عبر السامسونج: صحفيون في قبضة ضباط الأمن

لا تكتفي أجهزة الأمن المصرية بالسيطرة على كل وسائل الإعلام من تلفزيون وصحف وإنتاج فني، بل تمتد يدها للصحفيين المغمورين في المحافظات وأصحاب الصفحات الكبيرة على مواقع التواصل الإجتماعي


”تم الإرسال من جهاز سامسونج“: هي الجملة الأكثر تعبيرًا عن الوضع الحالي للصحافة والإعلام في مصر حيث يتحكم ضباط الأمن بشكل كامل في المحتوى المسموح بعرضه على ما يزيد عن 100 مليون مصري. 

عندما أُخلى سبيلي في يوليو ٢٠٢١ بعد ثلاث سنوات ونصف من الاعتقال السياسي، لم أكن أدري لماذا تُستخدم هذه الجملة في سياق السخرية من الإعلام. لكن بحث بسيط على الإنترنت أظهر لي قصتها: في شهر يونيو ٢٠١٩، بينما كنت أقضي أيامي في المعتقل في شبه عزلة عن العالم، توفي الرئيس المصري السابق محمد مرسي في محبسه، وصدرت التعليمات الأمنية بنشر الخبر في الجرائد والقنوات الفضائية بصيغة موحّدة دون حذف أو إضافة. وهكذا ظهرت المذيعة نهى درويش على قناة ”إكسترا نيوز” لتقرأ البيان المرسل لتوضيح أسباب الوفاة وملابساتها، وتُنهي الخبر بالجملة الأيقونية ”تم الإرسال من جهاز سامسونج” لتفضح للجميع كيف تُدار وسائل الإعلام عبر البيانات المُرسلة من الأجهزة الأمنية.

ظهر أثر سيطرة السلطات الإعلامية مؤخرًا خلال الانتخابات الرئاسية، حيث رسمت أبواق النظام صورة لكرنفال أو ”عُرس“ ديمقراطي يمارس فيه ملايين المواطنين المخلصين حقهم الدستوري بكل إرادة حرة، بدون ذكر المخالفات والانتهاكات العديدة التي شابت العملية الانتخابية قبل وأثناء التصويت.

وأصدرت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التابعة لجهاز المخابرات العامة، والمالكة لأغلب القنوات الفضائية والجرائد والمواقع الصحفية المصرية، نشرة فيها الأمور المحظور تناولها خلال تغطية الانتخابات الرئاسية، بحسب صفحة صحيح مصر المعنية بالتحقق من صحة الأخبار. وتضمنت المحظورات تصوير أو بث أي مواد تُظهر أو توّثق أي تجاوزات خلال سير العملية الانتخابية كدفع الرشاوى أو إجبار المواطنين على التصويت أو عزوفهم عن المشاركة.

ولم تتأخر السلطات في فتح تحقيق مع المسئولين عن صحيح مصر بدعوى نشرهم أخبار كاذبة وإشاعة الفتن بين جموع الناخبين، بقصد تشويه صورة الانتخابات.

يكمن السبب وراء هوس النظام المصري بالسيطرة الإعلامية في رغبته في الانفراد الكامل بالخطاب حول المسائل العامة، خاصة الملفات الحرجة: الوضع الاقتصادي المتردي، أزمة الديون الخارجية، أزمة سد النهضة وغيرها. كذلك يحاول النظام تحديد ماذا يشغل المجتمع ونفي وتحويل الإهتمام عن أمور بعينها مثل انتهاكات الأجهزة الأمنية، أوضاع حقوق الإنسان، والإسراع إلى تكذيب أي خبر يخالف السردية الرسمية للدولة.

يتجلى ذلك الهوس في الاستمرار في التضييق على الصحافة المستقلة وحجب المواقع الصحفية واستهداف الصحفيين ومطاردة صانعي المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي وعلى تطبيق تيك توك. وبالإضافة إلى ذلك، تمتد تلك الممارسات إلى التحكم في أدق تفاصيل العمل الإخباري لتجعل من الصحفي مجرد أداة لتنفيذ تعليمات تأتيه من أعلى.

تعليمات يومية عبر الواتساب 

مثل هذه التعليمات يتم إصدارها يوميًا والتشديد على اتباعها بشكل حَرفي، بحسب بركات (اسم مستعار)، صحفي ومعد سابق لبرنامج تلفزيوني إخباري يومي يُبَث على إحدى القنوات الفضائية التابعة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية.

يقول: ”بعد فترة من العمل كمعد في هذا البرنامج…تمت إضافتي على جروب واتساب يضم عددًا من الصحفيين ومعدين البرامج في قنوات [الشركة] المتحدة، وبشكل يومي يُرسَل إلينا نشرة بالموضوعات التي يجب أن نعرضها في البرامج، ولذلك تجد أن الموضوعات اليومية هي ذاتها في كل البرامج على كل القنوات التابعة للمتحدة“.

ويضيف: ”هناك مساحة محدودة جدًا لعرض أخبار أخرى أو موضوعات مختلفة عن المُرسلة إلينا، لكنها تخضع لنفس المعايير. بعض الأخبار نمتلك الحرية في زاوية عرضها، بينما للبعض الآخر يُرسل لنا ما يُشبه البيانات ومن المحظور أن يتم التلاعب في النص أو التعديل عليه“.

انتقل بركات من الصحافة المكتوبة إلى الإعداد التلفزيوني بحثًا عن فرصة أفضل وعن راتب مجزي. يشير أن الأمور في بداية عمله لم تكن بهذه الفجاجة، ولكن في الفترة بين عامي ٢٠١٨ و٢٠١٩، تزامنًا مع بداية الفترة الرئاسية الثانية لعبد الفتاح السيسي، ازدادت السيطرة الأمنية على المحطات بشكل ملحوظ وأصبح الإعداد التلفزيوني كالذهاب إلى معسكر أمني، والجميع يخشى أن يقع في الخطأ. 

لم يحتمل بركات العمل تحت إمرة ضابط الأمن، على حد تعبيره، فتقدم بالاستقالة من وظيفته.

وأشتدت القبضة الأمنية بداية من أواخر عام 2017، تقريبًا، عندما توسعت السلطات في قمع المعارضين من غير الإسلاميين بعدما اطمأنت لإحكام سيطرتها على الشارع وكبح التيار الإسلامي. ويذكَر أن أجهزة الأمن استهلت قمعها للمعارضة عام 2013 بجماعة الإخوان المسلمين وحلفائها بعد إطاحة القوات المسلحة، بقيادة وزير الدفاع حينئذ عبد الفتاح السيسي، للرئيس محمد مرسي المنتمي للجماعة. 

تزامن التوسع في القمع مع الاستعدادات للانتخابات الرئاسية في 2018، ليتنامى التدخل الأمني في كل ما يمكن أن يؤثر في الشارع المصري أو الرأي العام، ليس فقط عن طريق التيارات السياسية، لكن بما يشمل الصحافة والإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. ثم ازداد الأمن في شراسته مع احتجاجات يوم ٢٠ سبتمبر ٢٠١٩، التي عُرفت باسم تظاهرات محمد علي.

تجنيد وترهيب: صحفيون في قبضة ضابط الاتصال

يُعرف هذا المسئول الأمني في أوساط صحفيين الأقاليم المصرية بأنه”ضابط الاتصال“، ومن ضمن مسؤولياته المتابعة الدورية مع الصحفيين والمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي في مختلف المحافظات المصرية. يتبع ضابط الاتصال جهاز الأمن الوطني، وهو أحد أهم الأجهزة المسئولة عن الأمن السياسي داخل مصر. يوجد في كل محافظة مقر أو أكثر للأمن الوطني (أو أمن الدولة كما كان الجهاز يدعى قبل ثورة يناير 2011)، تحتوي على أماكن احتجاز غير قانونية وغرف مخصصة للتعذيب ونزع الاعترافات، بحسب تقارير حقوقية

ضابط الاتصال في كل مقر مسؤول بشكل مباشر عن الأشخاص الواقعين داخل منطقته الجغرافية، عن متابعتهم وعن سلوكهم وعن السيطرة عليهم: صحفيين الأقاليم ومراسلين المحافظات لصحف القاهرة، المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي أو من يديرون صفحات لديها عدد كبير من المتابعين والمتفاعلين.

يصف عزت عوض (اسم مستعار)، علاقته مع ضباط الأمن الوطني وضباط المباحث منذ أكثر من عشرين عامًا بأنها ممتدة ووطيدة. يعمل عوض كمراسل لإحدى الجرائد بإحدى محافظات مصر، ويتعامل مع الضباط المسئولين عن منطقته بشكل شبه يومي.

يقول: ”ازدادت متابعات ضباط الأمن الوطني لعملنا خلال السنوات العشر الأخيرة، يتصلون بنا ويطلبون منا الذهاب إلى مقر الأمن الوطني لإعطائنا بعض الإرشادات التي يجب أن نتبعها…ومنذ أواخر ٢٠١٧ تقريبًا، بدأ الضباط يطلبون منّا إنشاء صفحات إخبارية على الفيسبوك متخصصة في أخبار المحافظة، وإدارة هذه الصفحات بالكيفية التي يرغب بها الضابط المسؤول“.

على السطح، تتسم تلك الصفحات بالطابع الصحفي والإخباري، ولكن في صميمها تهدف دعم النظام وإيصال الرسائل التي يرغب الأمن في تبنيها، بحسب ماوصفته المصادر. 

يؤكد كمال الطيب (أسم مستعار) حديث عوض. يعمل الطيب صحفيًا بإحدى المحافظات. أدار صفحة اخبارية تبنت تأييد السيسي في انتخابات 2018 حيث يقول أنه كان يتلقى الأوامر بشكل مباشر عما ينشره على الصفحة من إحدى ضباط الأمن الوطني.

الصحفيون: سلاح في معارك أخرى

بحسب مصدرين، أحدهما صحفي والآخر أمني، أحيانًا مايستخدم بعض الضباط الصحفيين في إدارة معارك أخرى. فلا يكتفي الضباط بالإرشادات الأمنية التي تخص إدارة صفحات مواقع التواصل الإجتماعي أو تزويدهم بالمعلومات والأخبار التي يجب نشرها والترويج لها، لكن يستخدم بعضهم هذه الصفحات لتمرير بعض الأخبار لتحقيق أهداف سياسية.

مثلاً، لأن الأمن الوطني يقوم بدور أساسي في اختيار مرشحي المجالس النيابية في مختلف المحافظات المصرية، يتم أحيانًا استخدام الصحفيين لتزكية أو تشويه المرشحين المحتملين، بما يناسب رغبات الضباط، بحسب المصدرين.

يقول أحد المصادر، فادي فريد (اسم مستعار)، وهو صحفي بإحدى المحافظات ومدير لعدد من الصفحات الإخبارية على فيس بوك، إنه تلقى في الماضي أوامر لنشر أخبار سلبية عن رجال أعمال أو مسئولين بالمحافظة التي يعمل بها، وفي أحيان أخرى استهدف أحد الأفراد الطامحين في الترشح لانتخابات مجلس النواب بعكس رغبة الدولة. ويقول أنه في بعض الأحيان لم يعرف إذا كانت المعلومات التي نشرها عن هؤلاء الأشخاص صحيحة أم لا، لكنه كان مجبرًا على نشرها.

ضربت المصادر بعض الأمثلة لتلك الممارسات، إلا أننا آثرنا عدم نشرها للحفاظ على سرية هوياتهم.

 والجدير بالذكر أنه من الصعب الحكم إذا ما كانت الممارسات المُشار إليها تجاوزات فردية أم ممارسات مؤسسية وذلك لأن السلطات تمنع مناقشة مثل تلك الأمور في العلن عبر وسائل الإعلام أو من خلال المجالس النيابية.

التنسيق الأمني لا يحمي من البطش

يظن بعض الصحفيين أن تقربهم من ضباط الأمن و إطاعة أوامرهم يضمن سلامتهم وأمنهم من البطش والتنكيل. لكن الواقع يقول عكس ذلك، وأن أقل خطأ قد يهدد حرية الصحفي المتعاون مع الأمن، فجميع الصحفيين الذين تحدثنا معهم تعرضوا للاعتقال السياسي والحبس الاحتياطي لفترة تراوحت بين ٦ أشهر حتى عامين.

كمال الطيب، الذي أدار صفحة لدعم السيسي في انتخابات الرئاسة ٢٠١٨، نشر تدوينة تضمنت معلومة خاطئة عن أحد المسئولين وتم رصدها من جهاز الأمن الوطني. اتصل به الضابط المسؤول وأمره بمسح التدوينة، وهو ما فعله، إلا أنه ذلك لم يكن كافيًا، فتم القبض عليه واتهامه بالانضمام لجماعة إرهابية على ذمة إحدى القضايا السياسية أمام نيابة أمن الدولة العليا.

أمر مشابه حدث مع الصحفي فادي فريد الذي نشر فيديو على صفحته لتجمهر بعض المواطنين في المحافظة. تواصل معه فورًا الضابط المسئول وأمره بحذف الفيديو كي لا يعرض نفسه للخطر، وفي اليوم التالي أُلقي القبض عليه على ذمة قضية سياسية.

أما عزت عوض فرفض إغلاق إحدى الصفحات التي يديرها لأنه يتربح من وراء الإعلانات التي يضعها عليها، فلم يغفر له عمله لسنوات طويلة مع ضباط الأمن وصار معتقلًا سياسيًا هو الآخر.

وهذا البطش ليس مستغربًا، على العكس، هو مكون أساسي من علاقة التسلط التي تربط الضباط بالصحفيين، فهم ليسوا شركاء إنما أدوات يمكن التخلص منها بسهولة، وهو ما يتفق مع تعاطي أجهزة الدولة مع المجال العام كمساحة يجب احتكارها من أجل الحفاظ على السلطة. فلم يكتفِ النظام بالسيطرة على المنابر الإعلامية وشركات الإنتاج السينمائي والدرامي وحجب المواقع الصحفية والحقوقية التي تتبنى خطابًا مخالفًا لسرديته فحسب، إنما وسع مدى البطش بطريقة لامركزية مكنته من السيطرة على المنابر المحلية والصفحات الإخبارية المهتمة بتغطية محافظات مصر، مرتكزًا إلى هيمنة كل ضابط أمن على نطاقه الجغرافي واستخدامه للصحفيين المحليين في نشر روايته والترويج لها.

مصطفى الأعصر زميل غير مقيم في معهد التحرير لدراسات الشرق الأوسط يركز على حرية الصحافة والإعلام في مصر.

: اقرأ التالي

الحلول الأمنية لمنع الهجرة غير المنظمة قد تنجح على المدى القصير، لكنها تتجاهل الدوافع الرئيسية لتحرك…

تشديد العقوبة على جرائم التحرش الجنسي في مصر خطوة جيدة، لكنها وحدها ليست كافية للحد من…

تعاني مناطق الشمال السوري من نقص في الموارد والبنية التحتية، ما يتسبب في تدهور مستمر في…