يمكنكم قراءة المقال باللغة الإنجليزية هنا.
على أرضية خرسانية في مبنى غير مكتمل بحي جوبر شمال شرقي دمشق، وبين أنقاض خلّفتها سنوات الحرب، اجتمع السكان في يونيو/حزيران الماضي لمناقشة مصير منازلهم. كان الإحباط باديًا على الوجوه، فقد مرّ أكثر من عام ونصف على سقوط نظام الأسد والسلطات ما زالت ممتنعة عن تقديم خطة موثوقة من أجل إعادة بناء الحيّ.
لم تكن هذه هي محاولتهم الأولى لتنظيم صفوفهم. فقد شكّلوا قبلها لجانًا من مهندسين ومقاولين محليين لتقييم خطط الإعمار، وفي تلك الاجتماعات السابقة اتفقوا على رفض التفاوض على أي مقترح لم يتسلّموه مكتوبًا، وتواصوا بألّا يبيعوا أراضيهم للوسطاء بثمنٍ بخس. كشف هذا الاجتماع الكثير عن الوضع الذي وصلت إليه عملية إعادة الإعمار في سوريا ما بعد الحرب.
تقع عملية إعادة الإعمار في قلب التعافي الاقتصادي في سوريا، ويكشف سيرها عن مدى رسوخ العدالة الانتقالية والتماسك الاجتماعي في البلاد بعد سنوات من الصراع. وحتى الآن، لا تبدو المؤشرات واعدة.
رهنت السلطات الانتقالية إعادة الإعمار بالاستثمار الخاص، فصارت المشاريع تتحرك عبر منتديات مغلقة وصفقات ثنائية غامضة، لا ضمن خطة وطنية شفافة. أما المجتمعات المتضررة، فلا تُدعى إلى النقاش إلا في وقت متأخر – هذا إن حدث أصلًا – وعادةً بعد حسم الشروط.
تتجلى هذه العملية بوضوح في حيي جوبر والقابون المجاور له، حيث ينظم السكان أنفسهم ضد خطة إعادة إعمار استثمارية وُضعت دون مشاركتهم. يطرح نضال هؤلاء السكان سؤالًا يتردد صداه في جميع أنحاء البلاد اليوم: مَن المستفيد الفعلي من عملية إعادة إعمار سوريا؟
إعادة الإعمار كأداة للمصادرة في عهد الأسد
يقع حيا جوبر والقابون في الطرف الشمالي الشرقي لمدينة دمشق. تاريخيًا، كان كلا الحيين قريتين زراعيتين حولتهما الهجرة الريفية إلى مناطق عمالية مكتظة. على مدار العقود اللاحقة، نما الحيان في ظل إهمال رسمي تمثل في تدني الاستثمار العام في الخدمات والبنية التحتية. كان الحيان من أوائل أحياء دمشق التي انضمت إلى الانتفاضة ضد الأسد في عام 2011، ودفع كلاهما ثمنًا باهظًا لهذا الخيار.
فرض نظام الأسد الحصار على حي القابون من 2012 وحتى 2017 وعرضه للقصف والتجويع، إذ كانت فصائل المعارضة تسيطر على الحي إلى أن تم إجلاء مقاتليها إلى إدلب. أما جوبر، الذي شكل خط المواجهة الغربي لمعركة الغوطة الشرقية، فقد مر بست سنوات من القتال والقصف، الأمر الذي ترك ما لا يقل عن 80 بالمئة من الحي في حالة من الخراب أدت إلى نزوح واسع النطاق. بعد استعادة كلتا المنطقتين في عام 2018، منع نظام الأسد الأهالي من العودة وجعل من هذين الحيين أهدافًا لطموحاته في إعادة الإعمار.
شكلت إعادة الإعمار في عهد الأسد استمرارًا للحرب بوسائل إدارية، وذلك من خلال إقامة بنية قانونية مكّنت النظام من مصادرة واسعة للممتلكات من جهة ومنح عقود البناء لرجال الأعمال الموالين للنظام من جهة أخرى. وقد سمح المخطط التنظيمي التفصيلي رقم 106 لعام 2022 للدولة بمصادرة ما يصل إلى 50 بالمئة من الأراضي الخاصة دون تعويض. لكن النظام سقط قبل أن تتحقق خططه، تاركًا الأحياء محض أطلال تواجه أسئلة معلقة حول كيف يعاد بناؤها ولمصلحة مَن.
نموذج ”المستثمر أولًا“
صممت عملية إعادة الإعمار في عهد السلطات الانتقالية بحيث يكون جذب الاستثمار الخاص أولويتها القصوى. وقد أوضح الرئيس أحمد الشرع هذا الخيار صراحةً عندما قال أمام حشد من رجال الأعمال والممولين في الرياض إن سوريا ”اختارت مسار إعادة الإعمار من خلال الاستثمار“ بدلًا من المعونات والمساعدات.
عدلت السلطات قانون الاستثمار لعام 2021 الصادر في عهد الأسد، وأصدرت المرسوم رقم 114 لعام 2025 الذي يوفر ضمانات أقوى للمستثمرين. ويعطي هذا المرسوم الأولوية لجذب رؤوس الأموال ويبسط إجراءات الترخيص، ولكنه لا يضمن حماية كافية أو تعويضات للمجتمعات المتضررة، كما لا يضمن إشراكها في القرارات المتعلقة بالاستثمار. ويركز المرسوم أيضًا السلطة المؤسسية في يد جهة واحدة، حيث يضع هيئة الاستثمار السورية والمجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية المشكل حديثًا تحت سيطرة الرئاسة مباشرةً. هذه الخطوات قد تطمئن المستثمرين من حيث سرعة حسم القرارات وصدورها من السلطات العليا بالبلاد، لكن ذلك يأتي على حساب الشفافية والرقابة المستقلة.
من الناحية العملية، تشكلت مشاريع إعادة الإعمار عبر سلسلة من الصفقات والمذكرات التي تم الإعلان عنها في منتديات الاستثمار المتفرقة لا عن طريق الالتزام باستراتيجية شاملة. في هذا السياق، انصب التركيز على العقارات والسياحة والمشاريع التي تدر إيرادات سريعة بدلًا من القطاعات الإنتاجية القادرة على توليد فرص عمل مستقرة وطويلة الأجل. ومن الأمور اللافتة عند النظر إلى هذه الصفقات استحواذ مشروعين ضخمين يدعمهما مستثمر واحد على ما يقرب من نصف القيمة المعلنة للاتفاقيات الموقعة مع الشركات الأجنبية منذ سقوط النظام.
تتجاهل هذه المقاربة أن عملية إعادة الإعمار تتسع لما هو أكثر من مجرد تشييد المباني. ففي سياقات مثل سوريا، تشمل إعادة الإعمار استعادة الحقوق، والتمكين من العودة، وإصلاح النسيج الاجتماعي وترميم الثقة التي تضررت جراء أكثر من عقد من الصراع. وفي حالة السياسة الرسمية الحاضرة، تغيب هذه الأبعاد إلى حدٍ كبير.
يعد حيا جوبر والقابون من أبرز تجارب هذا النموذج. ففي مارس/آذار 2026، قدم مسئولو محافظة دمشق مقترحًا موسعًا لإعادة الإعمار في اجتماع خاص حضره حوالي 30 شخصًا، تضمنوا أعضاءً في مجالس الأحياء ومحامون ومهندسون ووجهاء محليون. ووفقًا للخطة، ستقوم مجموعة من الشركات الأجنبية بتمويل وتنفيذ إعادة إعمار 1100 هكتار في شرق دمشق، تغطي أحياء جوبر والقابون وباب شرقي، مقابل الحصول على ما يقرب من 50 بالمئة من أراضي المشروع.
قدّر المسئولون التكلفة بنحو 21 مليار دولار ووعدوا بتوفير حوالي 200 ألف فرصة عمل، ولكن بعيدًا عن الأرقام، لم يتضح من تفاصيل الخطة سوى أقل القليل. ظل المستثمرون غير معلنين، ولم تُنشر أي عقود أو خطط تقسيم للمناطق، ولم تُحدد أي آليات للتقييم أو التعويض. قدم المسئولون النموذج الاستثماري باعتباره المسار الواقعي الوحيد للمضي قدمًا، حيث جادل المحافظ ماهر مروان إدلبي في جلسة حوارية في أبريل/نيسان بأن المنح غير متوفرة، والقروض الأجنبية محظورة، والتطوير الذي يقوده المُلّاك شديد البطء وعالي التكلفة.
بموجب هذه الخطة، لن يحصل السكان سوى على 50 بالمئة من مساحة الأرض المصنفة أراضٍ سكنية مخططة و30 بالمئة من الأراضي المصنفة أراضٍ زراعية. هذه المعدلات من التعويض ستعمل كآلية لتمويل المشروع: من خلالها يمكن للمستثمرين تقديم رأس المال اللازم لإعادة الإعمار وفي المقابل يتم الدفع لهم بالأراضي، من جهة أخرى يمول الملاك هذا الاستثمار من خلال الحصة المقتطعة من ممتلكاتهم، مما ينقل فعليًا تكلفة إعادة الإعمار إليهم. وهكذا تعمل هذه الاستقطاعات كضريبة عينية على أصحاب الأملاك المتضررين من الحرب، وهي ضريبة تنازلية أيضًا، إذ يحصل أصحاب الأراضي المصنفة زراعية على أدنى معدلات التعويض، رغم أن هذا التصنيف يشمل، على الرغم من اسمه، مساحات كبيرة من السكن العشوائي.
قوبل مقترح مارس بغضب واسع النطاق في كلا الحيين، إذ وصفه العديد من السكان بالسرقة واعتبروه استمرارًا لسياسات عهد الأسد التي جردتهم من ممتلكاتهم. كان السكان قد شرعوا بالفعل في بناء مؤسساتهم وخططهم الخاصة بعد فترة قصيرة بعد سقوط الأسد، وكانت تلك القدرة التنظيمية هي التي صاغت استجابتهم.
التنظيم المحلي في شرق دمشق
في جوبر، شكّل السكان هيئة مجتمعية، أطلقوا عليها اسم ”مجلس الأمناء“، للتنسيق مع محافظة دمشق حول مسألة إعادة الإعمار. وبحلول أكتوبر/تشرين الأول 2025، كان المجلس قد وضع خطة رئيسية خاصة به ضمت نحو 300 هكتار، غطت مناطق السكن العشوائي ما يقرب من نصفها. اقترحت الخطة إعادة تنظيم جوبر في خمس كتل سكنية وإعادة توزيع حقوق الملاك على هيئة وحدات سكنية، ولكن بشروط تباينت بشدة مع تلك التي ستطرحها المحافظة لاحقًا.
يتم، بموجب تلك الخطة، التعامل مع المساكن المرخصة والعشوائية على قدم المساواة فيما يتعلق بحقوق الملاك، بدلًا من تصنيفها في مستويات تعويض منفصلة. من جهة أخرى تتولى لجنة قانونية تابعة للمجلس توثيق الحقوق الفردية والإشراف على التخصيص. وفي غياب خطة مقترحة من المحافظة في حينه، نظم السكان احتجاجات في منتصف أكتوبر مطالبين بجدول زمني لإعادة الإعمار والعودة.
وبالنسبة لخطة المحافظة، أصدر سكان القابون بيانًا وقعه محامون وأساتذة جامعيون ووجهاء المجتمع المحلي وصفوا فيه المشروع بأنه ”استملاك عقاري“. وطالبوا بتقييمات عادلة لأراضيهم وأصروا على أن يتم تمويل البنية التحتية من موازنة الدولة بدلًا من الاقتطاع من حصص الملاك الذي وصفوه بأنه ”ضريبة غير قانونية على السكان“. وفي جوبر، رفض مجلس الأمناء أيضًا التعويض المقترح في الخطة، وطالب بألا تكون الشقق الجديدة أصغر من مساحتها الأصلية.
ما اعترض عليه كلا المجتمعين إذًا لم يكن الاستثمار برمته، بل حقوقهم ضمن المخططات الاستثمارية. طالب السكان بالدخول في المشروع كشركاء حقيقيين، بمكانة مساوية لتلك التي يتمتع بها المستثمرون، بحيث يمكنهم التفاوض على الشروط، واختيار مَن يبني على أراضيهم، والاحتفاظ بحصة أكبر من القيمة المتولدة عن إعادة الإعمار.
ومن اللافت للنظر سعي الموقعين من القابون إلى العودة إلى قانون التخطيط والتطوير العمراني رقم 23 لعام 2015 كإطار لإعادة تنظيم حيهم، مجادلين بأنه على الرغم من كونه قانونًا من عهد الأسد، فإنه على الأقل يوفر لهم المزيد من الحقوق على الورق، بما في ذلك: تشكيل لجان تقييم للممتلكات، واللجوء إلى المحاكم، ووضع سقف للاقتطاعات غير المعوضة. وذهب مطلبهم الأخير إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ دعوا إلى إصدار قانون شامل جديد بشأن إعادة الإعمار والعدالة الانتقالية يضمن حق العودة والتعويض العادل.
مع بقاء خطط الدولة لإعادة الإعمار غير مؤكدة، تستغل جهات استثمارية خاصة الغموض والتأخير، إذ تشير التقارير إلى أن التجار والمستثمرين يضغطون على الملاك الذين لم يعودوا قادرين على الانتظار لبيع ممتلكاتهم المدمرة بثمن بخس، حتى مع ارتفاع أسعار الأراضي في شرق دمشق. لكن الجهات المحلية الفاعلة تنظم نفسها لمواجهة هذا الأمر أيضًا. فقد حذر السكان في القابون الملاك من ”تجار الأزمات“، وفي جوبر، تحث حملة ضد ”مافيات“ العقارات الملاك على التمسك بممتلكاتهم.
الصراع حول شروط إعادة الإعمار
ما يحدث في جوبر والقابون هو صراع حول من يدفع تكاليف إعادة الإعمار، ومَن يقرر شروطها، ومن المستفيد في نهاية المطاف. في كل من هذه النقاط، أعطت العملية الأولوية للمستثمرين على السكان المحليين، كما يمكن ملاحظة النمط نفسه في جميع أنحاء البلاد، من مشروع ”بوليفارد النصر“ في حي القرابيص بحمص، إلى خطة إعادة التطوير التي أُحييت في الحيدرية بحلب، إلى مشروع الإسكان المدعوم من السعودية في البجاع، حيث يواجه المزارعون إنذارات الإخلاء.
مع ذلك، لا تزال سوريا تفتقر إلى خطة شاملة لإعادة الإعمار وإلى معايير ملزمة بشأن قضايا مثل التقييم والتعويض وحماية الحيازة والمشاركة الشاملة. بل تستند العملية إلى خليط من القرارات على مستوى المحافظات، ومراسيم الاستثمار، والترتيبات التي تتم على أساس كل حالة على حدة، مما يترك السكان المحليين غير قادرين على تحديد ماهية حقوقهم أو ما إذا كان من الممكن تنفيذ أيًا من الالتزامات التي وُعدوا بها. من شأن تطبيق إطار عمل قائم على الحقوق أن يحدد هذه المعايير، وأن يمكن هيئة مستقلة من تعليق المشاريع التي تنتهكها، وأن يربط إعادة الإعمار بشكل مباشر بتدابير العدالة الانتقالية مثل رد الحقوق، وحق العودة، والمساءلة حول ما سُلب.
أسس مثل هذا الإطار موجودة بالفعل. ففي جوبر والقابون ومجتمعات أخرى في جميع أنحاء سوريا، نظمت الجهات المحلية صفوفها، وعبرت عن أولوياتها الخاصة لإعادة الإعمار، وطالبت بأن يكون لها صوت مسموع في إدارة هذه العملية. ينبغي أن تستمر هذه الجهود في الضغط من أجل الحصول على دور رسمي في جميع مراحل إعادة الإعمار، بدءًا من تصميم المشروع والتفاوض حوله وصولًا إلى مرحلة التنفيذ.
إن الطريقة التي تُدار بها عملية إعادة الإعمار في سوريا لن تحدد فقط ما سيتم إعادة بنائه، بل ستحدد أيضًا ما إذا كانت الأنماط السابقة من السلب ستُواجَه أم سيُعاد إنتاجها في صمت، وما إذا كان يمكن للعدالة الانتقالية والتماسك الاجتماعي أن يترسخا أخيرًا بعد سنوات من الصراع.
جاد بغدادي: باحث غير مقيم في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، يركز على قضايا الاقتصاد السياسي في سوريا ولبنان.