكمة في لبنان تتجنّب إقرار خطة تعافٍ عادلة وشفافة وشاملة. بل على العكس، عمد المصرفيون والجهات الرقابية والسياسيون وحلفاؤهم إلى تحصين أنفسهم من التدقيق والملاحقة القضائية داخل لبنان، وحيثما أمكن، خارجه. وفي المقابل، تُركت الأعباء المترتبة على هذا التقاعس لتقع على كاهل السكان والاقتصاد والدولة.
ولولا الضغط المستمر الذي مارسه المجتمع المدني، إلى جانب أطراف خارجية مثل صندوق النقد الدولي، لظل لبنان عالقًا عند نقطة الصفر. فبعد الإخفاق المستمر لسنوات في اعتماد خطة تعافٍ ذات مصداقية، ربط صندوق النقد الدولي دعمه للبنان بإقرار ثلاثة قوانين تهدف إلى وضع البلاد على مسار التعافي. أولًا، تعديل قانون السرية المصرفية، الذي كان يُستخدم لحماية الحسابات المصرفية من التدقيق القانوني، وهو ما تم في أبريل/نيسان 2025 عقب انتقاد لاذع من صندوق النقد الدولي، مما حدّ من نطاق السرية المصرفية بشكل كبير. ثانيًا، إقرار قانون إصلاح المصارف في يوليو/تمّوز 2025 الذي يضع إطارًا لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وهو موضوع هذا المقال. وأخيرًا، قانون معالجة الفجوة المالية، الذي أُعلن عن مسودته في ديسمبر/كانون الأول 2025، وهو الذي سيحدد الخسائر الناجمة عن الانهيار المالي وكيفية توزيعها.
يهدف قانون إصلاح المصارف، المعروف رسميًا بالقانون رقم 23 لعام 2025 المتعلّق بإصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها، إلى توفير الإطار اللازم لتقييم مدى قابلية المصارف المتعثّرة للاستمرار، بما يفضي إمّا إلى تصفيتها أو إلى إعادة هيكلتها. وتنطوي هذه العملية على تدقيق المصارف لتحديد تلك التي تعثرت، أو يُحتمل أن تتعثر، وتلك القادرة على الاستمرار. ويتمثّل الهدف المعلن للقانون في حماية الودائع، وتعزيز الاستقرار المالي، والحدّ من مساهمة الدولة ماليًا في عمليات الإنقاذ. غير أنّ القانون لا يوفّر الأسس الضرورية الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف.
يستعرض هذا المقال أوجه القصور الرئيسية في قانون إصلاح المصارف، ويبيّن كيف صاغته النخب الحاكمة، وعلى رأسها حاكم مصرف لبنان، وجماعات الضغط (اللوبيات) المصرفية المُمثلة بجمعية مصارف لبنان، وحلفائهم في مجلس النواب، بما يخدم حماية المصارف والمصرفيين. ونتيجة لذلك، انتهى القانون إلى تركيز السلطة في أيدي جهات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالقطاع المصرفي، وتقليص ضمانات حماية المودعين، ونقل عبء الانهيار إلى الدولة والاقتصاد ككل.
هيمنة اللوبي المصرفي على آليات القرار
في جوهره، يكلف القانون ”الهيئة المصرفية العليا“ بإعادة هيكلة القطاع المصرفي. غير أن لجنة المال والموازنة بمجلس النواب — التي يرتبط عدد من أعضائها ارتباطًا وثيقًا باللوبي المصرفي — عدّلت مشروع الحكومة الأصلي لتُخضع تشكيل غرفتي الهيئة لنفوذ المصارف، إلى حد كبير.
فقد باتت عضوية الغرفة الأولى، المخوَّلة بفرض العقوبات على المصارف، تشمل رئيس المؤسسة الوطنية لضمان الودائع، وهي مؤسسة تهيمن عليها المصارف التجارية. أمّا الغرفة الثانية، التي تقرّر إعادة هيكلة المصارف أو تصفيتها، فتضم خبيرًا اقتصاديًا يختاره مجلس الوزراء من قائمة يعدّها تجمع الهيئات الاقتصادية، وهو كيان يمثّل مصالح كبرى الشركات في لبنان، ويضم في عضويته جمعية مصارف لبنان. وإضافة إلى ذلك، يُعيَّن في الغرفة الثانية كلٌّ من رئيس المؤسسة الوطنية لضمان الودائع وممثل عن مساهمي المصارف.
وفي ظلّ هذا الترتيب، يحتفظ حاكم مصرف لبنان بصلاحيات واسعة في الغرفتين، إذ يتولّى رئاستهما، مع تعيين نوّابه أعضاء فيهما. واللافت أن تركّز الصلاحيات الشاملة بيد الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، كان أحد العوامل التي يُعتقد أنها تسببت في الانهيار المالي.
وعليه، يتّضح كيف تمكّنت المصارف من ترسيخ نفوذها داخل مؤسسات يُفترض أن تعمل كهيئات عامة مستقلة، موكَل إليها فرض العقوبات على المصارف وإعادة هيكلتها أو تصفيتها. إن هذا التركّز للتعيينات المرتبطة بالقطاع المصرفي، إلى جانب الصلاحيات الواسعة التي يحتفظ بها حاكم المصرف المركزي، يقوّض استقلالية عملية إعادة الهيكلة وحياديتها ومشروعيتها.
ومن أجل الحفاظ على الحدّ الأدنى من العدالة في بلد يتداعى أصلًا تحت وطأة الظلم والإفلات من العقاب، لا بدّ أن تكون الهيئات المكلَّفة بالإشراف على القطاع المصرفي وإعادة هيكلته بمنأى عن الأفراد والجهات ذات الصلات المباشرة أو غير المباشرة باللوبي المصرفي النافذ وبالمصالح التجارية الخاصة.
السيطرة على عمليات التقييم
ينصّ القانون على أن تُجرى تقييمات المصارف — أي عملية تحديد القيمة المالية الحقيقية للمصارف من خلال تقييم رؤوس أموالها، وأصولها والتزاماتها، من بين جملة أمور أُخرى — على يد خبراء تعيّنهم لجنة الرقابة على المصارف في لبنان، وهي الجهة المشرفة على المؤسسات المالية العاملة في البلاد. غير أنّ القانون يشترط في الوقت نفسه أن تلتزم هذه التقييمات بطلبات وتعليمات مصرف لبنان، الأمر الذي يعزّز نفوذ حاكم المصرف المركزي ويحدّ من دور لجنة الرقابة على المصارف. وبذلك، يُنشئ القانون أداة إضافية تُمكّن حاكم المصرف المركزي من التأثير في عملية التقييم.
وتُعدّ التقييمات الدقيقة والمستقلة والمُحكَمة حجر الأساس في أي عملية إعادة هيكلة؛ فأي تقييم لا يُجرى بشفافية واستقلالية تامة، وعلى مسافة مؤسسية واضحة من جميع الأطراف المعنية، يفتح المجال أمام التلاعب بقيم الأصول وتوزيع الخسائر، ويؤدي في نهاية المطاف إلى تقويض الثقة في مجمل العملية.
تعديلات المجلس الدستوري على القانون
أصدر المجلس الدستوري، وهو الجهة المختصّة بمراقبة دستورية القوانين في لبنان، القرار رقم 16 بتاريخ 3 أكتوبر/تشرين الأول 2025 الذي قضى فيه بإبطال عدد من أحكام قانون إصلاح المصارف، وذلك إثر طعن قدّمه عدد من أعضاء مجلس النواب.
وفي تطوّر إيجابي، أبطل المجلس الدستوري نصًا كان يُلزم بإحالة جميع الدعاوى المقامة ضد المصارف إلى محكمة خاصة نصّ عليها القانون رقم 110 لعام 1991 للنظر في مسائل مصرفية محدّدة، وهي محكمة لم تُنشأ فعليًا قط. علمًا بأنّ المحاكم العادية تتمتّع أصلًا بالولاية الكاملة والقدرة القانونية على الفصل في النزاعات القائمة بين المصارف والمودعين.
في المقابل، وفي تطور أكثر إشكالية، أبطل المجلس الدستوري نصًا كان يقيّد حقّ المصارف في الطعن في قرارات الهيئة المصرفية العليا. ورغم أنّ الدستور يكفل حقّ الطعن في القرارات الإدارية، فقد أظهرت السنوات الستّ الماضية كيف يستخدم المصرفيون والمصارف هذا الحق، وغيره من الأدوات القانونية، لإفشال أي مسعى للتعافي. ومن بين هذه الأساليب، الإكثار من تقديم دعاوى ردّ القضاة الناظرين في القضايا المقامة ضدهم، بما يؤدّي عمليًا إلى شلّ المساءلة القضائية ووقف أي إجراء قضائي يهدّد مصالحهم. إنّ منح المصارف حقًا غير مقيّد بالطعن في قرارات الهيئة المصرفية العليا يوفّر لها أداة إجرائية جديدة لتعطيل عملية إعادة هيكلة القطاع وإطالة أمدها.
والأهمّ من ذلك، أنّ آلية الطعن الفضفاضة هذه من شأنها أيضًا أن تثني المستثمرين الجدد عن الدخول إلى القطاع المصرفي، رغم الحاجة الماسّة إلى ضخ استثمارات جديدة في إطار عملية إعادة الهيكلة. فقد يتخوّف المستثمرون من حالة عدم اليقين القانوني ومن إعادة فتح النزاعات حول ملكية المصارف. وإذا كان لا بدّ من إقرار آلية للطعن، فيجب أن تكون محصورة بأسباب محدّدة على نحو ضيّق، وخاضعة لمُهل زمنية صارمة، كي لا تتحوّل إلى وسيلة إضافية للمماطلة.
إنّ فرض اختصاص محكمة غير قائمة أصلًا للنظر في القضايا، والسماح للمصارف بالطعن على نحو فضفاض في قرارات جهة إعادة الهيكلة، يشكّلان عمليًا آلية تعطيل تؤدّي إلى تجميد الدعاوى، ونفور الاستثمارات الجديدة، وتأجيل المساءلة، والحدّ من الرقابة القضائية، ومنح المصارف الحماية الإجرائية التي طالما سعت إليها. وبدلًا من تعزيز سيادة القانون ووضع القطاع المصرفي على المسار الصحيح، يُفضي هذا التصميم إلى إضعاف وصول المودعين إلى سبل الانتصاف المحتملة، ويكرّس اختلال ميزان القوى القائم بين القطاع المصرفي والجمهور.
تراتبية المطالبات وقانون معالجة الفجوة المالية
يتناول قانون إصلاح المصارف ترتيب تحمّل الخسائر، غير أن صياغته جاءت مبهمة. ويفتح هذا الغموض المجال أمام إعادة التفسير عند إقرار قانون معالجة الفجوة المالية، الذي سيحدّد كيفية تحمّل الخسائر الناجمة عن الانهيار. وفي الوقت الراهن، تمارس جمعية مصارف لبنان وحلفاؤها من مجموعات الأعمال، ولا سيما عبر ”الهيئات الاقتصادية“، ضغوطًا مكثفة بينما يُناقش قانون معالجة الفجوة المالية داخل لجنة المال والموازنة في مجلس النواب.
وفضلًا عن ذلك، فإن ربط النفاذ العملي لقانون إصلاح المصارف بإقرار قانون الفجوة يمنح أصحاب المصالح، وفي مقدمتهم جمعية مصارف لبنان وحلفاؤها، فرصة لإعادة صياغة قواعد توزيع الخسائر، وتأخير التنفيذ الفعلي لعملية إعادة هيكلة المصارف. ومن هنا، يتعيّن على مجلس النواب أن يضمن ألّا يتحوّل قانون الفجوة إلى أداة لتخفيف مسؤولية المصارف والمصرفيين، وأن يصون أصول الدولة من أي تحميل غير مشروع للأعباء.
ويزيد من خطورة ربط قانون إصلاح المصارف بقانون الفجوة أن الأول يفتقر إلى ضمانات لحماية الفئات الأكثر هشاشة. فعلى عكس مسودة سابقة نوقشت في مجلس الوزراء، لم تتضمن المسودة النهائية التي أقرها مجلس النواب أي اعتبار خاص لودائع النقابات وصندوق الضمان الاجتماعي الوطني وصناديق أخرى يستفيد منها عدد كبير من الأسر. ويُظهر ذلك أولويات السياسيين، ومعظمهم من المقربين من جماعات الضغط المصرفية، والتي تتمثل في حماية البنوك والمصرفيين بدلاً من المجتمع ككل.
المجازفة بعملية التعافي
إن الإشكاليات المبينة أعلاه ليست سوى أمثلة لبعض العيوب الجوهرية في قانون إصلاح المصارف، والتي سيكون لها أثر مباشر وحاسم في مدى استدامة خطة التعافي وفعاليتها.
وإدراكًا لتلك المخاطر، وتحت ضغط من صندوق النقد الدولي، أحال مجلس الوزراء إلى مجلس النواب مشروعًا لتعديل قانون إعادة هيكلة المصارف يتضمّن بعض النقاط المذكورة هنا. إن الإبقاء على القانون بصيغته الحالية قد يُبقي القطاع المصرفي اللبناني في وضع أشبه بالزومبي: مفلس ماليًا لكن يعمل شكليًا، بما يسدّ الطريق أمام أي تعافٍ اقتصادي جاد وذي مصداقية. وعلى غرار ما شهدته البلاد السنوات الستّ الماضية، سيواصل الناس فقدان الثقة بالمصارف وتجنّب التعامل معها، مع ازدياد الاعتماد على النقد، واتساع الاقتصاد غير النظامي، وارتفاع مخاطر غسل الأموال، وتعميق عزلة لبنان على الصعيد الدولي.
وقد أُدرج لبنان بالفعل على كلٍّ من القوائم السوداء والرمادية المتعلقة بغسل الأموال عالميًا، ما أسهم في عزل البلاد وتفاقم أزماتها الاقتصادية. ويؤدي الإدراج على مثل هذه القوائم، من بين تداعيات أخرى، إلى تقييد العلاقات مع المصارف المراسلة، وارتفاع كلفة المعاملات المالية، ونفور الاستثمار الأجنبي وتراجع تدفّق رؤوس الأموال.
والأهمّ من ذلك، أنّ نمط الإفلات المستمر من العقاب قد أسهم منذ عام 2019 في تفاقم الفقر وتزايد اللامساواة. ومن دون مساءلة حقيقية، يواجه لبنان خطر ترسيخ مجتمع ثنائي المستويات، تُهمَّش فيه الغالبية العظمى، فيما تستأثر قلّة مميّزة بثروة ونفوذ غير متكافئين.
يتعين على لبنان أن يكسر حلقة الانهيار والإفلات من العقاب. كما ينبغي لتجربته أن تشكّل درسًا وتحذيرًا للعالم بأسره، سواء لتفادي مثل هذا الانهيار أو لتجنّب تكرار الأخطاء في كيفية التعامل مع تداعياته. وبدلًا من استيعاب مرتكبي الانهيار المالي وميسّريه، أو حتى مكافأتهم، يتعيّن على لبنان أن يوجّه بوصلته بوضوح وحزم نحو شعبه، ومصالحه، ومستقبله.
فؤاد دبس ناشط ومحامٍ مقيم في بيروت.