المدونة: عشرون عامًا تقريبًا على صدور قانون الأسرة في المغرب

بدأ مجلس النواب المغربي مناقشة إمكانية إصلاح قانون الأسرة في البلاد الصادر عام 2004، والمعروف باسم "المدوَّنة"، والذي يغطي قضايا الزواج والطلاق والميراث وحضانة الأطفال. ومن المتوقع أن تساعد التعديلات المرتقبة على إصلاح بعض أحكام المدوّنة، فضلًا عن حل بعض المسائل المتعلقة بتنفيذ النص وتفسيره


بدأ مجلس النواب المغربي في مارس 2023 مناقشة إمكانية تعديل قانون الأسرة الصادر منذ ما يقرب من عشرين عامًا، والمعروف بإسم ”المدوَّنة“، بغية خلق توازن بين ”التعاليم الإسلامية وواقع المجتمع المغربي الحديث“، بحسب ما نقلته وسائل الأخبار. وتأتي النقاشات البرلمانية في أعقاب تجمع حاشد في الدار البيضاء نظمته ثماني جمعيات نسوية بمناسبة اليوم العالمي للمرأة للمطالبة بإصلاحات تشريعية لحماية حقوق المرأة بشكل أفضل، بما في ذلك ما الأمور المتعلقة بالميراث والإجهاض.

وعلى الرغم من أن المدونة أدخلت عددًا من الأحكام العصرية عندما اُعتمدت لأول مرة في يناير 2004 لتحل محل قانون الأحوال الشخصية لعام 1958، لا يزال هناك عددًا من الإشكاليات في المبادئ التي ترسخها، وآلية تفسيرها وتنفيذها. 

وأكد وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي في مايو التزامه بالقيام بإصلاحات جديدة وصفها بأنها المعركة الأخيرة لإنهاء إقصاء وسوء معاملة النساء المتراكم في البلاد منذ سنوات. 

وفي 26 سبتمبر، كلّف الملك محمد السادس رسميًا رئيس الوزراء عزيز أخنوش بمراجعة قانون الأسرة، وأمهل الملك الحكومة حتى نهاية فبراير 2024 لتقديم التوصيات، قبل عرض مشروع القانون على مجلس النواب.

مدونة 2004

أدخلت مدونة الأسرة لعام 2004 تغييرات كبيرة فيما يخص عدد من الأمور الرئيسية مثل الزواج والطلاق والميراث وحضانة الأطفال. وكان قانون الأحوال الشخصية لعام 1958 يسمح للرجل بتعدد الزوجات دون اشتراط موافقة زوجته (أو زوجاته) الحالية، وكان حق المرأة في الطلاق مقيدًا بشدة، ولم يكن مسموحًا للمرأة الزواج دون موافقة الوصي القانوني (الولي)، ناهيك عن أمور أُخرى. ووقت صدورها، احتفى النشطاء بالعديد من أحكام مدونة 2004. 

وفيما يلي نذكر أبرز أحكام مدونة 2004: 

أولاً: رفع الحد الأدنى لسن زواج النساء إلى 18 عامًا من 15 عامًا. 

ولاقت تلك الخطوة الترحيب، إلا أن القانون سمح بالالتفاف حولها. فقد أعطت المادة 20 من المدونة الحق لقاضي شؤون الأسرة في الموافقة على زواج القاصر أو القاصرة إذا ماكانت هناك مصلحة في ذلك وبعد استشارة أبوي القاصر والاستعانة بخبرة طبية أو إجراء ”بحث اجتماعي“. وأدى ذلك إلى استمرار تفشي زواج القاصرات في المغرب. مثلًا، في عام 2019، تم تقديم 32 ألف طلب زواج القاصرات، تمت الموافقة على 81 بالمائة منها. وقبل ذلك، تمت الموافقة على 85 بالمائة من طلبات زواج القاصرات المُقدمة بين عامي 2011 و 2018.

ووفقا للتقارير الميدانية، غالبًا ما يوافق القضاة على هذه الطلبات استنادًا إلى تقييم المظهر الجسدي للفتاة وتحديد قدرتها على تحمل ”المسؤوليات الزوجية“. كما تشمل الأسباب التي يأخذ بها القضاة الحفاظ على شرف العائلة، أو منع المرأة من الفجور، وفي بعض الأحيان، لا يقدم القاضي مبررات مكتوبة لقراره.

ثانيًا: ألغت المدونة شرط موافقة الوصي القانوني على زواج المرأة، وأعطتها سلطة إبرام عقد زواجها بنفسها. بيد أن المادة 25 لا تزال تسمح للمرأة بتفويض سلطة عقد الزواج إلى والدها أو إلى قريب آخر.

ثالثًأ: وضعت المدونة قيودًا على تعدد الزوجات بدون إلغاءه بشكل صريح. وألزمت الزوج بإثبات ضرورة الزواج الثاني واشترطت الموافقة القضائية على الزواج بحسب المواد 40 إلى 46. وتنص المادة 41 على وجه التحديد على أن المحكمة لن تسمح بتعدد الزوجات إذا لم يثبت له المبرر ”الموضوعي الاستثنائي“ أو عندما لا يكون لدى الرجل ”الموارد الكافية لإعالة الأسرتين وضمان جميع الحقوق من نفقة وإسكان ومساواة في جميع جوانب الحياة“، كما تنص المادة 40 على منع تعدد الزوجات عندما يكون هناك احتمال عدم المساواة بين الزوجات، وتخوّل المرأة بإدراج أحكام في عقد زواجها تمنع زوجها من الزواج بامرأة ثانية. 

لكن، وبحسب إحدى الدراسات التي تضمنت أكثر من 75 ألف عقد زواج، تبين أن منها 87 فقط احتووا على شرط الزواج الأحادي الذي يمنع تعدد الزوجات. وبشكل عام، يُعتبر تعدد الزوجات نادر الحدوث في المغرب، فحسب الإحصاءات الرسمية لعام 2020 هناك 658 حالة تعدد فقط وهو ما يمثل نحو 0.3 بالمائة من مجموع الزيجات في الفترة المذكورة.

رابعًا: وسّع القانون حقوق المرأة في طلب الطلاق ومنحها الحق في الطلاق في حالة وجود خلافات لا يمكن حلها، مثل الرجل. ومع ذلك، لا تزال هناك بعض أوجه عدم المساواة، حيث يمكن للرجل أن يطلق زوجته من جانب واحد، في حين يفرض القانون على المرأة إما دفع تعويض لزوجها لطلب الطلاق أو إثبات واحدة من ست مسببات للطلاق حددها القانون.

خامسًا: بالنسبة لحضانة الأطفال بعد الطلاق، منح القانون حق الوصاية القانونية للأب إلا في حالات الوفاة أو الغياب أو العجز، مما يؤدي إلى احتفاظ الرجال بأفضلية اتخاذ القرار في عدد من السياقات المهمة. وتُمنح الحضانة للأم أولًا، ثم للأب، ثم لجدة الطفل لأمه، وعندما يبلغ الطفل 15 سنة تمنحه المادة 166 من المدونة حق اختيار أحد الوالدين كوصي قانوني عليه، إلا أن زواج الأم مرة أخرى قد ينتج عنه فقدانها حضانة طفلها.

وتنص المادة 175 من القانون على عدم فقدان المرأة الحضانة عند زواجها مرة أخرى في حال توفر أحد الشروط الأربعة التالية: (1) أن يكون عمر الطفل سبع سنوات أو أقل، أو إذا كان انفصال الطفل عن الأم يُلحق الضرر بالطفل، أو (2) يعاني الطفل من مرض أو إعاقة تجعل رعاية الطفل من قبل أي شخص آخر غير الأم أمرًا مستحيلًا، أو (3) إذا كان الشخص الذي تزوجته المرأة هو الوصي القانوني على الطفل أو لديه قرابة مع الطفل، أو (4) أن الأم هي الوصي القانوني على الطفل.

سادسًا: ينص القانون على أن الأطفال المولودين خارج إطار الزواج يمكنهم الحصول على اعتراف قانوني، وأنه يمكن اللجوء إلى الاختبارات العلمية في حالات النزاع المتعلقة بالأبوة. 

سابعًا: فيما يتعلق بالمواريث، ينص القانون على أنه يمكن للأزواج أن يرثا بعضهما البعض. لكنه لم يجري تغييرات كثيرة على نص عام 1958 الذي يرسخ لأحكام تجعل نصيب المرأة من الميراث أقل بكثير من الرجل في معظم الحالات. ناهيك عن ذلك، ظلت عدة مسائل متعلقة بالتنفيذ قائمة عمليًا، في تجاوز واضح للنص الحالي نفسه.

وعي محدود

بالرغم من المكاسب المحققة في المدونة، إلا أن الوعي بين المغربيات بالحقوق المنصوص عليها فيها مازال محدودًا، خصوصًا في ظل ارتفاع معدل الأمية وسواد الخطاب الديني، التحريضي أحيانًا، حول القضايا التي تقع في صميم المدونة. 

كما أن تطبيق القانون مازال يشهد تباينًا كبيرًا بحسب الموقع الجغرافي والخلفية الاجتماعية والاقتصادية، كما يظهر اعتماد بعض القضاة على التفسيرات الدينية في فهمه وتطبيقه. علاوة على ذلك، تكثر المخاوف من أن تتحول دائرة محكمة الأسرة، المستحدثة من اعتماد المدونة، لنظام قضائي موازٍ، أقل في الأهمية. 

ينبغي للمغرب، بوصفه أحد الموقعين على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW) وعدد من صكوك حقوق الإنسان الأخرى ذات الصلة، أن يتخذ خطوات لتعديل المدونة بما يتماشى مع التزاماته القانونية الدولية. وتتضمن التوصيات التي قدمتها لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة إلى المغرب تعديلات من شأنها تحديد حد أدنى مطلق لسن الزواج، وحظر تعدد الزوجات بشكل كامل، وضمان حق المساواة للمرأة في الأمور المتعلقة بالممتلكات المكتسبة أثناء الزواج والطلاق وحضانة الأطفال والميراث. كما ينبغي للسلطات المغربية أن تستثمر أكثر في مجالات مثل التوعية وتدريب القضاة لضمان تنفيذ القانون بطريقة تعزز حقوق النساء والأطفال والرجال على حد سواء. 

إن استمرار المناقشات العامة حول المدونة في جميع أنحاء المغرب وبين فئات المجتمع المختلفة تجعل من الأشهر القادمة فرصة فريدة للبلاد للشروع مرة أخرى في مناقشة قد تُفضي إلى بعض الإصلاحات الإضافية، خصوصًا أن المناقشة تتم في جميع أنحاء البلاد بين المواطنين العاديين والمسؤولين الحكوميين. 

مي السعدني: المدير التنفيذي لمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط TIMEP

باسل الجمالي: متدرب سابق في القانون والسياسات في TIMEP، يدرس القانون والدراسات العربية في جامعة جورج تاون

نُشر هذا التحليل في الأصل في العدد رقم 4 من النشرة الإخبارية لتطورات سيادة القانون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي يصدرها برنامج مؤسسة كونراد أديناور لسيادة القانون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالتعاون مع معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط TIMEP.

: اقرأ التالي

الحلول الأمنية لمنع الهجرة غير المنظمة قد تنجح على المدى القصير، لكنها تتجاهل الدوافع الرئيسية لتحرك…

تشديد العقوبة على جرائم التحرش الجنسي في مصر خطوة جيدة، لكنها وحدها ليست كافية للحد من…

تعاني مناطق الشمال السوري من نقص في الموارد والبنية التحتية، ما يتسبب في تدهور مستمر في…