اللاجئون السوريون: عنوان بارز في السياسة التركية

خلقت التحوّلات السياسية التركية منذ 2016 واقعًا جديدًا للاجئين السوريين؛ داخليًا بدخول ملف اللجوء ضمن صراع الأحزاب السياسية، وخارجيًا بمحاولات التقارب مع النظام السوري


لم تكن الأيام الأولى من شهر يوليو (تموز) 2024 هينة على اللاجئين السوريين في تركيا، فقد اندلعت أعمال عنف غير مسبوقة ضدهم في مدينة قيصري، الواقعة وسط البلاد، بعد اعتقال شاب سوري – قيل أنه مختل عقليًا – للاشتباه في تحرشه بقاصر. اعتدى متطرفون أتراك على بعض السوريين في المدينة، وحرقوا بعض البيوت والمحال والممتلكات، ما أدى إلى نزوح عشرات العائلات. ترافقت تلك الأحداث مع تسريب بيانات رسمية لأكثر من ثلاثة ملايين سوري وانتشارها عبر منصات التواصل الاجتماعي.

خلّفت الأحداث حالة من الخوف والارتباك لدى اللاجئين، خاصةً مع تزامن هذا العنف مع حملة حكومية لملاحقة ”اللجوء غير الشرعي“ في الجنوب التركي أدت إلى ترحيل مئات السوريين إلى شمال غرب سورية. لكن الأكثر خطرًا كانت التطورات على المستوى الدبلوماسي، بعدما عبّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن رغبته في لقاء بشار الأسد آملاً بإعادة العلاقات بين البلدين لعهدها القديم. 

خلقت التحولات السياسية التركية، بداية من عام 2016، ومرورًا بالسباق الرئاسي في 2023، والانتخابات المحلية في 2024، واقعًا جديدًا للاجئين السوريين؛ داخليًا باستخدام ملف اللجوء ضمن صراع الأحزاب السياسية على كسب التأييد الشعبي، وخارجيًا بمحاولات التقارب مع النظام السوري في ظل ضغوطات من المعارضة التركية واستمرار محاولات رئيس الحزب الجمهوري التركي المعارض أوزغور أوزيل اللقاء ببشار الأسد، ما وضع مصير ما يزيد عن ثلاثة ملايين لاجئ سوري على المحك.

تُرجّح المعطيات والشواهد أن الحكومة التركية مستمرة في التشدد في ملف اللاجئين، حيث تستمر السلطات في حملات ملاحقة الهجرة غير الشرعية، وتتمسك بسياسة حظر الأجانب من الإقامة في بعض الأحياء، وتستمر في فرض القيود على التنقل والإقامات، كما أعادت فرض رسوم على الدراسة الجامعية بعد أن أُعْفُوا منها لسنوات، بجانب تحجيم السياسات الهادفة لدمج السوريين في المجتمع التركي. 

نحاول في هذا المقال فهم وضع، ومصير، اللاجئين السوريين في ظل المتغيرات الجديدة، وتوضيح مستوى التحوّلات في الموقف التركي من القضية السورية، ودوافعه على صعيد اللجوء والسياسة. 

الباب المفتوح

تفاوتت منذ عام 2011 المواقف التركية الرسمية والشعبية تجاه اللاجئين، بداية من سياسة ”الباب المفتوح“ التي تبنتها البلاد في أثناء الانتفاضات والثورات العربية، إلى مواقف تميل إلى التضييق، خصوصًا مع تحالف حزب العدالة والتنمية (حزب الرئيس أردوغان) مع حزب الحركة القومية صاحب التوجه اليميني، وأحزاب أخرى يتبنى معظمها توجهات محافظة وإسلامية ليكوّنوا ”تحالف الجمهور“ الحاكم حاليًا.

تصاعدت أهمية ملف اللاجئين السوريين عقب بدء التدخل العسكري التركي في سورية عام 2016، ليتخذ أبعادًا سياسية متعلقة بالأمن القومي للبلاد. كما بدأت أحزاب المعارضة في استعمال ملف اللاجئين ضد الحزب الحاكم، خصوصًا مع المتاعب الاقتصادية التي واجهت تركيا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف 2016، وارتفاع معدلات التضخم لأكثر من 80%، ليتم التعاطي مع وجود اللاجئين في إطار المصلحة السياسية والاقتصادية، بعد أن كانت القضية إنسانية بالدرجة الأولى.

وبرز اللاجئون كنقطة مواجهة بين الحزب الحاكم والمعارضة التركية خلال الانتخابات الرئاسية عام 2018، بعد وعود مرشح المعارضة ”محرم إينجه“ بإعادة اللاجئين السوريين لبلادهم، واستعادة العلاقات مع نظام الأسد، مما جعل الملف حاضرًا في الخطاب السياسي كعنصر مؤثر على المناخ العام، له مكانه وسط الأولويات السياسية للأحزاب والناخبين.

فرض ذلك مناخًا معاديًا للاجئين؛ من ناحية ارتفاع موجة العنصرية وتبني أحزاب المعارضة خطابًا متطرفًا تجاههم، ونشر بعض الادعاءات عن ”تسهيلات“ قيل إنها تمنح لهم على حساب المواطن التركي، وهو ما شكّل مع الوقت احتقانًا وصل أحيانًا لحد الاعتداءات والمشاحنات، لا سيما في ظل تراجع قيمة الليرة التركية؛ وهو السبب المركزي والرئيسي لبدء تضاؤل شعبية التحالف الحكومي لحساب المعارضة.

عبء اقتصادي

أعادت المعارضة استغلال ورقة اللجوء السوري في الانتخابات البلدية التي جرت عام 2019، حيث استمر حزب ”الشعب الجمهوري“ في التأكيد على وعود ”إينجه“ بإعادة اللاجئين وإيقاف استقبالهم في إسطنبول وبأنهم، بحسب الحزب، يشكلون عبئًا على الاقتصاد التركي. 

ساهم ذلك في خسارة ”تحالف الجمهور“ بقيادة أردوغان بلديات إسطنبول وأنقرة واستمرار خسارة إزمير لصالح المعارضة وتراجع شعبية القوى الحاكمة في تطور غير مسبوق منذ 2003، كما خلق هوامش سمحت ببروز شخصيات جديدة على الساحة مثل ”أكرم إمام أوغلو“ الذي فاز بانتخابات البلدية كمرشح عن إسطنبول مرتين على التوالي 2019 و2024.

أعطت تلك التطورات أهمية وقيمة أكبر لموضوع اللجوء السوري كملف صالح للاستخدام خلال المنافسة على الانتخابات، بجانب الاقتصاد، لقدرته على تغيير توجهات الناخب التركي وقراره، حيث غالبًا ما يتمحور هذا الخطاب حول فكرة أن اللجوء السوري قد يهدد الديمغرافيا في تركيا مع نمو هوية سياسية سورية تؤثر في التركيبة السكانية في البلاد.

خلق ذلك فرصًا لأحزاب مثل حزب الرفاه الذي طالب بعودة اللاجئين خلال الانتخابات المحلية 2024 من أجل تحصيل مكاسب إضافية. كما حفّز هذا الخطاب تنامي تيار يميني متطرف على رأسه حزب النصر الذي بنى سردية سياسية قوامها معاداة اللاجئين، أما حزب ”الجيد“ فقد غير توجهاته من يمين الوسط إلى اليمين المتطرف في سلوكه وخطابه. 

بدوره انتهج ”تحالف الجمهور“ الحاكم سياسة احتواء تقوم على الـ”لا حزم“، حيث فرضت الحسابات السياسية التساهل، وأحيانًا التماهي، مع خطاب اليمين المتطرف. واستمرت الحكومة في فرض ضوابط خاصة بالأحياء السكنية وقيود على الإقامة السياحية للحد من قدوم المزيد من السوريين، وإيقاف العمل بقانون استثناء الأقساط الجامعية واستصدار قرارات خاصة بالطلبة السوريين الجامعيين تقوم على التراجع عن التسهيلات الماضية، ومضاعفة مراكز الترحيل في الولايات التركية بجانب إطلاق حملة في الجنوب التركي في مدن أورفا وغازي عنتاب لملاحقة ”الهجرة غير الشرعية“. كما طورت الحكومة مقاربة ”العودة الطوعية“ وتصويرها على أنّها مضبوطة بجدول أعمال واضح لإعادة اللاجئين السوريين حيث أعلن أردوغان العام الماضي عن إعادة نصف مليون شخص إلى ”المناطق الآمنة“ في سورية، وقدم وعودًا بإعادة مليون سوري آخر على مراحل.

استدارة جزئية

يتأثر اللاجئون السوريون على نحو مباشر بالسياسة الخارجية التركية، لا سيما علاقة أنقرة المقطوعة بدمشق ورغبتها في رأب الصدع من ناحية، ودعمها لبعض القوى المعارضة لبشار الأسد من الناحية الأخرى. 

تريد أنقرة إعادة العلاقات مع الأسد لعدة أسباب، على رأسها تسهيل عودة بعض اللاجئين، ودفع علاقتها بموسكو. ووصل الحوار مع الأسد عام 2023 إلى أعلى مستوياته بلقاء جرى على مستوى الوزراء، ثم تأكّيد الرئيس التركي على وجود نية لدعوة الأسد لزيارة أنقرة وتطبيع العلاقات كما كانت قبل الثورة السورية. لكن، ورغم الخطوات التي انتهجتها أنقرة حيال النظام واتسامها بالبراجماتية الأمنية، ما زال النظام يصرّ على انسحاب الجيش التركي من سورية وتخلي أنقرة عن دعمها للمعارضة لاستعادة العلاقات الكاملة. 

ورغم أن الملف السوري شكّل عبئًا أثقل كاهل أنقرة، إلا أنّه لا توجد ضمانات حقيقية تجاه مراعاة هواجسها الأمنية في حال الانسحاب العسكري أو التخلي عن المعارضة السورية بشكل تام، وذلك بسبب وجود تحديات محتملة كموجات لاجئين جديدة أو غضب السوريين شمال سورية من عمليات التطبيع، أو تمدد قوات ”الإدارة الذاتية“ أو عدم إنتاج استقرار يصون حدود تركيا الجنوبية، فضلاً عن أنّ مناطق الشمال السوري تحمل أهمية جيوسياسية بالنسبة لتركيا كونها منطقة دفاع متقدّم خارج حدودها الأمنية لمكافحة الإرهاب.

بالمجمل، فإن حدوث تغييرات في الموقف التركي سيؤثر بشكل مباشر على ملف اللاجئين السوريين في تركيا وداخل مناطق المعارضة التي تدعمها في شمال غرب سورية، باعتبار هذه الشريحة جزءًا من الكتلة المعارضة لنظام الأسد. ولعلّ مشهد التوترات الأمنية عقب التصريح التركي بالرغبة في التواصل مع الأسد ساهم في إبراز أهمية الملف، حيث سارعت أنقرة بالتأكيد على استمرار دعم المعارضة بلقاء جرى بين رئيس الحكومة السورية المؤقتة (المعارضة) ووزير الداخلية التركي.

وبالتالي، فنحن بصدد ”استدارة جزئية“ في السياسة الخارجية، تستمر تركيا حاليًا بموجبها في دعم المعارضة السورية، بالتوازي مع استمرارها في مسار التواصل التقني مع النظام، ووجود فرصة على المدى البعيد لحدوث لقاء بين أردوغان والأسد لأجل تحقيق الأهداف التركية التي تتضمن تنسيق أمني مرتفع، ومكافحة الإرهاب شمال شرق سورية، والتخفيف من ضغط أحزاب المعارضة التركية عن طريق إعادة بعض اللاجئين بتقديم الحوافز والتطمينات الأمنية.

فرص وسط المخاطر

يجد اللاجئون السوريون أنفسهم رهن قوى سياسية وتوازنات إقليمية لا قبل لهم بمواجهتها، أو تعديل مسارها بالشكل الذي يضمن مصالحهم وأمنهم على المديين المتوسط والبعيد. بيد أنه باستطاعة الفاعلين السوريين، وخصوصًا منظمات المجتمع المدني السورية في تركيا، أن تولي اهتماما أكبر لمتابعة ملف اللجوء خاصةً من الجانب الحقوقي بجانب القطاع الإعلامي لأجل محاولة مواجهة خطاب العنصرية، انطلاقًا من إعادة تقييم عمل اللجان الرسمية مثل اللجنة السورية- التركية؛ التي تشكّلت بتنسيق بين وزارة الداخلية التركية والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية لمتابعة ملف اللاجئين.

يمكن للمجتمع المدني السوري أيضًا تعزيز قنوات التواصل مع الحكومة التركية من خلال استقطاب شخصيات مدنية مؤثرة في المجتمع السوري، مثل المؤثرين الذين درسوا في الجامعات التركية، وإعطاء اهتمام أكبر بالجالية السورية في تركيا خاصةً تلك الفاعلة سياسيًا واستقطاب الكوادر الجديدة التي نشأت على مدار العقد الأول من الثورة السورية، وبات لديها تأثير في حياة البلاد الاجتماعية خاصةً الكيانات التي لديها احتكاك مع منظمات وأحزاب تركية، والتي تعمل كهمزة وصل وضامن للعلاقات بين المعارضة والحكومة التركية، فضلاً عن ضرورة إعلاء التواصل التقني مع المجتمع المدني التركي والقوى الفاعلة.

أما على مستوى الداخل السوري، قد لا يكفي المراهنة على واقع استمرار دعم تركيا للمعارضة السورية في ظل تعقّد المفاوضات بين النظام السوري وتركيا، بل يجب التركيز الجدّي على تفادي أسوأ السيناريوهات. يبدأ ذلك بإيجاد مساحة عمل وطنية مشتركة للمجتمع المدني السوري داخل سورية وخارجها تعلي من المصلحة العامة وتقاطعاتها، وتحرص على عدم تداخل أدوارها مع المعارضة السياسية الرسمية، بل أن يكون دور المجتمع المدني مكملًا ومراقبًا لها. 

وكذلك من المهم أن تحرص المعارضة السورية على لفت نظر الفاعلين بضرورة التراجع عن سياسة تجزئة الملف السوري التي تفرض تعاملًا مع ملف دون الآخر كما في حالة تلافي آثار اللجوء، دون تحقيق العودة الكريمة عبر إنجاز العملية السياسية وفق القرار الأممي 2254.

محمد السكري: باحث سوري في مركز عمران، مهتم بمسائل المجتمع المدني، والمتغيرات الإقليمية وتأثيرها في القضية السورية وملف اللاجئين،

: اقرأ التالي

تحولت زيارة السجناء في مصر من حق إنساني إلى عبء نفسي ومادي على الأسر، في تجربة…

سيكون للبرلمان الذي سيُنْتَخَب الشهر الحالي دورًا مهمًا في المشهد السياسي خلال السنوات القادمة مع انتهاء…

يمكن للتقنيات الحديثة أن تعزز كفاءة مرفق القضاء، لكنها قد تتحول أيضًا لأداة لتقييد الحقوق. تقيّم…