مزار الشهداء الاقباط فى كنيسة شهداء الايمان و الوطن بقرية الشهداء (العور سابقا) بمحافظة المنيا بمصر(صورة: Wikimedia Commons).

الاستشهاد عند الأقباط: الهوية الذاتية وقت الاضطهاد

09/18/2018 . By Ishak Ibrahim

احتفلت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية برأس السنة القبطية أو عيد الشهداء منذ عدة أيام، وخلال هذا العام، استقبل الأنبا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية رفات جثامين شهداء الأقباط بليبيا في موكب من الأساقفة على أرض مطار القاهرة للمرة الأولى، كما أحيت الكنيسة القبطية الذكرى السنوية الأولي لاستشهاد 28 قبطيا تم قتلهم بطريق دير الأنبا صموئيل في صحراء المنيا جنوب مصر بعد سؤالهم عن هويتهم الدينية. وفي المناسبتين أعادت الكنيسة الحديث عن مكانة الشهداء، ونقلت بقايا الجثامين إلى أماكن خاصة بداخل بعض الكنائس مفتوحة للزيارات الدينية، فقد استدعت الكنيسة الأرثوذكسية صورة شهداء المسيحية في العصور الأولى لوصف ضحايا الاعتداءات الإرهابية على الكنائس، باعتبارهم يشكلون جزءاً أساسيا من هوية الكنيسة القبطية، وهو ما دعا المجمع المقدس في أن يحدد يوما كل عام يحتفل به كعيد لشهداء العصر الحديث، وأن ينشئ قسم بأسقفية الخدمات الاجتماعية مختص برعاية أسر الشهداء والمعترفين تحت إشراف البابا.

في بدايات المسيحية، لم يكن هناك وصفاً محدداً لمن يضحي بنفسه من أجل العقيدة، هذا بخلاف الإسلام الذي أطلق عليه لفظ شهيد، ثم مع تزايد فترات الاضطهاد التي تعرض لها المسيحيون خصوصا في مصر انتشرت كلمة المعترفون لوصف أولئك الذين تحملوا الشدائد والعذابات ولم ينكروا إيمانهم، وبمرور الوقت استخدم وصف الشهيد للذين قبلوا الموت لأجل الإيمان، وقد استعملها أكليمندس أسقف روما أوائل القرن الثاني الميلادي حين تكلم عن استشهاد بطرس وبولس الرسولين، وترسخت في القرن الثاني حين اشتدت الاضطهادات على المسيحيين وكثر الذين يعترفون بإيمانهم ويقتلوا بسببه.

في هذا المقال نلقي الضوء على الاستشهاد القبطي، ومكانة الشهيد في الكنيسة وعند الأقباط، وبما يمثله من مكانة في العقل الجمعي، وتحليل أسباب وملابسات استدعاء هذه الصورة حاليا في ضوء الآثار الاجتماعية والدينية على الأقباط، لاسيما في ظل أحداث التوترات والعنف الطائفي والتمييز على الهوية الدينية.

وهل في تمجيد الشهداء خطيئة؟ 

بالرغم من تقديري لمكانة الشهداء واحترام تضحياتهم، لكن التوسع في إعلاء خطاب الاستشهاد والاستسلام له   بشكل مبالغ فيه يترتب عليه نتائج سلبية على الكنيسة والأقباط وعلى أسر الضحايا أنفسهم، فقد يفهم من هذا التوجه أن المسيحية ديانة تربي أبناءها على القبول بالظلم والاضطهاد والتمييز، وأن هذا الممارسات لها مرجعية دينية، وكأن دخول الفردوس أو الجنة مقترن بالاستشهاد أو بالتعرض للاضطهاد والتمييز والحياة القاسية. وعادة ما يصاحب التمادي في تمجيد الشهداء نوعاً من السلبية فيما يخص المطالبة بالحقوق، وهو ما يشجع الظالم على الاستمرار في ارتكاب جرائمه، طالما أن الضحية سعيدة بالظلم الواقع عليها! كما يعمل هذا النهج على إبراء ذمة المسئولين، وعدم مساءلتهم عن تقصيرهم فيما يخص الإخلال بدورهم وأداء واجباتهم التي يأتي في مقدمتها حماية أمن وأمان الناس وصون أعراضهم وممتلكاتهم، تنصل الدولة من مسئوليتها فيه خطورة على الأقباط وعدم محاسبة المقصرين فيه هروب من المسئولية.

فلا يستقيم أن يحذر قادة الدين من ارتكاب الخطايا، بل ويفرضون عقوبات دينية لردع البعض في حين يصمتون على الاعتداءات التي تقع بسبب الانتماء الديني.

ومن ثم يخلق هذا الخطاب حاجزاً بين رجال الدين وعموم الأقباط الذين يعانون ويرغبون في وضع حداً لمعاناتهم، هم يتألمون ويريدون من يساعدهم لوقف هذه الانتهاكات، لا من يقول لهم أقبلوها من أجل حياة أفضل بعد الموت، مسئولية الكنيسة ورجال الدين تعليم أبناءهم قيم المشاركة والتمسك بالحق والمطالبة به ورفض الظلم، مسئولية الكنيسة أن تحرص أن يكون أبناؤها مواطنين إيجابيين وفعالين يدركون قيم المواطنة، ويجتهدون في تحقيقها لا في القبول بالانتقاص منها.

كما يساهم هذا الخطاب بنسج نوعاً من الحكي والقصص عن معجزات هؤلاء الشهداء، غالبا ما تخالف العقل والمنطق، وبعضها يحمل نوعاً من الشعوذة، ذلك لتأكيد مكانة الشهيد وحلول بركاته على المحيطين والمتشفعين به، وهي أشبه بالموروثات القديمة التي ترسخت عبر اللاشعور الجمعي وتقوم بتلبية احتياجات تكون تكلفتها باهظة قد يعجز البسطاء عن سدادها، كشفاء المرضى. كما أن هذا النمط يضع عبء اجتماعي ونفسي على أسر الضحايا نتيجة تضخيم الحديث عن الشهداء، وذلك بفرض نمط في الممارسة والسلوك قد يفوق طاقة أفراد الأسرة ويقيد حريتها، مثل الكلام عن الالتزام الديني والأخلاقي لزوجة وأبناء الشهيد، عدم زواج زوجة الشهيد مرة ثانية لأنها ليست أرملة عادية، أو تحديد شكل معين للملبس والسلوك، وغيرها من الممارسات الاجتماعية التي تفرض مزيداً من الظلم والضغوط على أسرة الشهيد.

شهداء العصر الحديث

اختار المجمع المقدس، أعلى سلطة كنسية في الكنيسة الأرثوذكسية، العام الماضي 15 فبراير من كل عام، وهو يوافق يوم استشهاد الأقباط على يد تنظيم الدولة الإسلامية داعش بليبيا، عيدا للشهداء في العصر الحديث. وهى المرة الأولي التي يتم فيها هذا الاختيار منذ عدة قرون، بالرغم من وقوع عديد من المذابح، خصوصا منذ ثمانينيات القرن الماضي التي استهدف خلالها الأقباط من قبل التنظيمات الإرهابية على هويتهم الدينية، وكان آخرها تفجيرات الكنائس، كنيسة القديسين 2011 أو تفجير البطرسية 2016 على سبيل المثال أو مذبحة ماسبيرو 2011، وهي أحداث ضحاياها كان أكثر من عدداً من ضحايا ذبح الأقباط.

بطبيعة الحال، أعادت واقعة ذبح الأقباط بليبيا صورة قديمة من ذاكرة الكنيسة والأقباط، صورة لاضطهاد الدولة الرومانية الوثنية للمسيحيين وإجبارهم على التخلي عن معتقداتهم والتبخير وتقديم القرابين للآلهة أو مواجهة الموت، وهى حالة مماثلة لما قام به تنظيم الدولة الإسلامية من محاورة الضحايا، ورفضهم لتغيير ديانتهم، وانتهاء بواقعة الذبح والاستشهاد، نفس المقومات الأساسية لسير الشهداء في العصور الأولى للمسيحية: مواجهة مع القوة والسلطة، صمود الشهيد أمام التهديدات، وصف تصويري للعذابات التي لحقت بالشهيد، كم من الاستعارات التي تصف الشهيد كمنتصر وبطل حقيقي للإيمان.

لكن في نفس الوقت لا يمكن قراءة اختيار هذا اليوم بعيداً عن كون التنظيم أصبح حاليا رمزا للشر في العالم كله، ارتكب مذبحته بعيداً عن حدود الدولة، وبعيداً عن اتهام البيئة الحاضنة والمفرغة للإرهاب بشكل مباشر في الداخل، والتي تترعرع تحت أعين أجهزة الدولة، فالاختيار قد يحمل بين طياته تبرئة الدولة والمجتمع من أي تقصير بشأن الاستهداف على الهوية الدينية للمسيحيين والمذابح التي وقعت ضدهم. 

ولهذا يحتفى بالشهداء حاليا 

تعدد الأسباب التي تدعو الكنيسة والأقباط إلى تمجيد الشهداء والاحتفاء بهم ورفعهم لمكانة كبيرة تفوق مكانة الأحياء حتى لو كانوا قادة دينيين، ويمكن تقسيمها كالتالي:

– أسباب دينية وتاريخية، وفقا للتقليد الكنسي القبطي الشهداء يحظون بمكانة دينية مرتفعة، تسبق القديسين وتلي الرسل، وهم يتشفعون عن المسيحيين، خصوصا في الأماكن التي ينتمي إليها هؤلاء الشهداء. خلال تاريخ الكنيسة تم ترسيخ فكرة الاستشهاد كعمل عظيم ينهي الحياة الأرضية التي تحفل بالضيقات والآلام، وتقرب الشخص من الانتقال إلى العالم الآخر، حيث السعادة والنعيم الأبدي.

ولا يمكن فصل ذلك بمشاعر الحنين إلى الماضي، عصور ازدهار الكنيسة القبطية، تعليماً وتبشيراً للدين، وعلومه، ومن ثم الاستشهاد يتيح المقاربة والتشبه بشهداء وقديسي العصور الأولى للمسيحية، فالشهيد في اللاشعور الجمعي عند المصريين عامة والأقباط خاصة يعد رمزا للبطولة والفداء، ولذا تنسج حوله قصص فيها من الخيال الكثير كأجسادهم التي لا تفسد، وقدرتهم على شفاء الأمراض، فالاحتفاء والاحتفال بالشهداء هو فرصة لتعبير المسيحيين عن ذاتهم، فالمحتفلون يشعرون بقوة، وهم يحتفلون تحت حماية القديس أو الشهيد الذي يؤكد لديهم الشعور بالأمان والانتماء الحقيقي.

– توجد أسباب اجتماعية مرتبطة بالسياق الحالي لمكانة الدين عند المصريين، على أرض الواقع، أصبح التحول الديني عند قطاعات كثيرة من المصريين سواء مسلمين أو مسيحيين نوعاً من العار الاجتماعي الذي يمتد أثره ليس للفرد وحده فقط، لكن للدوائر المحيطة به من أسرته ومجتمعه المحلي وكنيسته، وبالتالي لو تنكر الشخص لدينه خوفا من الاضطهاد، فهو يجلب هذا العار للجماعة التي ينتمي إليها، بينما لو استشهد يتحول هذا الاضطهاد لنوع من الفخر، بحسبان أن الشهيد شخص قوي لم يرهبه العنف ضده وفقد حياته، بينما الآخر طرف ظالم يجبر الناس على ترك معتقداتها بالقوة.

– يضاف إلى ذلك، الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالحفاوة الاجتماعية للشهداء، شركات للطباعة والنقل والسياحة وجمعيات خيرية، يعمل بها آلاف من المواطنين، في مجالات مثل طبع كتب وسير وصور الشهداء، تنظيم الرحلات الدينية، التبرعات والنذور، فتتحول الأماكن التي ينتمي إليها الشهداء إلى مراكز اقتصادية للزيارات الدينية والموالد أحيانا. 

في النهاية، الاحتفاء بالشهداء مطلوب ومفهوم في سياق تضحياتهم بحياتهم عندما فرض عليهم الاختيار بين التمسك بالعقيدة والحياة، لكن التمادي في تمجيد الشهادة بعيداً عن السياق التاريخي التي نشأت فيه يتحول لنوع من السلبية ومساعدة الظلم. الحياة حق عظيم وأساسي لكل إنسان، جاء في مقدمة المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ونص الدستور المصري على صونه وحمايته، وعلى كل إنسان أن يدافع عنه. والكنيسة كمؤسسة دينية عليها دور في تشجيع أبنائها على حب الحياة، فلا يجب أن يكون الكلام عن روعة الحياة الأبدية عن طريق التقليل من جمال الحياة على الأرض.

***

إسحق ابراهيم باحث مصري في شئون حرية الدين والاعتقاد، يعمل في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.