تصورات مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي حول واقع وفجوات العمل المناخي في ليبيا وتونس

من المهم إعادة النظر في تجارب ليبيا وتونس في مؤتمر المناخ السابع والعشرين لفهم الأداء والإخفاقات والفرص المحتملة على نحو أفضل، وأخذها بعين الاعتبار في مؤتمرات المناخ المقبلة.


Read this article in English here.

من المهمّ إعادةُ النظر تجاه تجارب ليبيا وتونس في مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP27)، وذلك لفهم الأداء والإخفاقات والفرص المُحتَمَلة على نحوٍ أفضل، ومن ثمَّ أخذها بعين الاعتبار في مؤتمراتِ المناخ المقبلة. 

عُقد مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP27)، أو ما كان يُعرف باسم مؤتمر الأطراف-إفريقيا، في شرم الشيخ في نوفمبر 2022. ويُمثل الحدث أهمية كبيرة للقارة؛ إذ انعقد في وقتٍ تواجه فيه تونس وليبيا، وهما من البلدان العربية والإفريقية، أزمات اجتماعية وبيئية متعددة ومتشابكة. إن ندرة المياه المتزايدة، ومشاكل الطاقة وانعدام الأمن الغذائي، والهجرة بسبب تغير المناخ، والممارسات غير المستدامة في إدارة النفايات… تضعُ جميعًا ضغوطًا شديدةً على سُبُلِ عيشِ المواطنين التونسيين والليبيين في ضوء الاضطراب السياسيّ والاقتصاديّ الحاليّين في هذين البلدين الجارين.

إلى جانب قربهما من بعضهما، تظهر مقارنةٌ واضحةٌ بين تونس وليبيا بسبب إرثهما العربي والإفريقي المشتَرَك، والتجارب الاجتماعية والسياسية المختلفة منذ اندلاع الانتفاضات العربية عام 2011. ويُعد مؤتمر المناخ حدثًا مهمًّا لدراسة التزامات الحكومات تجاه تحقيق تقدُّم ملموس واتخاذ إجراءات مباشرة للحدِّ من آثار تغيُّر المناخ، وضمان الانتقال إلى اقتصاد منخفضِ الكربون. وعليه، من المهم إعادة النظر في تجارب ليبيا وتونس في مؤتمر المناخ السابع والعشرين لفهم الأداء والإخفاقات والفرص المحتملة على نحو أفضل، وأخذها بعين الاعتبار في مؤتمرات المناخ المقبلة.

تمثيل ليبيا في مؤتمر المناخ السابع والعشرين: مُشاركة ضعيفة 

ترزح ليبيا، البلد الذي يُواجه مستويات حادة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، تحت آثارَ تغيُّر المناخ منذ سنوات، والتي ألقت بظلالها على حياةَ الناس وأنشطتهم اليوميَّة على نحو كبير. فمثلًا، زاد الإجهادُ المائيُّ زيادةً حادةً، مما جعل ليبيا من بين أكثر 33 بلدًا يعاني من الإجهاد المائي، في الوقت نفسه تنخفضُ جودةُ المياه بالموازاة لذلك. وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ خزانات المياه الجوفية في ليبيا تتعرض للاستنزاف بسبب الاعتماد الكبير عليها. علاوةً على ذلك، انخفض معدل هطولُ الأمطار انخفاضًا ملحوظًا، نظرًا لارتفاع درجات الحرارة والتصحُّر، مما أدَّى إلى إطالة فصل الصيف وزيادة العواصف الرمليَّة. ويُشكِّل هذا النقصُ في الموارد المائية تهديدًا مُباشرًا لكل من استمرارية الزراعة واقتصاد البلاد ككل. ووفقًا لموجز مخاطر الهشاشة في ليبيا، تلقَّت البلادُ اهتمامًا ضئيلًا من الجهات الفاعلة الدولية والوطنية بشأن تغيُّر المناخ مقارنةً بالبلدان الأخرى المتأثرة بالنزاع. ونظرًا لتركز أولويات ليبيا أساسًا على القضايا الأمنية، أُهملت التحديات البيئية ولم تنل حظها من الاهتمام اللازم.

وجراء عدم الاستقرار المتزايد في ليبيا والنزاعات المتكررة منذ عام 2014، تخلفت ليبيا عن ركب المشاركةِ النَّشِطةِ أو التمثيلِ الهادفِ في مؤتمرات المناخ السابقة. فضلًا عن ذلك، لم تُخصِّص الحكومةُ أيَّ ميزانية كبيرة لمشاكل البيئة وتغيُّر المناخ في البلاد. وعلى الرغم من توقيع ليبيا على اتفاق باريس للمناخ عام 2016، إلا أنها لم تصادق بعد على الاتفاقية. رغم ذلك، أعلنت الحكومةُ في يوم البيئة العالمي عام 2021 أن مجلس النواب سيوقِّع على اتفاق باريس ويوافق عليه. وأفادت التقارير أنه تمت المصادقة عليه في أغسطس 2021، لكن هذا التصديق مازال غير مُدرجًا على مستوى أطراف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بخصوص تغير المناخ. بالإضافة إلى ذلك، لم تُقدم ليبيا مساهماتها المحددة وطنيًّا، وليس لديها خطط لسد الفجوات أو التكيُّف حتى وقتنا الحالي.

كان هناك ترقبًا كبيراً لما سيتمخض عنه مؤتمر المناخ، وكان لدى العديد تفاؤلاً حذرًا حول رؤيةِ تحوُّل إيجابيّ مقارنةً بمؤتمرات المناخ السابقة، لا سيما وأن مؤتمر المناخ في العام الماضي أُطلِق عليه اسم مؤتمر “التنفيذ”. ودعا العديد من الخبراء والعلماء والباحثين في القضايا البيئية إلى تحسين العمل المناخي، وتعزيز أهمية العدالة المناخية، والقضاء على ظاهرة الغسل الأخضر، والتخلُّص التدريجي من الوقود الأحفوري والتوجُّه نحو خياراتٍ أفضل. 

شارك محمد مرعي، المدير التنفيذي لمجلس شباب ليبيا لتغير المناخ، وأحد الموفدين إلى مؤتمر المناخ السابع والعشرين، ملاحظاته حول مشاركة ليبيا في المؤتمر. وفقًا لبيانات الأمم المتحدة، اقتصر وفد ليبيا إلى المؤتمر على 32 مندوبًا فحسب، وهو عدد صغير جدًا مقارنةً بوفود الدول الأخرى المشاركة في المؤتمر. وأفاد مرعي أنه لم يحضر المؤتمرَ من ليبيا سوى ثلاثةُ مندوبين، إذ غادر أغلب المندوبين مع المجلس الرئاسي بعد وقت قصير من بدء المؤتمر. لذلك كان من الصعب على المندوبين الليبيين مواكبة المفاوضات التي جرت خلال فترة المؤتمر. وأوضح مرعي أن 85% من الوفد الليبي جاؤوا من المجلس الرئاسي دون فريق فني. وتضمم النسبة المتبقية وزير البيئة، وأستاذ جامعي، ومسؤول التنسيق الليبي في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، ومستشار أول لرئيس المؤسسة الوطنية للنفط بليبيا، وممثل عن المجتمع المدني، ومحمد مرعي.

محمد مرعي هو المندوب الليبي الشاب الوحيد الذي تابع المفاوضات وحده كموظف حكومي. ويجدر الذكر أن الحكومة لم تقم بتغطية نفقات المشاركين غير الحكوميين . أثناء المفاوضات، كانت ليبيا جزءًا من ثلاث مجموعات عمل: مجموعة الـ 77 والصين، وجامعة الدول العربية، ومجموعات العمل الإفريقية. وعمل ممثلو ليبيا عن كثب مع الدول الأعضاء الأكثر نشاطًا في مجموعة جامعة الدول العربية ودعموا أجندة التكيف للمجموعة الإفريقية. ويرى مرعي أن: “ليبيا لم تبذل حتى الحد الأدنى من الجهود اللازمة لاتخاذ إجراءات على أرض الواقع”. وقد ساهم التمثيل المنخفض لليبيا وضعف التنسيق والتمويل المحدود –لا سيما لوزارة البيئة- وضعف الاتصال بين المشاركين الحكوميين وغير الحكوميين في عدم إحراز أي تقدُّم ملموس أو تأثير واضح خلال مؤتمر المناخ السابع والعشرين.

، تنعقد الآمال على أن يتم توفير المزيد من الفرص من أجل تدريب عدد أكبر من المندوبين الشباب من ليبيا لأخذ زمام المبادرة في المفاوضات في مؤتمر المناخ الثامن والعشرين، والمشي على خُطى التجربة التونسية باعتبارها نموذجًا ناجحًا. ضم وفد تونس 15 مفاوضًا من الشباب المتخصصين في قضايا المناخ. وقبل مؤتمر المناخ، تلقى المفاوضون الشباب المعنيون بقضايا المناخ في تونس تدريبًا يتعلق بسياسة المناخ والمفاوضات ذات الصلة مع المشاركة الفعالة في المناقشات وورش العمل لإعدادهم بشكل جيد للمؤتمر.

وصرح محمد مرعي أن لديه علاقات قوية مع المفاوضين الشباب من تونس، وبعض هذه العلاقات تعود إلى مؤتمر الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ في بون في يونيو 2022 (الدورة السادسة والخمسون للهيئة الفرعية للتنفيذ) أو أسبوع المناخ في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ورغم أن التواصل بينهم غير رسمي، فإنه دليل على الاهتمام الواضح من الشباب في المنطقة لتعزيز التعاون وتوسيع نطاق الجهود الإقليمية لمواجهة تغير المناخ.

من المرجح أن يُركز مؤتمر المناخ الثامن والعشرون على تعزيز الاستفادة من الإمكانات المالية للقطاع الخاص وأمن الطاقة والحلول المبتَكَرة ودورها الرئيسي في هذا الصدد. ومن الضروري التأكيد على أن الحضور بمفرده لا يكفي لتحقيق أي تقدم؛ إذ أن المشاركة الفعالة والاستعداد الجيد للاستفادة من الدروس والقرارات والفرص لإحداث تقدم ملموس تُشكل حجر الأساس لأي نجاح.

تمثيل تونس في المؤتمر السابع والعشرين للمناخ: مجموعة متنوعة من المشاركين

إذا كانت مشاركة ليبيا في مؤتمرات المناخ الأخيرة خجولة إن لم تكن معدومة، فربما تقتفي أثر التجربة التونسية في مؤتمرات المناخ المستقبلية. خلال القمم الأخيرة، وضعت تونس استراتيجيتها الخاصة بمؤتمر المناخ وطورتها، وأصبحت تنظر إلى المؤتمر السنوي باعتباره مرحلةً مهمةً يمكن من خلالها إظهار التزام البلاد بالتحول الأخضر وخفض الانبعاثات. 

حالها حال ليبيا، تشهد تونس ارتفاعًا في درجات الحرارة، وموجات جفاف أكثر انتظامًا وشدةً، وانخفاض في معدلات هطول الأمطار، وارتفاع في وتيرة التصحر جنوبي البلاد، حيث أصبح لزامًا على الدولة أن تتبنى استراتيجيات التكيُّف وسد الفجوات. ومن الأمور الواعدة وجود دلائل على أن المواطنين التونسيين يعون جيدًا المخاطر الشديدة لتغير المناخ. ويحسب تقرير الباروميتر العربي الأخير، يعتقد 64% من التونسيين أن الحكومة يجب أن تتخذ المزيد من الإجراءات للتصدي لظاهرة تغير المناخ، مما يدل على ارتفاع مستوى الوعي بين السكان فيما يتعلق بالبيئة والرغبة في اتخاذ إجراءات بشأن قضايا المناخ.

منذ انتفاضة 2011، نصّبت تونس نفسها قائدًا إقليميًّا فيما يتعلق بتعهُّدات تغير المناخ، فصادقت على اتفاق باريس عام 2016، وأتمت التزاماتها بالبلاغات الوطنية وتقارير مُحدّثة تُصدَر كلَّ عامين. وفي عام 2021، ذكرت أحدث مساهمة مُحدَّدة وطنيًّا أن تونس تستهدف خفض مستوى الانبعاثات بنسبة 45%، مقارنة بمستويات عام 2010، وذلك بحلول عام 2030.

وشارك وفدٌ تونسيٌّ يتكون من حوالي 120 مُشاركًا في المؤتمر السابع والعشرين للمناخ المُنعقد في مصر. وترأس الوفد محمد الزمرلي، الممثل الوطني لتونس في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ. علاوةً على ذلك، تتطلَّع تونس، وهي عضو في كل من المجموعة الإفريقية والمجموعة العربية، لبناء تحالفات مع مجموعة واسعة من الدول شمالًا وجنوبًا.

وفي خضم استراتيجيتها في مؤتمر المناخ، أشركت تونس ضمن وفدها إلى المؤتمر مجموعة متنوعة من الأصوات مُمثلين عن جميع فئات المجتمع التونسي بما ذلك المجتمع المدني والسياسي ومجتمع الأعمال. وقد صرَّحت أمل ريدان لمعهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط، وهي ناشطة في مجال العمل المناخي وعضو في مجموعة المفاوضين الشباب: “مَثَّل تونسَ وفدٌ مثالي متكاملٌ للغاية يجمع بين عدة مجموعات من الخبرات والممثلين عن مختلف القطاعات، ويتسم أيضًا بالتنوع من حيث الخلفيات والأعمار والتوجهات. وأرى أن هذا يُمثل أحد الأسس القوية التي ساعدت على تغطية العديد من مجالات الخبرة وبنود التفاوض على مدار أسبوعين خلال المؤتمر”.

ومن الأهمية بمكان أن الوفدُ التونسيُّ إلى مؤتمر المناخ ضم وفدًا كبيرًا من الشباب الذين عبّروا عن آرائهم بقوة، وكانوا قادرين على تقديم مداخلات جيدة حول الزراعة، وتمكين المناخ وتمويله. ولم يؤدِّ هذا إلى سماع صوت الشباب التونسيّ بقوة على المسرح العالميّ فحسب، بل كان أيضًا بمثابة استثمار في المستقبل. لقد تعلم المندوبون الشباب مهارات مهمة، وأقاموا تحالفات جيدة، وزادوا من معرفتهم بدبلوماسية المناخ الدولية، وكل ذلك سيجعل من تونس مفاوضًا أقوى في محادثات المناخ المستقبلية في المؤتمر الثامن والعشرين للمناخ وما بعده أيضًا.

ويجدر الختام بنصيحة هامة، حيث أشار عادل بن يوسف، الذي قدم النصح للوفد التونسي بشأن تمويل المناخ، في تصوره حول القمة إلى أن “روح مؤتمر المناخ بحاجة إلى إعادة النظر”. فالقوة المتزايدة لمجموعة ممثلي النفط والغاز، فضلًا عن قدرة الدول الكبيرة على السيطرة على المناقشات، هي علامات مُقلقة قد تستمر في المؤتمر الثامن والعشرين للمناخ. من الأهمية بمكان أن تطور الدول الصغيرة والضعيفة مثل تونس وليبيا قدرتها على التأثير في المفاوضات من خلال العمل باعتبارها جزءًا من التكتلات الاستراتيجية. على الرغم من أن الدعم المتبادل بين الوفد التونسي والليبي غير رسمي، سيكون إضفاء الطابع المؤسسي على هذه العلاقات وعلى هذا التعاون خطوة مهمة في عام 2023. وهذا من شأنه أن يزيد من وضوح الرؤية لكلا البلدين وقد يُعزز الموقفَ التفاوضيَّ لهذين البلدين في العالم العربي وبلدان الجنوب العالمي عمومًا. وتَظهَر الحاجة إلى إعدادٍ أفضلَ لممثلي الشباب، لا سيما في ليبيا، قبل مؤتمرات المناخ المستقبلية من أجل الوصول إلى تجارب مشاركة أفضل. 

عندما تُمنح الفرصة للشباب للتعلم والمشاركة بفاعلية في الأنشطة والأحداث المتعلقة بالمناخ، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، سيزيد ذلك من الوعي بتغير المناخ بين الأجيال الشابة في البلاد. ومن ثم، سيلعب ذلك دورًا محوريًا في إعادة توجيه اهتمام المجتمعات الوطنية والدولية لتحسين دمج قضايا تغير المناخ عند التعامل مع ليبيا من منظور سياسي من أجل الوصول إلى عمل مناخي حقيقي في البلاد.

ملاك التائب زميلة غير مقيمة بمعهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط، تركز في أبحاثها على الأمن الغذائي في شمال إفريقيا

.أشرف الشيباني زميل غير مقيم بمعهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط، يركز في أبحاثه على قضايا تغير المناخ في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

: اقرأ التالي

الحلول الأمنية لمنع الهجرة غير المنظمة قد تنجح على المدى القصير، لكنها تتجاهل الدوافع الرئيسية لتحرك…

تشديد العقوبة على جرائم التحرش الجنسي في مصر خطوة جيدة، لكنها وحدها ليست كافية للحد من…

تعاني مناطق الشمال السوري من نقص في الموارد والبنية التحتية، ما يتسبب في تدهور مستمر في…