المحاكمات عن بُعد في مصر وتونس: تحليل للواقع القانوني والممارسة في ضوء المعايير الدولية للمحاكمة العادلة

يمكن للتقنيات الحديثة أن تعزز كفاءة مرفق القضاء، لكنها قد تتحول أيضًا لأداة لتقييد الحقوق. تقيّم هذه الورقة مدى انسجام أنظمة المحاكمات عن بُعد المُطبقة في تونس ومصر مع معايير حقوق الإنسان وضمانات المحاكمة العادلة.


يُعدّ المثول الشخصي أمام القاضي في القضايا الجنائية حقًا أساسيًا للمتهم، وقد أكّدت عليه العديد من الصكوك الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان. غير أنّ التقدّم التكنولوجي الذي شهده العقد الماضي، وظهور حالات طارئة مثل جائحة كوفيد-19، أدّيا إلى توسع العديد من الدول في اعتماد إجراءات المحاكمات عن بُعد كآلية لضمان استمرارية عمل المرافق القضائية. ويُقصد بهذه الإجراءات عقد جلسات الاستماع باستخدام تقنيات الاتصال السمعي والبصري بدلًا من الحضور الشخصي للمتهم داخل قاعة المحكمة. ورغم أنّ هذا النمط طُرح في البداية كحلٍّ استثنائي وظرفي، فقد تحوّل في عدد من السياقات إلى ممارسة مؤسسية دائمة، جرى تكريسها في التشريعات الإجرائية تحت مبررات تتعلق بتسريع التقاضي، وتخفيض النفقات، وتعزيز كفاءة مرفق العدالة.

وفي هذا الإطار، تمثل تجربتا مصر وتونس مثالين بارزين على تكريس نظام المحاكمات عن بُعد في بيئات عدلية تعاني أصلًا من تحديات هيكلية عميقة، مثل ضعف استقلال القضاء وقصور الضمانات الإجرائية. إذ لا تنحصر الإشكاليات في هاتين التجربتين في الجوانب التقنية أو هشاشة البنية التحتية فحسب، بل تمتد إلى تساؤلات جوهرية حول مدى توفير هذا النمط من التقاضي الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.

تهدف هذه الورقة إلى تقديم تحليل نقدي للإطار القانوني والتطبيقي لنظام المحاكمات عن بُعد في مصر وتونس، وذلك بالاستناد إلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان والقانون المصري والتونسي. ولإثراء هذا التحليل بالمعطيات العملية، أجرى معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط جلسة حوارية مركزة مع 13 محامٍ ومحامية من مصر وتونس ممن خاضوا تجارب مباشرة مع هذا النمط من الإجراءات، بهدف تقييم مدى انسجام أنظمة المحاكمات عن بُعد في كلا البلدين مع المعايير الأساسية لحقوق الإنسان وضمانات المحاكمة العادلة.

الإطار الناظم لإجراءات المحاكمات عن بُعد في القانون الدولي والقوانين المصرية والتونسية

يُعدّ الحق في عدم التمييز، والانتصاف الفعّال، والحياة، وعدم التعرّض للتعذيب وسوء المعاملة، والحرية والأمان الشخصي، والمحاكمة العادلة، إضافة إلى الحق في الخصوصية، من الحقوق الأساسية التي يكفلها القانون الدولي لحقوق الإنسان. وبما أن المحاكمات عن بُعد، ولا سيما في القضايا الجنائية، قد تؤثر على تمتع بعض المتهمين الكامل والمتكافئ بهذه الحقوق، كان من الضروري توفير الضمانات الكافية لحمايتها أثناء تنفيذ هذا النمط من الإجراءات.

وفي هذا السياق، أصدر مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان دليلاً إرشاديًا ينظم إجراءات المحاكمات عن بُعد، مستندًا إلى تفسيرات القانون الدولي وتوصيات اللجنة الدولية للحقوقيين الصادرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2020. وقد حدد هذا الدليل الحالات التي لا يجوز فيها اللجوء إلى المحاكمات عن بُعد في القضايا الجنائية، لأنها تمسّ جوهر حقوق المتهم.

وعلى وجه الخصوص، يوضح الدليل الإرشادي أن المحاكمات عن بُعد لا يجوز اعتمادها في حالات محددة، مثل الرقابة القضائية على عملية التوقيف، والتي تشترط مثول الموقوف حضوريًا ودون تأخير أمام القاضي، وحالات النظر في مشروعية استمرار الحبس الاحتياطي، والقضايا التي يمكن أن تفضي بها المحاكمة إلى عقوبة الإعدام. أما في الحالات الأخرى، فقد أجاز الدليل عقد جلسات المحاكمة عن بُعد شريطة موافقة المتهم الحرة والمستنيرة، وأن توفر المحكمة مجموعة من الضمانات الإجرائية التي تصون حقوقه الأساسية. وفي جميع الأحوال، يجب أن تستند هذه الإجراءات إلى إطار تشريعي ناظم يضمن شرعيتها.

وقد بدأ تقنين استخدام نظام المحاكمات عن بُعد في كلٍّ من مصر وتونس عقب جائحة كوفيد-19 بموجب مراسيم وقرارات صادرة عن السلطة التنفيذية. ففي مصر، شرعت السلطات في تطبيق هذا النظام على نطاق ضيّق في أكتوبر/تشرين الأول 2020 أثناء الجائحة، ثم صدر قرار وزير العدل رقم 8901 لسنة 2021، الذي أجاز للقضاة عقد جلسات تجديد الحبس الاحتياطي واستئنافها عبر تقنيات الاتصال السمعي والبصري. واستمر العمل بهذا النظام حتى جرى تقنين استخدامه بشكل أوسع ضمن مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد، الذي أقرّه البرلمان في 29 أبريل/نيسان 2025، ثم أجرى عليه بعض التعديلات في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بناء على ملاحظات رئيس الجمهورية، علماً أن النص النهائي لم ينشر في الجريدة الرسمية حتى تاريخ صدور هذه الورقة.

وفي تونس، أصدر رئيس الحكومة، بناءً على اقتراح من وزير العدل، المرسوم عدد 12 لسنة 2020، والذي يضيف إلى مجلة الإجراءات الجزائية الفصل 141 مكرَّر الناظم لإجراءات المحاكمات عن بُعد. وقد أثار ذلك انتقادات واسعة في الأوساط الحقوقية والقانونية، فقد اعتبر قانونيون تونسيون أن المرسوم يُواجه إشكالية شرعية ودستورية، لأنه يُدخل تعديلًا استثنائيًا على مجلة الإجراءات الجزائية في ظل جائحة كوفيد-19 بقرار صادر عن السلطة التنفيذية، دون أن تُصادق السلطة التشريعية على هذا التعديل أو تقره بعد انتهاء حالة الاستثناء. وتجدر الإشارة إلى أن نظام المحاكمات عن بُعد في تونس لم يكن مستحدثًا بالكامل بموجب المرسوم، إذ سبق أن نصّ الفصل 73 من القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 عن إمكانية القيام ببعض إجراءات التحقيق والاستماع لإفاداتٍ عن بُعد في جرائم الإرهاب وغسيل الأموال.

أبرز انتهاكات الحق بالمحاكمة العادلة في نظام المحاكمات عن بُعد في مصر وتونس 

استخدام المحاكمات عن بُعد في الحالات التي تستوجب المثول الشخصي

يؤكد القانون الدولي على ضرورة مثول كل شخص يُعتقل أو يُحتجز بتهمة جنائية، شخصيًا ودون تأخير، أمام قاضٍ أو موظف مخوَّل قانونًا بممارسة الوظائف القضائية. ويُعد ذلك أمرًا بالغ الأهمية، إذ يتيح للقاضي التحقق من قانونية التوقيف، وأسبابه، وضرورة استمراره، فضلاً عن التأكد من حسن معاملة المُحتجز واحترام الإجراءات القانونية الواجبة بحقه.

وبناءً على ذلك، تؤكد إرشادات المفوضية السامية لحقوق الإنسان أن جلسات الاستماع عن بُعد غير ممكنة في الحالات المتعلقة بالرقابة القضائية على التوقيف، أو في النظر بمشروعيته واستمرار الحبس الاحتياطي. بل يجب، في مثل هذه الحالات، تمكين المحتجز من المثول شخصيًا أمام القاضي، ليتمكن من الطعن في قانونية توقيفه وضرورة استمرار حبسه، أو تقديم شكوى تتعلق بظروف احتجازه. وكذلك الأمر فيما يتعلق بكافة إجراءات المحاكمة المتعلقة بقضايا يُرجح أن تصل العقوبة فيها إلى الإعدام. وذلك لخطورة هذه العقوبة، وضرورة تقليص إمكانية حدوث أخطاء إجرائية وتقنية تعصف بحق المتهم بالمحاكمة العادلة. 

إلا أن القوانين الناظمة للمحاكمات عن بُعد في كل من مصر وتونس تتعارض مع ما سبق. ففي مصر، لم يستثنِ مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد القضايا التي قد تنتهي بعقوبة الإعدام من نظام المحاكمات عن بُعد. كما أجاز قرار وزير العدل رقم 8901 لسنة 2021 و المادة 526 من مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد1 عقد جلسات النظر بتجديد الحبس الاحتياطي واستئنافها عن بُعد، مما ينتهك حق المحتجز في المثول الشخصي أمام القاضي عند الطعن بمشروعية احتجازه. وقد أكد أحد المحامين المصريين أن جميع جلسات تجديد الحبس الاحتياطي في القضايا ذات الطابع السياسي باتت تُعقد عن بُعد أمام نيابة أمن الدولة أو القضاة، دون حضور شخصي للمحتجزين، ودون إجراء أي تقييم فعلي لضرورة اعتماد هذه الإجراءات. وأوضح أن المحامين كثيرًا ما يقدّمون اعتراضات على هذا الإجراء، إلا أن القضاة يواصلون نظر تجديد الحبس بشكل روتيني، دون اعتبار لتلك الشكاوى، فضلًا عن أن جلسات تجديد الحبس الاحتياطي تُعقد بشكل جماعي، دون الاستماع لكل محتجز على حدة، والذين غالبًا ما يكون الصوت مغلقًا تمامًا من جهتهم.

وكذلك الأمر في تونس، حيث لم يستثنِ القانون القضايا التي قد تصل عقوبتها إلى الإعدام من إجراءات المحاكمات عن بُعد. ورغم أن تونس قد علقت عملياً تنفيذ عقوبة الإعدام منذ عام 1991، إلا أن القانون لم يلغِ هذه العقوبة. وبالتالي، فإن احتمالية تنفيذ عقوبة الإعدام قائمة في حال تغيرت الإرادة السياسية. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن بعض التهم المنسوبة في قضايا ”التآمر على أمن الدولة“ في تونس قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، ورغم ذلك قررت المحكمة عقد جلسات النظر فيها عن بُعد. وقد عبّر العديد من المتهمين في هذه القضية عن رفضهم الصريح للمثول بهذه الطريقة، فيما أعلن أحد أبرز المتهمين دخوله في إضراب عن الطعام احتجاجًا على محاكمته عن بُعد، وحرمانه من حقه الأصيل في المثول شخصيًا أمام القاضي.

غياب ضمانات موافقة المتهم وإجراءات التقييم الفردي لكل حالة على حدة

مع التأكيد على حق المتهم الأصيل في أن يحاكم حضوريًا وعلنيًا، تشير إرشادات المفوضية السامية لحقوق الإنسان إلى إمكانية عقد جلسات المحاكمة عن بُعد فيما خلا الحالات السابق ذكرها، شريطة أن يكون هذا القرار مستندًا إلى موافقة المتهم الحرة والمستنيرة. كما ينبغي أن يستند قرار المحكمة باتباع إجراءات المحاكمة عن بُعد إلى تقييم دقيق لطبيعة القضية وظروف الأطراف ومصلحتهم في كل حالة، ويتعين عليها تكييف إجراءات المحاكمة عن بُعد بما يضمن تمتع جميع الأطراف بحقوقهم الأساسية دون التمييز. وفي هذا الإطار، يتوجب على المحكمة أن تولي اهتمامًا خاصًا للفئات الأكثر هشاشة، مثل الأطفال، والأشخاص ذوي الإعاقة الجسدية أو العقلية، وكبار السن، وغيرهم ممن قد يواجهون صعوبات إضافية في سياق المحاكمة عن بُعد.

إن هذه الضمانات غير متوفرة بشكل فعال في التشريعين المصري والتونسي. ففي مصر، لا يشترط القانون الحصول على موافقة صريحة من المتهم لإجراء المحاكمة عن بُعد، سواء بموجب قرار وزير العدل رقم 8901 لسنة 2021 أو وفقًا لقانون الإجراءات الجنائية الجديد. إذ تنص المادة 530 من مشروع القانون المذكور على منح المتهم حق الاعتراض على إجراء المحاكمة عن بُعد في أول جلسة، على أن يعود للمحكمة وحدها سلطة قبول أو رفض هذا الاعتراض، من دون أن يشير نص المادة إلى ضرورة تعليل قرار المحكمة أو أي طريق للطعن فيه. وقد أفاد أحد المحامين المصريين بأن المشرّع جعل قرار المحكمة باتباع إجراءات المحاكمة عن بُعد هو الأصل، واعتبر عدم اعتراض المتهم على هذا القرار بمثابة قبول ضمني. وهو ما يتعارض مع المعايير الدولية التي تعتبر موافقة المتهم على هذا النمط من المحاكمات هو الأساس، وأن تكون هذه الموافقة حرة، مسبقة، وصادرة عن إدراك واعٍ من المتهم لطبيعة الإجراءات المتبعة عن بُعد وضماناته خلالها وكيفية ممارسته لحقوقه كاملة.

أما في تونس، فرغم اشتراط موافقة المتهم على إجراء الجلسة عن بُعد، إلا أن الفصل 141 مكرَّر من مجلة الإجراءات الجزائية يُجيز للمحكمة في حالة الخطر المُلم أو لغاية التوقي من إحدى الأمراض السارية أن تقرر إجراء المحاكمات عن بُعد دون موافقة المتهم، ويكون قرارها غير قابل للطعن بأي وجه من الأوجه. وكذلك الأمر بموجب الفصل 73 من القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015، حيث لم يشترط القانون موافقة المتهم على المضي في إجراءات المحاكمة عن بُعد، بل أجاز للمحكمة اتباع هذه الإجراءات وبشكل سري في الحالات الاستثنائية، والتي تُقدر المحكمة بأنها تشكل خطراً حقيقياً.

وتشير الممارسات القضائية في تونس إلى اتجاه مقلق نحو عقد جلسات المحاكمة عن بُعد دون الحصول على موافقة المتهم، تحت ذريعة وجود ”خطر حقيقي“. فعلى سبيل المثال، وفي شهر آذار/مارس 2025 وحده، قررت المحكمة الابتدائية في تونس إجراء المحاكمات عن بُعد في 149 قضية، استنادًا إلى هذا المبرر، من دون أن توضح طبيعة الخطر أو معاييره. وقد أفاد أحد المحامين التونسيين أن التذرع بوجود ”خطر“ بات حجة فضفاضة تُستخدم لتبرير حرمان المتهمين من حقهم الأصيل في المثول الشخصي أمام قاضيهم، تحديداً في القضايا ذات الطابع السياسي. وأشار إلى أن هذا التبرير يُعتمد دون أي تقييم جدي لمدى واقعية الخطر أو تقديم مبررات معلنة وشفافة، مما يُقوّض الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.

فضلاً عن ذلك، لا يشترط الإطار القانوني في مصر وتونس على المحكمة إجراء تقييم فردي لكل حالة بهدف تحديد مدى تأثير إجراءات المحاكمات عن بُعد على حقوق المتهم الأساسية. حيث تشير الممارسة العملية إلى تجاهل المحكمة الظروف الخاصة بكل متهم، مثل العمر، والحالة الصحية الجسدية والعقلية، ومدى قدرة المتهم على استخدام الوسائل التقنية لمتابعة الجلسة بشكل فعّال مع محاميه والقاضي والشهود. وحسب ما أفاد به المحامون المصريون والتونسيون، فإن قرار المحكمة بعقد المحاكمة عن بُعد يعتبر إجراءً عامًا وإداريًا يطبّق على جميع المتهمين دون مراعاة خصوصية كل حالة على حدة. 

تقويض ضمانات الدفاع في جلسات المحاكمة عن بُعد

تؤكد إرشادات المفوضية السامية لحقوق الإنسان على ضرورة التزام المحاكم بتوفير جميع الضمانات الإجرائية اللازمة لحماية حقوق المتهم أثناء جلسات المحاكمة عن بُعد. ويشمل ذلك على وجه الخصوص صون قرينة البراءة عبر الامتناع عن عرض المتهم بمظهر يوحي بإدانته، مثل ظهوره بزي السجن أو وهو مقيد اليدين أمام المحكمة. كما تؤكد هذه الإرشادات على ضرورة ضمان حق الدفاع ومبدأ تكافؤ الفرص القانونية بين طرفي الدعوى. ويشمل ذلك تمكين المتهم من الحصول على الوقت الكافي، والتسهيلات اللازمة لإعداد دفاعه، والاطلاع الكامل على جميع الأدلة والوثائق المقدمة ضده، والتواصل السري والفعّال مع محاميه قبل الجلسات وأثناءها وبعدها، بما في ذلك إتاحة إمكانية تواجده مع محاميه في نفس المكان عند انعقاد الجلسات عن بُعد.

إضافة إلى ذلك، يتعين على المحكمة أن تضمن جودة الاتصال خلال إجراءات المحاكمة عن بُعد، بما يكفل تمكين المتهم ومحاميه من التواصل الفعّال مع قاعة المحكمة. ويشمل ذلك قدرتهم على رؤية وسماع القاضي والشهود وكافة مجريات الجلسة بوضوح، بالإضافة إلى تمكنهم من استخدام الوسائل التقنية اللازمة للمشاركة الكاملة والفعالة في المحاكمة. وفي حال حدوث أي خلل تقني أو انقطاع في الاتصال، يتوجب على المحكمة وقف إجراءات المحاكمة فورًا، إلى حين معالجة الإشكال وضمان استئناف الجلسة ضمن شروط تضمن احترام حقوق الدفاع والمشاركة الفعالة للمتهم.

ورغم وجود نصوص قانونية تؤكد على بعض هذه الضمانات في التشريع المصري والتونسي، إلا أن الممارسة العملية تكشف عن انتهاكات واضحة لحقوق الدفاع في جلسات المحاكمات عن بُعد، بما يخلّ بمبدأ تكافؤ الفرص، ويقوّض ركائز المحاكمة العادلة.

ففي مصر، صحيح أن المادة 531 من مشروع قانون الإجراءات الجنائية تنص على عدم فصل المتهم عن محاميه أثناء الجلسات المنعقدة عن بُعد، وعلى إمكانية حضور المحامي مع المتهم في مكان تواجده ومقابلته، إلا أن المحامين الذين قابلهم معهد التحرير أشاروا إلى واقع عملي مغاير تمامًا قبل أن يدخل القانون حيز التنفيذ. إذ يُشارك المحتجزون في جلسات النظر بتجديد الحبس من داخل السجن تحت إشراف أمني مباشر، بينما يتواجد المحامون في قاعة المحكمة. وحتى في الحالات التي يرغب فيها المحامي بلقاء موكله قبل الجلسة أو بعدها، فلا يكون من السهل الحصول على موافقة لهذا اللقاء في القضايا ذات الطابع السياسي. وحتى لو تم ذلك، لا تتيح السلطات للمحامي إمكانية اللقاء المنفرد بموكله.

وكذلك الأمر في تونس، فرغم أن الفصل 141 مكرّر من مجلة الإجراءات الجزائية يمنح المحامي حق اختيار الحضور إلى جانب موكّله داخل السجن، إلا أن هذا لا يضمن بالضرورة سرية التواصل بينهما، نظرًا للرقابة الأمنية المباشرة المفروضة على هذا اللقاء، ولا سيما في القضايا ذات الطابع السياسي. وقد أوضح أحد المحامين أن المتهم يحضر جلسات المحاكمة عن بُعد من داخل قاعة في السجن برفقة ضباط من وزارة العدل، وهو ما ينتهك حق المتهم باللقاء المنفرد بمحاميه.

إن هذه الرقابة الأمنية المشددة وغياب ضمان اللقاء المنفرد بين المحامي وموكله يحولان دون تمكين المتهم من الإبلاغ عن أي انتهاكات تتعلق بظروف احتجازه. فقد أفاد أحد المحامين المصريين بأن المحتجزين يخضعون لرقابة أمنية شديدة أثناء الجلسات عن بُعد، ولا يُسمح لهم بالتحدث بحرية مع محاميهم، بل وحتى مع القاضي، وعند محاولة بعضهم تقديم شكاوى تتعلق بأوضاع الاحتجاز، يتم قطع الاتصال عمداً، خصوصًا في القضايا ذات الطابع السياسي.

كما أن الإشكاليات التقنية تزيد من انتهاكات حقوق الدفاع في كل من مصر وتونس. حيث أفاد عدد من المحامين المصريين بوجود صعوبات تقنية متكررة في نظام المحاكمات عن بُعد تمسّ بحقوق الدفاع، بدءًا من انقطاع الاتصال ورداءة الصوت والصورة، وصولًا إلى غياب التواصل الفعّال بين المحتجز وقاعة المحكمة، بل وحتى العجز عن التأكد من حضور المحتجز أصلًا على الطرف الآخر من الاتصال، إذ غالبًا ما تُعقد جلسات تجديد الحبس الاحتياطي عن بُعد بصورة جماعية.

وأوضح أحد المحامين المصريين أنه في القضايا ذات الطابع السياسي، لا يتمكّن المحامون في كثير من الأحيان من رؤية المحتجزين أثناء جلسات النظر بتجديد الحبس بسبب كثرة عددهم، كما يعجزون عن التحقق من حضور موكليهم للجلسة. وإذا حاول المحامي إثبات هذا الخلل الإجرائي في محضر الجلسة، أو تسجيل أي انتهاك آخر لحقوق المحاكمة العادلة، غالبًا ما يُغلق محضر الجلسة دون السماح بتدوين اعتراضاته. كما أفاد محام آخر أنه في كثير من الحالات، خاصة في القضايا السياسية، لا يُعرض بعض المحتجزين لا حضوريًا ولا إلكترونيًا أمام المحكمة خلال جلسات النظر بتجديد الحبس. وغالبًا ما يتم تبرير غيابهم بأعذار إدارية أو صحية، مثل تعذّر نقلهم من السجن، أو تواجدهم في المستشفى، دون تقديم ما يثبت ذلك فعليًا، ودون اتخاذ تدابير بديلة تضمن حضورهم ولو عن بُعد.

وتُعاني البنية التقنية في تونس من هشاشة واضحة أيضاً، حيث تُعقد الجلسات عبر منصات رقمية منخفضة الجودة تشهد أعطالًا أو انقطاعات متكررة، ما يؤدي في بعض الأحيان إلى تأجيل الجلسات أو فقدان التواصل مع أحد أطرافها. وقد أكّد أحد المحامين أن المتهمين المشاركين في جلسات المحاكمة عن بُعد في تونس يواجهون صعوبات تقنية جدّية، إذ لا يتمكن المحامون من التواصل الفعال مع موكليهم بسبب سوء جودة الصوت وعدم استقرار الاتصال. فعلى سبيل المثال، طلب محامو الدفاع في إحدى القضايا عدة مرات من القاضي استخدام مكبر صوت لضمان سماع موكليهم لإجراءات الجلسة، إلا أن القاضي لم يستجب لطلبهم، حيث غالبًا ما يتغاضى القاضي عن هذه العيوب ويستكمل المحاكمة دون اتخاذ تدابير لإصلاح الخلل.

وتجدر الإشارة إلى أن نظام المحاكمات عن بُعد في مصر وتونس قد تجاوز إطاره الإجرائي المعلن ليُوظَّف في كثير من الحالات كأداة ذات طابع عقابي، حيث يُحرم المتهمون من حقهم في المثول حضوريًا أمام المحكمة، بما يتيحه ذلك من فرص لقاء ذويهم أو الخروج المؤقت من بيئة السجن. وتزداد خطورة هذا الحرمان حين يترافق مع تقييد حقهم في الزيارة، الأمر الذي يؤدي إلى تفاقم عزلتهم وتعميق قطيعتهم مع العالم الخارجي.

كيف يمكن إصلاح إجراءات المحاكمة عن بُعد في مصر وتونس؟

إن ضمان اتساق إجراءات المحاكمات عن بُعد مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان يتطلب من السلطات في مصر وتونس إدخال إصلاحات جوهرية، ليس فقط على مستوى النصوص التشريعية، وإنما أيضًا على مستوى الممارسة العملية.

ولتحقيق ذلك، ينبغي تعديل الإطار القانوني الناظم للمحاكمات عن بُعد في مصر وتونس، بحيث يُستثنى صراحةً من نطاق تطبيقه الحالات التي تتطلب المثول الشخصي للمحتجز أو المتهم، كجلسات عرض الموقوف على القاضي للرقابة القضائية على عملية التوقيف، والنظر في مشروعية استمرار الحبس الاحتياطي، وكذلك القضايا التي قد تُفضي إلى الحكم بالإعدام. ففي مثل هذه الحالات، لا بد أن يُمكَّن المتهم من المثول شخصيًا أمام المحكمة.

أما في الحالات الأخرى، ولضمان مراعاة الظروف الخاصة بكل حالة، يجب أن يفرض القانون المصري والتونسي على القاضي واجب إجراء تقييم فردي لكل حالة على حدة قبل تقرير اللجوء إلى المحاكمة عن بُعد. يشمل هذا التقييم، على سبيل المثال، اعتبارات متعلقة بعمر المتهم، وحالته الصحية الجسدية والعقلية، فضلاً عن قدرته على الانخراط في مجريات المحاكمة عبر الوسائل التقنية، والتواصل الفعّال مع القاضي والشهود ومحاميه. ويُفترض أن يبين هذا التقييم كيف أن اللجوء إلى المحاكمة عن بُعد في كل حالة على حدة هو تدبير ضروري ومتناسب، ولا يشكل مساسًا بحقوق المتهم وضمانات وصوله المتكافئ إلى العدالة. كما يجب أن يكون هذا التقييم قابلاً للمراجعة القضائية أو الطعن فيه أمام هيئة محايدة.

وإضافة إلى ذلك، يجب تعديل التشريعات الوطنية في مصر وتونس بما يكفل موافقة المتهم الحرة والمستنيرة على هذا النمط من المحاكمات. ففي مصر، يجب أن ينص القانون صراحة على أن المحاكمة عن بُعد لا تُعقد إلا بموافقة مسبقة وحرة ومستنيرة من المتهم، بينما ينبغي في تونس إلغاء النص الذي يسمح للقاضي بتجاوز شرط موافقة المتهم في حالات الخطر. كما يجب أن يتيح القانون صراحة حق المتهم في سحب موافقته في أي وقت دون أن يترتب على ذلك أي أثر سلبي على سير الدعوى.

ولضمان حقوق الدفاع، يتعيّن على كلٍّ من مصر وتونس أن تلتزما بعدم الفصل بين المحامي وموكله تحت أي ظرف من الظروف، وأن توفرا كافة التسهيلات اللازمة للتواصل الخاص والآمن بينهما في جميع مراحل الدعوى، دون أي رقابة أو تدخل من الأجهزة الأمنية. علاوة على ذلك، يجب أن تكفل القوانين في مصر وتونس حق المتهم في النظر بقضيته بشكل فردي، والامتناع عن عقد محاكمات جماعية عن بُعد، والتي تُضعف من فعالية الدفاع وتُقوّض ضمانات المحاكمة العادلة. 

كما ينبغي أن يُنقل المحتجز إلى غرفة مخصّصة لعقد جلسات المحاكمة عن بُعد خارج السجن، في ظروف تراعي احترام كرامته الإنسانية وتصون قرينة البراءة، بحيث لا يُعرض وهو مقيّد بالأصفاد أو مرتديًا ملابس السجن، وأن يُتاح له التواجد برفقة محاميه. 

وأخيراً، يتعين على المحاكم أن تكفل علنية الجلسات حتى وإن كانت تُعقد عن بُعد، وذلك من خلال إتاحة بث مضمون وموثوق للجمهور، مع احترام خصوصية بعض القضايا إذا اقتضى الأمر. كما يتعين على مصر وتونس إدراج نصوص تشريعية تُلزم باستخدام منصات مشفَّرة تمنع الوصول غير المصرح به إلى هذه المعلومات، وتكفل حق أطراف الدعوى والشهود بالخصوصية.

إن استخدام التقنيات الحديثة في عمل المرفق القضائي يشكل خطوة أساسية نحو تعزيز كفاءة العدالة وضمان فاعليتها، غير أن هذه الخطوة يجب أن تقترن بإطار تشريعي وتقني منضبط، يراعي على نحو صارم ضمانات المحاكمة العادلة ومعايير حقوق الإنسان. فإذا ما اُستخدمت هذه التقنيات في بيئة تعاني من ضعف الضمانات الإجرائية وتآكل في منظومة العدالة، يمكن أن تتحول إلى أداة إضافية لتقييد الحقوق وتعميق عزلة السجناء والمحتجزين.

1-تستند المواد الواردة في هذه الورقة إلى النسخة المنشورة لمشروع قانون الإجراءات الجنائية في الرابط المذكور قبل أن يصبح النص نهائياً، وذلك لعدم نشر النسخة النهائية المعدّلة في الجريدة الرسمية حتى تاريخ صدور هذه الورقة. وتجدر الإشارة إلى أن المواد المشار إليها لم تتغيّر من حيث المضمون وفق المتاح من معلومات، إلا أنّ أرقامها قد تكون خضعت لتعديل في النسخة النهائية غير المنشورة بعد.

سارة حمزة: مدافعة عن حقوق الإنسان، ومتخصصة في علوم البيانات، وزميلة ”سارة حجازي“ لعام 2025-2026 بمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، حيث تعمل على قضايا التوثيق والعدالة في المنطقة.
حليم حنيش محامي مصري متخصص في حقوق الإنسان، ومساعد قانوني في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط.
أُبي كرد علي: مدير الوحدة القانونية في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط ومتخصص في القانون الدولي لحقوق الإنسان.

: اقرأ التالي

تحولت زيارة السجناء في مصر من حق إنساني إلى عبء نفسي ومادي على الأسر، في تجربة…

سيكون للبرلمان الذي سيُنْتَخَب الشهر الحالي دورًا مهمًا في المشهد السياسي خلال السنوات القادمة مع انتهاء…

أُفرج مؤخراً عن حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة بعد أن قضى عاماً في الحبس الاحتياطي…