timep single arabic page
A mother holds a photo of her son, Muhammad Ahmed Al-Sayed from the village of Ibrash Al-Sharqiya in Egypt, who is among 750 people missing after their boat capsized and sank off in the Mediterranean Sea, on June 14, 2023. (Photo by Sayed Hassan/picture alliance via Getty Images)

تمديد حدود القلعة الأوروبية: انتهاكات مستمرة واستثمار في الفشل

الحلول الأمنية لمنع الهجرة غير المنظمة قد تنجح على المدى القصير، لكنها تتجاهل الدوافع الرئيسية لتحرك الأفراد عبر الحدود، ما يجعلها غير مستدامة، خصوصًا مع الانتهاكات التي تصاحبها


تدريجيًا، وبدون مواربة، تتجلى معالم سياسات الاتحاد الأوروبي في الاستجابة لما يسمى بـ”أزمة الهجرة غير النظامية” عبر مسارين متوازيين: الأول يتعلق بمن وصلوا بالفعل أو المتوقع وصولهم، والثاني يتعلق بمنع وصول المهاجرين من المصدر.

يتضمن المسار الأول تشديد بعض الإجراءات وتوسيع قائمة “الدول الآمنة” وإبرام اتفاقيات ثنائية مع دول يمكن أن تصبح “مراكز معالجة خارجية” لطالبي اللجوء.

أما المسار الثاني، وهو موضوع هذا المقال، فهو منع الوصول من دول “المنشأ والعبور” عبر إبرام اتفاقيات تحصل بموجبها حكومات هذه الدول على قروض ومنح، بعضها يرتبط بمشروعات تنموية، والبعض الآخر يرتبط مباشرة بما يسمى “حوكمة الهجرة والسيطرة على الحدود”. تتجلى هذه التطورات في شكل شراكات مع دول مثل مصر، وليبيا، وتونس، ومؤخرا لبنان، لتحقيق “تمديد الحدود“، لضمان أن تتم عمليات الرد والمنع لطالبي اللجوء خارج أراضي الاتحاد الأوروبي.

يصف صانعو تلك السياسات بأنها الاستجابة المثلى لحركة الهجرة غير النظامية المتصاعدة نتيجة لتضاعف عدد طالبي اللجوء في العالم، واستمرار حركتهم غير النظامية، متجاهلين أن تلك التحركات تأتي بالأساس نتيجة لصعوبة أو استحالة الحصول على تأشيرة العبور الرسمية، كما أن الأسباب التي تدفع المهاجرين لتعريض أنفسهم للخطر غالبا ما ترتبط بـ”ديكتاتوريات سياسية”، أو فشل اقتصادي، أو نزاعات داخلية وحروب، أو تغيرات مناخية، أو عدد من تلك الأسباب مجتمعة، كما أن اللاجئين في دول العبور، مثل مصر وتونس وليبيا، عادة ما يحاولون الهجرة بسبب عدم قيام الدول المضيفة بالالتزامات المفروضة عليها تجاههم، مما يجعلهم يبحثون عن الأمن وفرص المعيشة في بلدان أخرى.

وتسارعت تحركات الاتحاد الأوروبي منذ الصيف الماضي في الوصول إلى تفاهمات وشراكات أكبر مع دول المنشأ والعبور في ظل الزيادة المطّردة في أعداد القادمين إلى أوروبا، والتي وصلت إلى نحو 293 ألف عام 2023، من 151 ألف في 2021، وهو الأمر المرشح للزيادة في العام الحالي مع استمرار النزاع المسلح في السودان والظروف الصعبة التي يعيشها المهاجرون واللاجئون في دول الشمال الأفريقي، واستمرار انعدام الأمان في سوريا واليمن.

عسكرة وتجريم 

لم تظهر اتفاقيات “تمديد الحدود” الأوروبية مؤخرًا، كما أن فكرة الاستعانة بشركاء خارجيين للعمل على منع وصول المهاجرين ليست بحديثة، فقد اعتمد الاتحاد الأوروبي على مدار السنوات الماضية على إعاقة المهاجرين على طول حدوده البرية والبحرية، عبر العسكرة وتجريم نشاط مجموعات التضامن، ومنظمات البحث والإنقاذ المدني، وفرض قيود على عملها بهدف تعطيلها، وتجريم المهاجرين أنفسهم، وهو ما يتسبب أحيانًا في مقتل الأشخاص المتنقلين على طول الحدود الأوروبية. على جانب آخر، يتم التعاون مع البلاد التي يطلق عليها “دول العبور”، والتي غالبًا ما تعاني أزمات سياسية واقتصادية طاحنة باعتبارها خط المنع الأول لحماية “القلعة الأوروبية”، عبر التوسع في عسكرة حدود هذه البلاد، وتجريم المهاجرين منها وعبرها، وتسهيل عمليات إعادتهم قسرا لبلادهم. 

تجلت بدايات تلك الاستراتيجية عام 2014، مع مبادرة “طريق الهجرة الخاص بالقرن الأفريقي” أو “عملية الخرطوم“، التي اتفق فيها الاتحاد الأوروبي مع حكومة عمر البشير على استعمال قوات الدعم السريع لتؤمن الحدود السودانية لمنع مرور المهاجرين، بالرغم من الوصمة التي تحملها تلك المليشيا بسبب الفظائع التي ارتكبتها في دارفور منذ 2003 عندما كانت تسمى بالجنجويد، وما زالت ترتكبها الآن ضد المدنيين. ثم جاء الاتفاق التركي-الأوروبي عام 2016 الذي أعطى أنقرة دعمًا ماليًا وسياسيًا واسعًا نظير إعاقة حركة الهجرة غير النظامية الواسعة لطالبي اللجوء السوريين، مما سمح لأنقرة بانتهاك الحقوق والتخلي عن التزامات الحماية، بل واستعمال “استضافة المهاجرين واللاجئين” كورقة ضغط سياسي في مواجهة أطراف إقليمية ودولية.

تشير تجربة السنوات ما بين 2015 وحتى 2021 إلى أن المعالجة الأمنية قد تنجح في كبح جماح الحركة غير النظامية على المدى القصير، ولكنها ترفع من مخاطرها خاصة على الفئات الأكثر ضعفًا، وتكرس دوافعها مما يحولها للطريقة الوحيدة للنجاة. يبرز في هذه الحالة النموذج المصري الذي يصدره الشركاء الأوروبيون باعتباره الأكثر نجاحًا ويتباهى به المسؤولون الحكوميون في مصر، حيث نجحت الحكومة في كبح حركة الهجرة غير النظامية عبر الشواطئ المصرية منذ الربع الأخير من عام ٢٠١٦ – على حساب انتهاكات جمة لحقوق الإنسان– إلا أنه في الواقع يتحرك المصريون وغير المصريين من اللاجئين بصورة غير نظامية عبر طرق مختلفة، أشهرها العبور عن طريق ليبيا.

ليبيا: انتهاكات دون مساءلة 

ساهم الموقع الجغرافي والتغيرات الإقليمية والأوضاع الأمنية الداخلية في أن تصبح ليبيا مسارًا هامًا لحركة الهجرة غير النظامية، حيث انعدام الأمن وانقسام البلاد بين سلطتين في الشرق والغرب، وانتشار المجموعات المسلحة وعصابات الاتجار بالبشر، إلى جانب الحدود البرية الواسعة مع كل من السودان وتشاد، إضافة إلى النيجر وتونس والجزائر، وكذلك مصر. ولذلك أبرمت الحكومة الإيطالية مع الجانب الليبي “مذكرة تفاهم حول الهجرة” في فبراير 2017، جددتها لمدة ثلاث سنوات في 2020 رغم الانتهاكات المبلغ عنها وانعدام الوصول للعدالة في البلاد، لتصبح “جزءًا من استراتيجية دفاع أوسع ينتهجها الاتحاد الأوروبي بالاعتماد على مقاربة أمنية ضد المهاجرين. وتعمل على إبعادهم عوضًا عن منحهم الحماية”، بحسب منظمة أطباء بلا حدود. 

ومن هذا المنطلق تعزز الحكومة الإيطالية الحالية تفاهماتها وشراكاتها مع جانبي السلطة في ليبيا، من ناحية مع قائد “الجيش الوطني الليبي” شرق ليبيا اللواء خليفة حفتر والذي زارته رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني في مايو الماضي في أول زيارة من نوعها منذ وقت طويل، وفي الغرب مع حكومة الوحدة الوطنية الليبية برئاسة عبد الحميد الدبيبة. 

شملت مذكرات التفاهم والتعاون دعم ما يسمى بـ”خفر السواحل الليبي” من أجل “مواجهة المهربين والإتجار بالبشر”، بينما الهدف الحقيقي هو صد المهاجرين عن الحدود البحرية الأوروبية. وتم اتهام خفر السواحل الليبي والسلطات الليبية على مدار السنوات الماضية بارتكاب جرائم ضد المهاجرين وطالبي اللجوء، شملت الإعادة القسرية لعشرات الآلاف من المهاجرين، وعمليات صد عنيفة تسببت في غرق مراكب المهاجرين وتهديد واستهداف منظمات البحث والإنقاذ عبر المتوسط، وإنشاء مراكز احتجاز سرية لآلاف المهاجرين في ظروف لا إنسانية يتعرض فيها اللاجئون/ات وملتمسو/ات اللجوء إلى التعذيب والمعاملة المهينة، وعمليات الترحيل القسري الجماعي إلى بلاد المنشأ. 

مصر: تعميق لأسباب الهجرة

يصف الاتحاد الأوروبي الحكومة المصرية بـ”الشريك الهام“، خاصة فيما يتعلق بالتعاون في التصدي للهجرة غير النظامية، الذي ساهم بالفعل في الحد من خروج مراكب المهاجرين من مصر مباشرة إلى السواحل الأوروبية، منذ غرق مركب رشيد في سبتمبر ٢٠١٦ داخل المياه المصرية، ومقتل ٢٠٤ شخص على الأقل. تزامن التعاون الأوروبي-المصري الوثيق مع ارتفاع شديد في مستوى انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد، مثل غلق وتقييد المساحات المدنية، وتجريم نشاط المدافعين عن حقوق الإنسان، وإطلاق حملات التحريض والاستهداف ضد السياسيين والصحفيين. ذلك بالإضافة إلى احتدام الأزمات الاقتصادية وغلاء الأسعار مع انهيار العملة المحلية، ورفع الدعم عن الفئات الأكثر ضعفًا، مما عمّق من الأسباب التي تدفع المصريين –من مختلف الطبقات الاجتماعية– إلى السعي للهجرة.

تشير إحصائيات المؤسسات الدولية إلى أن الجنسية المصرية هي إحدى أكثر الجنسيات التي يحملها المهاجرون الذين وصلوا إلى السواحل الأوروبية منذ سنة 2022 التي وصل أكثر من 21 ألف مصري خلالها، بينما وصل أكثر من 13 ألف مصري في 2023، وهو الأمر الذي نراه نتيجة لاعتماد السلطات على الحلول الأمنية فقط لمنع الهجرة عبر حدودها، مما رفع من مخاطرها بدون تحليل ومعالجة أسبابها الجذرية.

كانت إحدى أولى الخطوات التي اتخذها الرئيس المصري السيسي بعد توليه الحكم في البلاد هو قرار 444 لسنة 2014 الذي حدد المناطق الحدودية والمتاخمة لها مناطق عسكرية، وبالتالي فإن مجرد التواجد بها يصبح سببًا للتوقيف والاعتقال والمحاكمة العسكرية. تسبب القرار في انتهاكات واسعة بحق المواطنين المحليين في تلك المناطق، وكذلك بحق المهاجرين من المصريين وغيرهم، حيث تشير تقارير منظمات حقوق الإنسان إلى أن السلطات المصرية تحتجز المهاجرين غير النظاميين على الحدود الغربية مع ليبيا والجنوبية مع السودان بما في ذلك ملتمسي اللجوء من جنسيات مختلفة والأطفال والنساء والمرضى، وتستخدم السلطات مقرات احتجاز سيئة للغاية يتعرض فيها المحتجزون لمعاملة اللا إنسانية بينما يجري ترحيلهم قسرا لاحقا في كثير من الأحيان.

يحيط الغموض بالاتفاقيات المعلنة، ويصعب الوصول لمعلومات واضحة ومحددة حول مضمونها ونطاق عملها، ولذلك، يتم عادًة الكشف عن تفاصيل تلك الاتفاقيات من خلال تحقيقات صحفية. مثلًا، لم يتم الإعلان عن “العملية سيرلي” السرية المشتركة بين باريس والقاهرة، التي تمت على طول الحدود المصرية-الليبية بين 2016 و2018، كما لم يتم الحصول على موافقة البرلمان الفرنسي على هذه الإجراءات التي تضمنت إرسال ضباط للعمل في الصحراء المصرية. كما لم يتم التحقيق في مقتل بعض المدنيين خلال العملية، على الرغم من تقديم شكوى في فرنسا للمطالبة بالتحقيق. 

خلال السنوات الماضية تم اتهام أجهزة الأمن المصرية المعنية بمكافحة الهجرة غير النظامية بارتكاب انتهاكات تتضمن الإخفاء القسري والاتهام بدون أدلة والمحاكمات غير العادلة ودعم إفلات الضباط من العقاب. إلا أن ذلك لم يمنع الجهات الأوروبية من إطلاق برامج دعم وتدريب لتلك الأجهزة، مثل مشروع ITEPA في 2018 الذي تقوم من خلاله الشرطة الإيطالية بتدريب ضباط من ٢٢ دولة أفريقية في أكاديمية الشرطة في القاهرة، بهدف التصدي للهجرة غير النظامية وتنسيق العمل بين الوكالات الأمنية في مكافحة الاتجار بالبشر. وتم إطلاق المرحلة الثانية من المشروع في 2024 بالرغم من الانتقادات الحقوقية.

لا يعرّف القانون المصري “اللاجئ” بشكل واضح ويعمم وصف “الأجنبي” على المتواجدين في البلاد فيما يتعلق بالوصول للخدمات من حيث الإجراءات والتكلفة، ما يصعّب توفير الخدمات الأساسية للاجئين وملتمسي اللجوء. من الناحية الأخرى، يستخدم مسؤولو الدولة أعداد الوافدين الأجانب لتقديمها إلى الشركاء والممولين على أنها أعداد اللاجئين في البلاد، بهدف طلب دعم إضافي لما يتم تسميته “استضافة“.

وعلى ذلك قدّم الاتحاد الأوروبي لمصر ٢٥ مليون يورو كمنح لاستضافة اللاجئين من السودان بعد اندلاع الحرب، في الوقت الذي تشير التقارير إلى أن السلطات المصرية قامت بتغيير قراراتها فيما يتعلق بعبور النازحين، مما تسبب في حركة هجرة غير نظامية من السودان بمخاطر عالية للغاية، يتعرض فيها الأشخاص للاستغلال ومخاطر تصل حد الموت، ناهيك عما تظهره تحقيقات صحفية وتقارير حقوقية حول قيام السلطات المصرية بعمليات اعتقال وترحيل واسعة بحق ملتمسي اللجوء الإريتريين والفارين من النزاع المسلح في السودان، باستخدام قواعد عسكرية سرية قريبة من الحدود المصرية مع السودان.

وبينما تزداد الأوضاع سوءا في مصر على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي، يزداد الدعم الأوروبي دون مسائله. فقد رفع الاتحاد الأوروبي مؤخرا علاقاته مع مصر لمستوى الشراكة الاستراتيجية، وأعلن عن المزيد من الدعم المالي بقيمة ٧.٤ مليار يورو منهم ٢٠٠ مليون يورو مخصصة لملف الهجرة. 

تونس: كراهية من رأس الدولة، ومكاسب سياسية

في تونس، تستعمل السلطات خطابًا مناهضًا للأجانب واللاجئين، بينما يستمر قمع منظمات المجتمع المدني. تصف الرئاسة التونسية تواجد المهاجرين في البلاد بأنه “وضع غير طبيعي”، نتج عن “ترتيب إجرامي تمّ إعداده منذ مطلع هذا القرن لتغيير التركيبة الديمغرافية لتونس”، متهمةً جهات بأنها تلقت أموالا طائلة بعد سنة 2011 بغرض “توطين المهاجرين غير النظاميين من أفريقيا جنوب الصحراء في تونس”، منتهيةً باتهام منظمات المجتمع المدني بأنهم يقفون وراء ما وصفه بـ”هذه الظاهرة”.

ونتج عن هذا الخطاب تأثيرا فعليا على أرض الواقع يمكن ملاحظته في زيادة الشكاوى من الهجمات المجتمعية على أصحاب البشرة السمراء، وطرد من المنازل للعائلات المهاجرة، وفصل من العمل. وسرعان ما تحولت هذه الممارسات إلى هجمات رسمية شملت عمليات اعتقالات تعسفية، وكذلك التقاعس عن إنقاذ مراكب المهاجرين الغارقة، وعمليات صد ومنع وإعادة قسرية غير قانونية وعنيفة من قوات حرس الحدود التونسية.

لا يمكن فصل هذا الخطاب والممارسات عن مفاوضات كانت تجري بين الاتحاد الأوروبي وتونس، في إطار ما تم تسميته “حوكمة الهجرة، وإدارة الحدود” وصولا بهذه المفاوضات إلى الشراكة الشاملة التي تم توقيعها في يوليو 2023. لم تشمل الاتفاقية، المعنية بالتنمية والهجرة غير النظامية، على أي شروط معلنة تتعلق بوضع حقوق الإنسان المتردي في البلاد، واستهداف السلطات لمساحات العمل العام، واستهداف النشطاء والسياسيين، وحملات تشويه منظمات حقوق الإنسان، واستخدام القضاء في الثأر من المعارضين، الأمور كلها التي تدفع بالوضع التونسي إلى مزيد من التأزم، ومعه المزيد من الرغبة في الهجرة حتى ولو كانت بصورة غير نظامية.

مع أن الهدف المعلن لهذا الدعم هو مكافحة “شبكات التهريب”، يتم استهداف اللاجئين والمهاجرين في البلاد، في حملات حكومية شملت عمليات إعادة غير قانونية من البحر، واستهداف لمراكب المهاجرين مما يتسبب في غرقها، والترحيل القسري الجماعي عبر الصحراء بشكل غير قانوني لمئات المهاجرين، بحسب ما كشفت تقارير المنظمات الحقوقية، والتحقيقات الصحفية، بينما استهدفت الحملة أيضا منظمات المجتمع المدني.

وبالرغم من عمليات المنع فما زال توافد المهاجرون من تونس أو عبرها لغير التونسيين مستمرًا، وما زالت الجنسية التونسية تحتل مرتبة متقدمة بين أكثر الدول التي يصل منها مهاجرون بصورة غير نظامية. 

الاستثمار في الفشل

الهجرة غير النظامية كالسيل، إن منعت عبوره بالقوة من اتجاه سوف يجد طريقًا آخر، ولذلك فالتجاهل المستمر للدوافع الرئيسية للحركة غير النظامية يجعل الأسلوب الأوروبي المعتمد على”تمديد الحدود” يحقق أهدافاً عكسية، ناهيك عن انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكب خلالها دون مساءلة. بل على العكس، فإن اتفاقيات الشراكة الخارجية تستثمر في المسببات التي تدفع الأشخاص للحركة، سواء عن طريق دعم ديكتاتوريات تنتهك حقوق المواطنين، أو تدعيم إدارات حكم فاشلة اقتصاديا؛ مما يزيد تعقيد أزمات هذه البلاد.

 من جانب آخر، تخلق تلك الاستراتيجيات ما يمكن تسميته “الحارس المبتز”، حيث عادة ما تستخدم حكومات بلدان “المصدر والعبور” ملف الهجرة غير النظامية كبطاقة تفاوض مع الأوروبيين للحصول على الدعم المالي والسياسي. كما أن عملية ربط أموال التنمية بـ”التحكم في حركة الهجرة غير النظامية” في ظل أنظمة لا تدعم المساءلة والرقابة والمحاسبة، وفي ظل أوضاع سياسية سيئة وبيئة عمل مجتمعي مغلقة، تؤدي إلى مزيد من المشروعات غير المجدية.

تتجاهل المعالجة الأمنية المرتبطة بمكافحة شبكات التهريب عامل جديد ومهم وهو سرعة انسياب المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة التي يستخدمها الأشخاص المتنقلون، مخلفة بذلك أرشيف معلوماتي لكل من يرغب أو يضطر لخوض التجربة، مما يجعل استمرار الحركة في ظل استمرار أسبابها أمراً حتميًا، ومعالجتها لن تتم إلا بمعالجة جذورها السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية، والقضاء على أشكال الاستعمار الحديث التي تدفع الأشخاص للحركة، ثم تتسبب في قتلهم.

نور خليل استشاري متخصص في سياسات الهجرة واللجوء وانتهاكات الحدود، ومؤسس مشارك في منصة اللاجئين في مصر والمدير التنفيذي الحالي لها.

: اقرأ التالي

في ظل توجه الحكومة الانتقالية في سوريا نحو الاعتماد على استثمارات القطاع الخاص لتمويل إعادة الإعمار،…

يحاول أهل جنوب لبنان إعادة بناء حياتهم وتأمين مصادر دخلهم في ظل ما تفرضه الحرب من…