حتى يكون الحوار الوطني في مصر حقيقياً

أعلن الرئيس المصري وحكومته الحوار الوطني كمحاولة لتصوير موجة جديدة من الانفتاح السياسي في مصر ، لكن الحوارات الوطنية لا تزال بحاجة إلى تغيير حتّى تصبح إصلاحية.


يسعى النظام المصري لإقناع المجتمع الدولي بأن هناك حالة من الحراك والانفتاح السياسي في مصر، وأن الرئيس عبد الفتاح السيسي يسعى لتخفيف القيود المفروضة على المدافعين عن حقوق الإنسان وعلى الحياة السياسية وفتح المجال العام. في مواجهة انتقادات الدول والمؤسسات الحقوقية لحالة حقوق الإنسان في مصر، تم إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان قبل عامين، والتي تهدف – كما تزعم الحكومة المصرية – لـ “النهوض بكافة حقوق الإنسان في مصر”. وأعلن الرئيس السيسي في أبريل 2022، خلال إفطار الأسرة المصرية، عن إعادة تفعيل لجنة العفو الرئاسي من أجل النظر في الإفراج عن المحبوسين. وتم تكليف إدارة المؤتمر الوطني للشباب بإطلاق حوار وطني يضم كل القوى “دون استثناء ولا تمييز”، وتم الإعلان عن تنظيم الحوار الوطني تحت مظلة الأكاديمية الوطنية للتدريب، التابعة للدولة. وأعلنت إدارة الحوار اختيار نقيب الصحفيين السابق ضياء رشوان منسقًا عامًا للحوار، ومحمود فوزي الأمين العام للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رئيساً للأمانة الفنية. كانت أولى مهام المنسق العام للحوار الوطني هي” بدء التشاور مع القوى السياسية والنقابية وكافة الأطراف المشاركة في الحوار الوطني لتشكيل مجلس أمناء من 15 عضوًا من ممثلي كافة الأطراف والشخصيات العامة والخبراء”، وقد انعقدت الجلسة الافتتاحية للحوار في الثالث من مايو.

ولكن مثل هذه الخطوات التي تم الإعلان عنها، لم تقابلها أي إجراءات إيجابية على أرض الواقع، فالتنكيل بالمعارضين واعتقالهم وانتهاك حقوقهم مستمر، والقيود المفروضة على المجال العام ما تزال سارية وفي تزايد.

حوار لا يشمل الجميع

في الثامن من مايو 2022، أعلنت أحزاب الحركة المدنية الديموقراطية الموافقة، من حيث المبدأ، على المشاركة في الحوار الوطني، مطالبة بتوفير الضمانات الضرورية اللازمة لنجاح الحوار. بعد ذلك بعام، أصدر حزب التحالف الشعبي، أحد أعضاء الحركة المدنية، بيانًا بعنوان “لا مشاركة بدون ضمانات”، قال في البيان، “إننا نرفض تمامًا المشاركة في عملية شكلية تستهدف وضع مجرد رتوش على وجه النظام، وتدجين للمعارضة السلمية، دون أي ضمانة لحوار تفاوضي يستهدف تقدم واستقرار وأمان الوطن والمواطن”.

كما أعلنت حركة “الاشتراكيين الثوريين” رفضها للحوار الوطني، ودعت المشاركين فيه، وبخاصة أحزاب “الحركة المدنية الديمقراطية” إلى مراجعة موقفها، وإنشاء جبهة موحدة للمعارضة، وأوضحت الحركة في بيانها، “إن الصورة التي يحاول النظام المصري تصديرها عن نفسه ليست إلا قناعًا زائفًا، ويظل المجال العام مغلقًا، ولا تزال حرية الصحافة والتعبير منعدمة، ويبقى عشرات الآلاف من المعتقلين داخل السجون”. وأضاف البيان، “أن الحوار غير متكافئ، والمناخ الحالي لا تؤمن عواقبه، حتى على من قبلوا المشاركة في الحوار الوطني، إذ إن السلطة هذه هي ذاتها التي أغلقت المجال العام منذ ما يقرب من عشر سنوات، وحجبت المواقع الصحفية، وقمعت الأحزاب السياسية، واعتقلت كل من تفوه بكلمة نقد عن سياستها”.

وعلى الرغم من الإعلان بأن الحوار سيشمل كل القوى السياسية بلا استثناء، ما يزال رئيس حزب مصر القوية والمرشح الرئاسي السابق الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح ونائبه محمد القصاص في السجن. كما أعلن ضياء رشوان أن هناك ثلاث قضايا مستبعدة من المناقشة في الحوار الوطني، وهى تعديل الدستور والأمن القومي والسياسة الخارجية.

لا حوار، بل مزيد من القمع

على الرغم من انعقاد جلسات الحوار الوطني، ما تزال سياسات القمع والتضييق على الحريات وانتهاكات حقوق الإنسان مستمرة، بل زادت. يستمر التضييق الأمني والقبض على النشطاء الحقوقيين والسياسيين. حتى الآن، لم يتم وقف مسلسل الاختفاء القسري، ولم يظهر أي من النشطاء المختفين قسريًا، مثل أحمد حسن ومصطفى النجار عضو مجلس النواب السابق الذي لا يعلم حتى هذه اللحظة مكانهما أي إنسان سوى أجهزة الدولة، ولم يتم تقديم أي رد رسمي بشأن موقفهما. لم تتوقف استدعاءات أمن الدولة غير القانونية للنشطاء، فقد تم استدعاء السياسي يحيى حسين عبد الهادي، مؤسس الحركة المدنية الديمقراطية، للمثول أمام النيابة بتهمة “حيازة منشورات”، وكان قد تم الافراج عن عبد الهادي في يونيو 2022 بعفو رئاسي من الرئيس السيسي. وتم القبض على عدد من النشطاء الحقوقيين والسياسيين منذ بداية الجلسات التحضيرية وأثناء انعقاد جلسات الحوار. على سبيل المثال، اعتقلت قوات الأمن الصحفي حسن القباني عضو نقابة الصحفيين ومؤسس حركة “صحفيون من أجل الإصلاح”. كما تم اعتقال القيادي الطلابي السابق والمدافع عن حقوق الإنسان معاذ الشرقاوي وإخفائه قسريًا، ظهر الشرقاوي بعد 24 يومًا من الاختفاء القسري في نيابة أمن الدولة العليا، وتم اتهامه بالانضمام إلى وتمويل جمعية إرهابية.

كما تم اعتقال أقارب وأصدقاء البرلماني المصري السابق، والرئيس السابق لحزب الكرامة أحمد الطنطاوي، الذي أعلن نيته خوض السباق الرئاسي في مصر المقرّر العام المقبل، حيث ألقت السلطات المصرية القبض على عمه محمد نجيب الطنطاوي وخاله محمد سيد أحمد عطية، فضلاً عن ثلاثة من أصدقائه المقربين، الذين عملوا معه سابقاً في حملة ترشحه لانتخابات مجلس النواب، وعدد من أنصاره، وتم عرضهم على نيابة أمن الدولة العليا، وقررت نيابة أمن الدولة العليا، حبس الموقوفين، وعددهم 12، لمدة 15 يوماً على ذمة التحقيقات، وتم اتهامهم بـ “عمل تجمعات يزيد عدد أفرادها المنضمين إليها عن 5 أفراد في كل تجمع، وذلك دون الحصول على إذن أمني أو أخذ تصريحًا بشأنها”، وتهمة “حيازة ألعاب نارية محظور تداولها (شماريخ) في غير الأحوال المصرح بها قانوناً”، وتهمة “حيازة منشورات ولافتات دعائية بعضها انطوى على عبارات عدائية وأخرى مناهضة للدولة”، وتهمة “الانضمام إلى جماعة إرهابية والسعي لتحقيق أغراضها داخل الدولة المصرية، وجمع وتلقي الأموال والتمويلات، وإنفاقها في أمور بعضها تخص أموراً دعائية خاصة بالنائب السابق أحمد الطنطاوي، وذلك في غير المسار القانوني المحدد لجمع الأموال وإنفاقها”.

حوار من أجل السلطة وبلا ضمانات

إن الرئيس السيسي ونظامه السياسي يريدان تصدير صورة مصر المنفتحة سياسيًا للعالم عمومًا، والغرب خصوصًا. إن مشاركة الأحزاب والحركات والشخصيات المعارضة قد تجلب للنظام فوائد كثيرة، أهمها تدقيق أقل في ملف حقوق الإنسان من جانب المجتمع الغربي، والإيحاء بأن هناك انفراجة سياسية، وحالة من الحراك تحدث في مصر، الأمر الذي سيعضد من شرعية النظام وصورته على الساحة الدولية، مما يساعده في إنجاح جهوده، وخلق فرص لاتفاقيات مع بلاد أخرى، وضمان استمرار نظامه لما بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2024. كما يحتاج النظام المصري لدعم دولي كبير لتخطي الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تعيشها البلاد، لذا يسعى لتبيض وجهه أمام المجتمع الدولي، وحالما يتخطى أزمته، سيعاود من جديد التنكيل بكل معارضيه.

لا يقدم النظام المصري ضمانات كافية للمشاركين في الحوار الوطني، خاصة ممن يملكون وجهات نظر مغايرة له في القضايا المتعلقة بالحقوق والحريات. يخشى الجميع أن تنتهي جلسات الحوار ويحصل النظام على ما يريد، ويبيض وجهه أمام المجتمع الدولي، ثم يبدأ في محاسبة غير المؤيدين لوجهة نظره. لقد سبق وأن وقع المعارضون في هذا الفخ عندما أوهمهم النظام بضرورة المشاركة في الحياة السياسية بعد مظاهرات 30 يونيو، ولكن قام بالتنكيل بهم واحداً تلو الأخر، وزج بالكثير منهم في السجون لسنوات. على الجميع أن يدرك الفخ المنصوب، المسمى بالحوار الوطني، فما هو إلا طريقة يتخطى به النظام أزماته الاقتصادية والسياسية.

من أجل حوار حقيقي

على الذين قرروا المشاركة في الحوار الوطني التمسك بكافة الضمانات التي تحمي المعارضين، وعلى رأسها الإفراج غير المشروط عن المعتقلين، وإنهاء ملف الاختفاء القسري، وضمان فتح المجال العام، ووقف استدعاءات أمن الدولة للنشطاء المفرج عنهم، ووقف نزيف الخاضعين للمراقبة بعد خروجهم من السجن، هؤلاء الذين يسلمون أنفسهم في أقسام الشرطة يوميًا، ويقضون داخلها 12 ساعة يوميًا، يتعرضون فيها لكل أنواع الإهانات رغم قضائهم سنين طويلة داخل السجن، وانتهاء فترة عقوبتهم. التمسك بهذه الضمانات مهم للغاية حتى لا يستخدم النظام المشاركين كأداة لغسل يده من انتهاكات حقوق الإنسان والاختفاء القسري والتنكيل بالمعارضين. إن خروج المعتقلين ومشاركتهم في الحوار ضرورة ملحة لنجاح الحوار.

إذا كانت هناك نية حقيقية لعقد حوار وطني وعمل إصلاحات سياسية وحقوقية، يجب فتح المجال العام من أجل استيعاب كل وجهات النظر، ووقف التنكيل بالنشطاء السياسيين، ودعوتهم لحضور جلسات الحوار الوطني، مع تقديم ضمانات حقيقية لعدم التنكيل بهم عقب انتهاء جلسات الحوار، فهؤلاء هم الأحق بالمشاركة في الحوار الوطني، فلا يمكن لأي إنسان أن يتحدث باسمهم.

لابد أيضًا السماح لمؤسسات المجتمع المدني للعمل بحرية، وأن يتم فتح الطريق للمنظمات الحقوقية التي ترغب في العمل في مصر، والسماح للمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان بفتح مقرات لها في مصر. يجب أن يتم رفع الحجب عن كل المواقع الصحفية المحجوبة ليستطيع الصحفيين كتابة مقالات بآرائهم الشخصية دون قيود. والسماح للطلبة بممارسة أنشطة سياسية واجتماعية وحقوقية داخل الحرم الجامعي، وأن تكون انتخابات اتحادات الطلبة حقيقية بدون تدخلات أمنية. يجب أن يتم تخفيق القيود على كل المجالات الأخرى، مثل الرياضة والفن والثقافة، هذا إذا أراد النظام المصري إحداث انفتاح حقيقي وحراك سياسي غير مقيد، لا يؤدي بالمشاركين فيه إلى غياهب السجون والمعتقلات.

عبدالرحمن طارق مدافع عن حقوق الانسان وسجين سابق. 

: اقرأ التالي

الحلول الأمنية لمنع الهجرة غير المنظمة قد تنجح على المدى القصير، لكنها تتجاهل الدوافع الرئيسية لتحرك…

تشديد العقوبة على جرائم التحرش الجنسي في مصر خطوة جيدة، لكنها وحدها ليست كافية للحد من…

تعاني مناطق الشمال السوري من نقص في الموارد والبنية التحتية، ما يتسبب في تدهور مستمر في…