اصطف المحتجزون المقيدون بالأصفاد داخل غرفة مخصصة في السجن أمام شاشة كبيرة مثبت عليها كاميرا، بينما وقف ضباط السجن خلفهم. على الجانب الآخر من الاتصال، انعقدت الجلسة في قاعة المحكمة حيث يجلس القاضي ومحامو الدفاع أمام شاشة مماثلة. حاول المحتجزون الحديث والشكوى للقاضي من المنع المتكرر للزيارات، لكنه قاطعهم محتدًا ورفع الجلسة دون أن يستمع إليهم أو إلى المحامين، ثم انقطع الاتصال.
كانت هذه، باختصار غير مخل، وقائع جلسة تجديد الحبس—المنعقدة عن بُعد—أمام الدائرة الأولى جنايات الإرهاب بمحكمة بدر، الواقعة على بعد 70 كيلومترًا شمال شرق القاهرة.
هذه الواقعة ليست استثناءً، بل هي نموذج لما آلت إليه منظومة المحاكمات عن بُعد في مصر. انتهى العصر الذي يقف فيه المتهمون داخل القفص في المحكمة في تواصل مباشر مع القاضي، والمحامين، وذويهم الحاضرين، بل وأحيانًا مع الصحافة والإعلام. أصبحت المحاكمات وجلسات تجديد الحبس الاحتياطي تتم في مساحات ضيقة، تسيطر فيها السلطتان القضائية والأمنية على ما يمكن للمتهم قوله، وعلى الدفاع المسموح له به.
تحولت تقنيات التواصل الحديثة، التي بدأ استخدامها بهدف تخطي القيود المفروضة أثناء جائحة كورونا، إلى أداة لطمس أصوات المتهمين؛ فلا أحد يشتكي، ولا أحد يستطيع الإبلاغ عن التعذيب أو سوء المعاملة. يتتبع هذا المقال مسار المحاكمات عن بُعد في مصر وفي تونس، وتحولها من استثناء فرضته الجائحة إلى نمط إجرائي راسخ، وما يترتب على ذلك من تأثيرات مباشرة على حضور المتهم وحق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة في البلدين.
مصر: من إجراء طارئ إلى ممارسة ممنهجة
بدأ استخدام المحاكمات عن بُعد في مصر بموجب القرار الوزاري رقم 8901 لسنة 2021، الذي أتاح عقد جلسات تجديد الحبس الاحتياطي عبر تقنية الفيديو بين المحاكم والسجون. ومع مرور الوقت، لم يقتصر استخدام هذه الآلية كتدبير استثنائي، بل امتد ليشمل جلسات المحاكمة الموضوعية، خصوصًا في القضايا ذات الطابع السياسي، ثم اتسع ليضم طيفًا أوسع من القضايا، بما فيها القضايا الجنائية. وسرعان ما تحول الاستثناء إلى ممارسة دائمة، تعززها نصوص في مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد، دون وضع حدود واضحة للحالات التي يجوز فيها اللجوء إلى المحاكمة عن بُعد.
في عام 2022 وحده، راجعت دوائر الإرهاب في محكمة بدر أكثر من 25 ألف أمر بتجديد الحبس الاحتياطي عن طريق تقنية الفيديو، معظمها في قضايا ذات طابع سياسي، ولم تُغيِّر سوى 1.4% فقط من قرارات النيابة. وفي هذا السياق، تكشف لنا شهادات المحامين عن نمط ثابت في هذه الجلسات:
يُقتاد المحتجزون إلى غرفة داخل السجن لحضور الجلسة عبر الفيديو، بينما يجلس القضاة والنيابة والدفاع في القاعة دون وجود المتهمين فعليًا. وتُعقد الجلسات غالبًا بشكل جماعي يضم عشرات المحتجزين، حيث يُنظر في القضايا على نحو متتابع وسريع، بحيث تُطرح قضية كاملة دفعة واحدة ويُجدَّد الحبس لجميع المتهمين فيها، بينما ينتظر المحتجزون دورهم أمام الشاشة وهم مقيّدون طوال الجلسة تحت إشراف ضباط السجن. أما بالنسبة للمحامين، فلا يترك لهم إيقاع هذه الجلسات مجالًا فعليًا للمرافعة الفردية، وعادةً ما يُطلب منهم عرض طلباتهم بشكل مختصر قبل الانتقال مباشرة إلى القضية التالية. في بعض الجلسات، يُنادى على سجناء مركز احتجاز كامل دفعة واحدة ويُسأل المحامون عمّا إذا كانت لديهم طلبات إضافية تتجاوز الطلبات المعتادة (بإخلاء السبيل)، قبل إصدار القرارات بدلًا من مراجعة فردية لكل متهم.
وفي ظل وجود ضباط السجون داخل غرفة الاتصال، تتلاشى إمكانية أي تواصل سري بين المتهم ومحاميه، وهي إحدى الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة. كما يُقطع الصوت عن المحتجزين كلما حاولوا الشكوى من ظروف حبسهم، وتُنهي دوائر قضائية الجلسة فجأة أو تطلب إخراج المتهمين من الغرفة ”لأنهم يتحدثون كثيرًا“، ليُجدَّد الحبس بعدها بشكل جماعي.
من جهة أخرى، تتقلص قدرة المحامين على الاطلاع على ملفات القضايا ومراجعتها. في الجلسات العادية، خصوصًا في قضايا أمن الدولة، يُسمح بهامش ضيق للمحامين للاطلاع على الأوراق داخل المحكمة دون الحصول على نسخ من أوراق القضية. أما في نموذج المحاكمة عن بُعد، فيختفي هذا الهامش المحدود، حيث لا تُعرض الملفات خلال الجلسة ولا تتضح آليات الوصول إليها لاحقًا، كما يظل التعامل مع تسجيلات الجلسات المرئية أو تفريغها غير منظم قانونيًا أو عمليًا، ما يترك الدفاع والمتهمين دون وسيلة واضحة لمراجعة ما دار أثناء الجلسة.
ورغم التركيز الرسمي على سهولة الإجراءات وسرعتها، فإن عدم المثول الشخصي أمام القاضي يمثّل مسألة جوهرية تتجاوز الشكل الإجرائي إلى صلب ضمانات المحاكمة العادلة. فالمواجهة المباشرة بين القاضي والمتهم تُعدّ ركيزة أساسية تسمح للقاضي بتقييم وضع المتهم، وملاحظة آثار التعذيب أو الانتهاكات إن وُجدت، وسماع صوته دون وسيط أو رقابة. وفي نموذج المحاكمة عن بُعد يُختزل حضور المتهم إلى نافذة صغيرة على شاشة لا تتيح للقاضي تقييم حالته الجسدية أو النفسية، ولا تسمح للمتهم بالتفاعل الطبيعي مع مجريات الجلسة. كما يفقد الدفاع القدرة على لفت نظر القاضي إلى أي انتهاكات تعرّض لها المتهم، أو طلب فحصه طبيًا، أو الطعن في طريقة التعامل معه داخل السجن.
وفي ظل منع الزيارات لفترات طويلة داخل مجمّعات السجون الجديدة، كانت الجلسات العادية، التي يحضر فيها المتهمون، هي الفرصة الوحيدة التي تُتيح للأهالي رؤية ذويهم والاطمئنان عليهم للحظات داخل قاعة المحكمة؛ ومع التحول الكامل إلى المحاكمة عن بُعد، اختفت حتى هذه المساحة الضيقة، ما زاد من عزلة المحتجزين وقطع آخر خيط يربطهم بعائلاتهم.
تونس: بين التشريع والغموض الدستوري
في تونس، بدأ اعتماد المحاكمة عن بُعد بموجب المرسوم عدد 12 لسنة 2020 على خلفية الجائحة. إلا أنّ المرسوم صدر دون نقاش برلماني وفي ظل غياب المؤسسات الرقابية، مما أثار جدلًا واسعًا حول دستوريته وشرعية تطبيقه.
ورغم طبيعته الاستثنائية، أصبح هذا الإجراء جزءًا دائمًا من البنية القضائية. فقد أعلنت وزارة العدل تفعيل المحاكمة عن بُعد في 12 محكمة استئناف، و21 محكمة ابتدائية، و6 محاكم نواحي، و11 مؤسسة سجنية، مؤكدة أنّ محكمة سوسة حافظت منذ 2020 على اعتماد هذا النظام في جميع القضايا الجزائية، بما فيها قضايا الأطفال. ووصل عدد الموقوفين الذين خضعوا للمحاكمة عن بُعد منذ دخول المرسوم حيز التنفيذ إلى ما يقارب 26 ألف شخص، مما يشير إلى التوسّع في استخدام هذه الآلية داخل المحاكم التونسية، رغم غياب بيانات رسمية تحدد نسبتها من إجمالي القضايا.
تؤكد ليلى جفّال، وزيرة العدل التونسية، أن تجربة تطبيق المحاكمات عن بُعد كانت ”كلها تجارب ناجحة“، مضيفة أن وسائل الاتصال المستخدمة ”مضمونة“ وأن قرارات القضاة لا تتأثر سواء كانت المحاكمة عادية أو عن بُعد. لكن هذه الصورة الرسمية تتباين بشدة مع واقع التطبيق. إذ تُظهر توثيقات حقوقية وتجارب الدفاع مشاكل متعددة الأوجه: أعطاب تقنية متكررة، غياب أي مساحة اتصال خاصة بين المتهم ومحاميه، وتوسع استخدام هذه الآلية في قضايا ذات طابع سياسي أو حساسية عالية دون توفير ضمانات مكافئة للحضور الفعلي.
وتُعدّ قضية ”التآمر“، التي أدين فيها 37 شخصًا بتهم وصفت بأنها مسيّسة، مثالًا واضحًا على ذلك. ففي إحدى الجلسات، أعلنت المحكمة أن المتهمين امتنعوا عن الحضور، متجاهلة أنهم رفضوا المشاركة عن بُعد تحديدًا وأصروا على المثول الحضوري. ورغم اعتراض الدفاع وتذكيره بأن احتجازهم تجاوز الحد القانوني البالغ 14 شهرًا، مضت المحكمة في تحديد موعد جديد للجلسة، ليظهر الأثر العملي لنظام المحاكمات عن بُعد في سماحه باستمرار تجديد الحبس دون مثول المتهم أمام قاضيه، في غياب الرقابة الفعلية على مشروعية الاحتجاز.
ويزداد التعقيد في تونس بسبب الفراغ الدستوري الناتج عن غياب المحكمة الدستورية المنصوص عليها منذ دستور 2014. فرغم المصادقة على قانونها الأساسي سنة 2015، حال التعثّر السياسي وفشل البرلمانات المتعاقبة في التوافق على أعضائها دون تشكيلها فعليًا، واستمر هذا الغياب حتى بعد دستور 2022 الذي أعاد تنظيمها دون أن يبدأ عملها بعد. ونتيجة لذلك، تظل الجهة المخوّلة بالبتّ في دستورية المرسوم عدد 12 لسنة 2020 المنظّم للمحاكمات عن بُعد غير قائمة.
وبذلك، يصبح تقييم مشروعية المحاكمة عن بُعد محصورًا بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، دون وجود جهة رقابية قادرة على تحديد مدى توافق الإجراء مع المعايير الدستورية. كما يلقي هذا الفراغ عبئًا إضافيًا على المتهمين ومحاميهم، إذ يفقدون إحدى الأدوات القانونية الأساسية للطعن في الإجراءات التي تمسّ حقهم في المثول الحضوري أو في الدفاع. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ النصوص المنظمة للمحاكمة عن بُعد لا توضح آليات الاعتراض أو الطعن في الجلسات الرقمية، ولا تقدّم معايير تقنية أو إجرائية لضمان جودتها أو نزاهتها، ما يخلق فجوة قانونية واسعة تُترك لتفسير المحاكم، وتتحول في التطبيق إلى مساحة تسمح بتوسّع غير منضبط في استخدام التقنية على حساب حقوق الدفاع.
مخاطر مشتركة
تتشارك تجربتا مصر وتونس خللًا جوهريًا واحدًا، وهو دمج المحاكمة عن بُعد داخل منظومات عدالة لا تمتلك أصلًا الضمانات المؤسسية الكافية. فبدلًا من أن تُبنى إجراءات جديدة تُوازن بين التكنولوجيا ومتطلبات المحاكمة العادلة، استُخدمت الجلسات الرقمية باعتبارها امتدادًا للنظام القائم دون تعديل أو حماية إضافية.
يظهر ذلك بوضوح في غياب إطار تشريعي يحدد الحالات التي يجوز فيها استخدام التقنية، وغياب معايير الحصول على موافقة صريحة ومستنيرة من المتهم، وعدم توفير قنوات اتصال سرية بين المتهم ومحاميه، إضافة إلى اعتماد الجلسات الجماعية التي تُختزل فيها قضايا متعددة في وقت واحد دون فحص فردي.
وتُبرز هذه الممارسات أن المحاكمات عن بُعد حين تُطبّق دون ضمانات أو رقابة مستقلة، لا تُعزّز فعليًا من جودة العدالة، بل تُفاقم هشاشتها، إذ تُمنح السلطات قدرة أكبر على التحكم في سير الجلسات والسيطرة على مساحة الكلام المتاحة للمتهمين، ويتآكل الحق في المواجهة، ويتحول الحق في الدفاع إلى إجراء شكلي، وترتفع مخاطر الاحتجاز التعسفي والخطأ القضائي.
ومن بين أخطر الآثار المشتركة بين التجربتين المصرية والتونسية تأثير المحاكمة عن بُعد على الفئات الأكثر هشاشة داخل منظومة العدالة الجنائية. حتى في ظل غياب بيانات رسمية تفصيلية حول نسب هذه الحالات. فالنساء المحتجزات، على سبيل المثال، يواجهن صعوبات مضاعفة في إيصال شكاواهن المتعلقة بظروف الاحتجاز أو الاحتياجات الصحية، نظرًا لطبيعة الجلسات المختصرة وعدم القدرة على التحدث بحرية في وجود ضباط السجن. أما بالنسبة إلى الأطفال أو الأحداث الذين تُجرى محاكمتهم عن بُعد، فإن غياب البيئة الآمنة والداعمة داخل المحكمة يزيد من شعورهم بالعزلة ويُضعف قدرتهم على التفاعل أو فهم الإجراءات. ويواجه المحتجزون من ذوي الإعاقة، خصوصًا السمعية أو البصرية، عقبات إضافية تجعل المشاركة عن بُعد أكثر تعقيدًا من الحضور الفعلي. كما يواجه المحتجزون ذوو الخلفيات الاجتماعية الهشة أو ممن لا يتمتعون بالمعرفة القانونية الكافية تحديات أكبر في فهم حقوقهم أو متابعة ما يجري خلال الجلسة الافتراضية، وهو ما يفاقم عدم المساواة داخل النظام نفسه.
من أجل عدالة رقمية لا تُفرغ من مضمونها
أحد الجوانب التي لا تحظى بالاهتمام الكافي هو هشاشة البنية التقنية التي تقوم عليها هذه المحاكمات. ففي كلٍ من مصر وتونس، لا تبدو الأنظمة المستخدمة في السجون والمحاكم موحّدة، ولا توجد معايير معلنة حول جودة الاتصال أو آليات الطعن في الأعطال التي قد تغيّر مجرى الجلسة، ما يزيد احتمالات اتخاذ قرارات قضائية مصيرية استنادًا إلى جلسات لم تتم بشروط عادلة أو مكتملة. كما أن غياب بروتوكولات واضحة لنشر أو حفظ المواد المرئية يفاقم غموض العملية، ويجعل المحاكمات عن بُعد أقرب إلى مساحة مغلقة لا يمكن مراقبتها فعليًا. هذا الضعف البنيوي يكشف عن غياب رؤية مؤسسية واضحة للعدالة الرقمية، مما يهدد سلامة إجراءات قانونية تعتمد عليها حياة الأفراد وحريّاتهم.
لمواجهة هذا الواقع، يصبح من الضروري تبنّي إصلاحات واضحة تضمن ألا تتحول المحاكمة عن بُعد إلى أداة لتقييد الحقوق. وتشمل هذه الإصلاحات استثناء القضايا المصيرية والحساسة من المحاكمات عن بُعد، واشتراط الحصول على موافقة صريحة ومستنيرة من المتهمين مع ضمان حقهم في رفض الإجراء دون تبعات، إلى جانب توفير قنوات اتصال سرية وآمنة بين المحامي والمتهم والحفاظ على علنية الجلسات وإتاحة حضور الجمهور قدر الإمكان، فضلًا عن إنشاء آليات رقابة مستقلة تضم نقابات المحامين ومنظمات المجتمع المدني.
هذه الشروط ليست تفاصيل تقنية، بل هي معايير أساسية تحدد ما إذا كانت الرقمنة عنصرًا من عناصر الإصلاح الحقيقي أو مجرد ستار يُستخدم لتقليص مساحة الدفاع وتعزيز السيطرة على سير العدالة. ولا يقتصر هذا التحدي على مصر وتونس وحدهما؛ فموجة ”رقمنة العدالة“ تمتد إلى دول عربية أخرى مثل لبنان والجزائر، غالبًا دون نقاش عام ودون ضمانات تحمي الحقوق الأساسية. وفي غياب هذا النقاش، تتحول السرعة إلى بديل عن العدالة، وتغدو التكنولوجيا أداة تقوض الشفافية وتُضعف الحق في المواجهة.
ومن واقع التجربة، قد تُسرّع الأدوات الرقمية عمل المحاكم، لكن العدالة لا تتحقق إلا بمحاكمات عادلة. وعندما تتحول العدالة إلى نسخة افتراضية، لا تكون المخاطر تقنية فقط، بل وجودية كذلك.
سارة حمزة: زميلة غير مقيمة بمعهد التحرير في برنامج زمالة ”سارة حجازي“، تعمل على قضايا التوثيق والعدالة في الشرق الأوسط وشمال أفريقي.